كلام السيد نصر الله البحريني في غير زمانه ومكانه؟

كان من الطبيعي ان تلقى مواقف الأمين العام لـ«حزب الله»، وكلامه المرتفع السقف حول ما يجري في البحرين، هذا السيل من ردود الفعل الشاجبة والمتحفظة والاستنكارات التي تجاوزت حدود مواقف السيد نصر الله، وطالبت الحكومة اللبنانية «بتوضيحات رسمية»…

 

وبصرف النظر عن الدوافع السياسية والتعاطف «المذهبي» التي أملت على «سيد المقاومة» المجاهرة بهذه المواقف، فإن ما قاله كان في غير موضعه وفي غير الوقت المناسب… ويقينا أنه لم يكن يقيم وزناً للتداعيات وما يمكن ان تحدثه من ارتدادات… فالانتصار لحرية الشعوب واجب أخلاقي وإنساني، لكن ان تتعدد المعايير في هذا، فأمر لافت؟!لم يأخذ السيد نصر الله في الاعتبار ان حزبه شريك في الحكومة اللبنانية، التي لا تشاطره الرأي في كل ما قال، وستكون مطالبة أدبياً وسياسياً ودولياً، ان توضح، وتستنكر  او على الأقل ان تتبرأ من كل ما قاله، في توقيت لافت مع استئناف جولات الحوار مع «تيار المستقبل» ومع حشد القوى السياسية وغير السياسية لمواجهة «الارهاب التكفيري» الذي تجاوز حدود المكان والزمان، حيث لبنان بأمسّ الحاجة الى الوحدة الداخلية والى العون الخارجي…

كان من الطبيعي ان تقرأ مواقف السيد نصر الله، التي أطلقها في طلته الأخيرة عبر «الميادين» على أنها تدخل، او نوع من التدخل في الشؤون الداخلية لدولة البحرين، التي تربطها بلبنان علاقات جيدة وعلى العديد من المستويات، وتحتضن آلاف اللبنانيين العاملين هناك… وكان من الطبيعي أيضاً ان يلقى هذا الكلام الصادر عن رجل، بات في صلب «المعادلات الاقليمية»، اعتراضات شاجبة، من قبل الدولة المعنية، التي تشهد منذ فترة غير قصيرة، كما العديد من الدول العربية، حراكاً سياسياً تتعدد القراءات حوله وتتنوع، مع فارق ان «الحراك البحريني» والاجابة عليه، لايزال ضمن سقف سياسي مقبول، شرط عدم تجاوز الحدود الى ما يمكن ان تعتبره الدول الخليجية العربية الأخرى، تهديداً لأمنها واستقرارها، وفق معادلات إقليمية واضحة، اللاعب الأساس فيها هي ايران… الأمر الذي أثار قلقاً خليجياً واضحاً وحذراً من ان تندفع الأمور الى ما يهدد الأمن والاستقرار الخليجيين…

لقد سبق لدول مجلس التعاون ان أقدمت على خطوات عسكرية لافتة، كرسالة الى من يعنيهم الأمر، الى ان أمن الخليج واحد، الأمر الذي وجد ترجمة عملية في وقت سابق بتدخل عسكري لقطع الطريق على أية محاولات تستهدف تعريض أمن أي دولة واستقرارها الى أي اهتزاز.

هذا يعني، ان اللعب بأمن أية دولة من دول مجلس التعاون الخليجي، «خط احمر» ولا يمكن ان يكون مقبولاً او متساهلاً فيه… وتجربة دولة قطر في هذا، مثال حي، يوم أقدمت غالبية دول مجلس التعاون، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، الى قطع العلاقات مع الدوحة، وسحب السفراء، تعبيراً عن رفض هذه الدول الى كل ما من شأنه ان يؤدي الى اهتزازات زمنية، او رد فعل على اجراءات ومواقف وسلوكيات معينة… ولم تصلح الاحوال إلا بعدما وفرت قطر ضمانات بعدم التدخل (أمنياً) في الخارج…

الواضح، ان كلام السيد نصر الله، الذي سبقته معلومات ترددت في الاعلام، عن أنشطة أمنية وعسكرية لـ«حزب الله» في البحرين، أحرج الجميع، خصوصاً الحكومة اللبنانية التي يتمثل فيها الحزب… ولم يكن أمام رئيس الحكومة تمام سلام، الى ان يعلن، ولو من دون ذكر الأسماء، ان «الكلام الذي يصدر عن أي جهة سياسية لبنانية في حق البحرين لا يعبر عن الموقف الرسمي للحكومة اللبنانية…» من دون ان يشكل هذا براءة ذمة لأي أحد… خصوصاً، ان الاعلام التابع للحزب، لايزال على ما دأب عليه منذ فترة… الأمر الذي يستدعي مكاشفة مباشرة، وصريحة الى أبعد الحدود، مع وزراء الحزب (أقله)…

والسؤال هو، ماذا لو لم تقتنع دول الخليج المعنية كفاية بالبيان الصادر عن رئيس الحكومة، وأية اجراءات نحن مقبلون عليها وأية تداعيات؟

ليس من شك في ان مواقف السيد نصر الله، تجاوزت حدود العمل الاعلامي المجرد… وان أي اجراء بحريني، موقوف على جملة اعتبارات، من بينها القناعة الكافية بأن كلام نصر الله، شيء ومواقف الحكومة اللبنانية، والقوى السياسية، والغالبية الساحقة من اللبنانيين شيء مختلف تماماً. وان كان الأمين العام لـ«حزب الله» لم يعر اهتماماً لمصير الآلاف من اللبنانيين العاملين في دول الخليج، الذين من دون شك، أظهروا حرصاً على أمن واستقرار الدول الموزعين فيها، كافياً للدلالة على «أنهم خليجيون بقدر ما أنهم لبنانيون… ولبنانيون بقدر ما أنهم خليجيون».

لقد كان الأولى بالسيد نصر الله، ان لا يوسع من دائرة مشاركاته الخارجية، وهو يعرف أكثر من غيره، خطورة ما يمكن ان تكون عليه أية ردات فعل سلبية من قبل أي دولة خليجية، تتكاتف معها سائر دول مجلس التعاون، التي لم تظهر الى الآن، سوى المحبة والاحترام والتقدير للبنان واللبنانيين من غير تمييز بين فئة وأخرى، طائفة وأخرى، مذهب وآخر… كما كان الأولى، ان يدرك، ان أولوية المعارك والمواجهات هي في أمكنة أخرى، حيث «الارهاب التكفيري» بات عابراً للحدود وان المنطقة كلها مفتوحة على تداعيات غير محسوبة النتائج وغير مقيدة بزمن محدد؟!

المصدر:
الشرق

خبر عاجل