وما يثير الدهشة والاستغراب ان المشاركين في حوار المستقبل وحزب الله يتكتمون عند دخولهم الى مقر الرئاسة الثانية في عين التينة وخروجهم منه، ظنا منهم ان الابتعاد عن الاضواء يفيد اكثر مما يضر هذه النظرية قد تكون مطلوبة في مكان لكنها مستغربة في مكان اخر، من النوع الجاري بحثه في ضيافة رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي تكتفي اوساطه بالقول ان «مناخات المتحاورين جيدة» الا زيادة على ذلك، طالما ان الجماعة المتحاورة لم تحقق اي شيء حتى الان؟!
هذا من جهة حوار عين التينة، فيما تبدو الامور غير مطمئنة على صعيد حوار التيار الوطني والقوات اللبنانية، ليس لان الجانبين يحاذران مقاربة ملف الرئاسة الاولى بل لانهما على قاب قوسين وادنى من ان ينفرط عقدهما بالنسبة لاكثر من الدعاوى القضائية، مع العلم ان الجانبين يتطلعان الى «حج خلاص» ينهي العداء المستفحل بينهما من غير حاجة الى تحديد العقد الشخصية التي تتحكم بالعلاقة غير الطبيعية التي تباعد بين العماد المتقاعد ميشال عون والدكتور سمير جعجع.
ان اسرار التيار والقوات لا تؤخذ من صغار الطرفين، حيث لا مجال للقول ان النتائج متروكة للقاء عون وجعجع، حتى وان كان المقصود تخطي الحواجز التي تباعد بين الرجلين منذ اكثر من زهاء ثلاثين عاما انقضت وكل واحد منهما يدعي انه على حق وغيره على باطل والعكس صحيح طالما هناك اصرار على تبادل التوصيف المرتبط بما هو مرجو من وقائع ومطالب؟!
وفي عودة الى حوار المستقبل وحزب الله تبدو الامور اكثر تعقيدا من حوار التيار الوطني والقوات اللبنانية لان مطالب المستقبل اكثر تعقيدا من مطالب ومواقع الفريق الثاني، حيث يمكن الرهان على ثلاث نقاط اساسية وجوهرية مثل تدخل الحزب في الحرب السورية ومثل السلاح غير الشرعي، فضلا عن نقطة بالغة الاهمية مثل النظرة الى المحكمة الدولية، الامر الذي يدعو وباستغراب الى اكثر من فض نزاع مطلبي محصور بتنفيس الاحتقان السياسي – الامني والمذهبي!
ان الكلام على الاحتقان المذهبي يكفي وحده لعقد حوارات مستفيضة قد لا تنتهي بتبويس اللحى، لان تيار المستقبل هو من يطالب بتبريد الاجواء الساخنة من جانب الحزب وجماعاته المنتشرة في معظم مناطق بيروت والضاحية والجبل تحت اسم سرايا المقاومة. والشيء بالشيء يذكر بالنسبة الى ان انتشار الحزب يتم بالقوة وبالترهيب بدليل ما هو حاصل في البقاع عموما وفي الشمال خصوصا.
الذين يتساءلون عن جدوى اجتماعات عين التينة، لا بد وانهم يرون حماسة حزب الله لان يحقق الحوار شيئا ايجابيا، فيما هناك من يجزم بان الحزب «غير مزنوق» طالما بقي امينه العام على خطابه التصعيدي بالنسبة الى الداخل والخارج، ما يجعل تيار المستقبل يتهيب الحملة على بعض الدول العربية خصوصا ودول مجلس التعاون الخليجي عموما، وقد بدا كلام نصر الله الاخير على الحال الشيعية في البحرين وغيرها وكأن الرجل اكثر من يفكر بالتفاهم مع سواه!
كذلك فان كلام نصر الله الاخير عن استعداده لان يستثمر صواريخه الايرانية الصنع في حرب غير مستبعدة مع اسرائيل، مع العلم ان اسرائيل مستعدة عموما في هذا المجال العسكري كونها مغطاة اكثر من سواها من جانب الولايات المتحدة الاميركية و «شياطين الغرب» بما في ذلك «العملاء العرب» الذين لم يتوانوا عن اتهام الامين العام لحزب الله بانه «مارق وعميل صغير لايران» الى جانب توصيف نصر الله بانه ارهابي؟!
مثل هذا الكلام لا يقنع حزب الله بانه محشور عربيا بنسبة ما هو محشور اسرائيليا ودوليا، لكن هذا هو الواقع الذي يفرض عليه تخطي مواقفه العدائية للمنظومة العربية، والاكتفاء بتوزيع اتهاماته على اسرائيل و «الغرب المتوحش»، فضلا عن ان رغبة الحزب في الوصول بحواره مع المستقبل قد يصطدم بعجزه عن اعطاء مواقف نصف ايجابيته، فكيف اذا كانت النتائج الى الان لم تحقق المرجو من الحوار على رغم كل ما يقال من مزاعم القصد منها الايحاء بان حزب الله مهتم بالحوار اكثر بكثير من اهتمام تيار المستقبل «الجدي في مسعاه»؟!