#adsense

حكومة في كل بيت

حجم الخط

 

كتب أمجد إسكندر في “المسيرة”:  في كل بيت لبناني حكومة تعمل بكل انسجام وفعالية وبقدر ضئيل من تضارب الصلاحيات. وزارات حكومة البيت اللبناني، تسير على ما يرام، ولا يُعطِّل عملها، أحياناً، إلا وزارات الحكومة المركزية القابعة في السراي الكبير.

لو كانت حكومة البيت اللبناني متكلة على وزارة الموارد المائية المركزية لمات كل افراد البيت من العطش. صنبور مياه الشرب، لزينة المطبخ ليس أكثر. ثمة كمٌ هائلٌ من وزارات المياه تتنافس في تزويدنا بما نريد وبأسعار تنافسية. وزارات المولدات الكهربائية تقوم بالواجب أيضاً. وبدلاً من وزارة النقل العام المُعطلة أو الأصح المُقرفة (لمن بُلِيَ يوماً واستقل ذلك الباص المهلهل)، لدى كل بيت لبناني وزارتان للنقل على الأقل هما كناية عن سيارتين خاصتين أو ثلاث، بحسب عدد الراشدين في العائلة اللبنانية السعيدة. ولأن وزارة الأشغال العامة المركزية، “مركزية ” بامتياز، فهي عاجزة عن تأمين طرق واسعة تخفف الازدحام، لكن الله سبحانه ترك لنا بصيصاً، وعوَّضَنا “بالحكومات المحلية” أي البلديات التي قامت في الأعوام الأخيرة بأعمال تحسين لا بأس بها. ولتعرف مدى ضرورة تطبيق نظام لامركزي موسع، يكفي أن تنظر الى الطرق. سيارات فخمة وفارهة أسعارها تفوق جداً كلفة إصلاح الطريق التي تسير عليها. سيارات جديدة على طرقات عثمانية. سيارات كبيرة على طرق صغيرة. لو كانت الطرق العامة، قطاعاً خاصاً، لما شعر اللبنانيون بالازدحام. المصيبة الكبرى في وزارة التربية “الوطنية”، إذ إن كلفة الطالب في مدارس الدولة تزيد عن كلفة أي طالب في أغلى مدرسة خاصة!  الفرق أن “طالب الدولة” لا يتعلم، ويهرب كل صاحب شركة من توظيفه.

حتى المؤسسات المركزية التي تُحمَدُ وتُشكَرُ، أي الجيش وقوى الأمن وغيرها، إنما تُحمَدُ لأن حكومات “البيوتات” اللبنانية، لم تقرر أن تسترد صلاحية أمنها الخاص منها. وذلك لأن هذه “البيوتات” عاجزة حاليًا أو راضية موقتاً عن سير عمل تلك الأجهزة!

والى أن يسمح لنا النظام العالمي الجديد، بالبحث عن “نظام بديل” من “نظام الطائف”، سيبقى البيت اللبناني والحزب اللبناني والطائفة اللبنانية، متمسكين بحكوماتهم الخاصة. وسيحاولون عند كل تشكيل جديد للحكومة أن يخصصوا مناطقهم ومناصريهم بمنافع ما تبقى من مال في وزارة المال المركزية.

على فكرة، اللبناني يعطي وزارة المال المركزية القليل القليل، لأنه في المقابل لا يحصل منها  إلا على القليل الأقل.

والطريف المبكي أن الذين يستفيدون من مال الدولة هم إجمالاً من لا يدفعون لها شيئاً. وعادة ما يُهاجر اللبناني للعمل في الخارج، لأن “دولة الداخل” لا توفر له أية فرصة للعمل. وعندما يأتي ليشتري بيتاً، وبتأثير من أنظمة الدول التي عمل فيها، لا يعرف كيف يحتال ليخفف “القيمة التأجيرية” لشقته، ويصر على دفع الضريبة البلدية السنوية، على رغم أنه لا يسكن في شقته إلا بضعة أسابيع في السنة!

فهذا اللبناني الذي لم يشرب من ماء الدولة، ولم يستعمل كهرباء الدولة، ولم يتعلم في جامعة الدولة، ولم يدخل مستشفى الدولة، إذا ما قرر في صيف ما أن لا يزور “دولته”، يبدأ البكاء واللطم.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل