.jpg)
يكاد لا يمر يوم أو أسبوع من دون أن يتطرق قداسة البابا فرنسيس الى مواضيع جوهرية وعميقة، تحتاج للكثير من التمعن والتأمل والغوص فيها، لأنها بالفعل تضع الإصبع على جروحات كثيرة وكبيرة يعاني منها البشر في كل أصقاع الدنيا.
منذ إستلم مهامه في الفاتيكان، إختار مكاناً متواضعاً جداً ليسكن فيه، بثياب عادية وصليب حديد وسيارة أقل من عادية. ثم بدأ بعملية تطهير واسعة طالت رؤوساً كبيرة في الكنيسة داخل الفاتيكان وفي دول عدّة، لدرجة قوله إن إدارة الفاتيكان يعصف بها المرض وبعض الأساقفة يعانون ألزهايمر روحي، ما أحدث ثورة على صعيد المسيحيين في العالم ودفع بالكثير من الشباب المسيحي للعودة الى الكنيسة إلتزاماً وممارسةً.
قبل الأمس، سُئل عن العملية الإرهابية التي قُتل فيها العديد من رسامي الكاريكاتور في صحيفة “شارلي إيبدو”، فأكد أن الاعتداء على مقر الصحيفة يمثل سلوكاً شاذاً ولا يمكن لأحد أن يقتل باسم الرب، ومن الخلفية ذاتها لدعواته المتكررة لإحترام المقدسات وللاعتراف بشكل ملموس بالحرية الدينية، أضاف أن حرية التعبير تقترن بمسؤولية، وعلى من يهينون مقدسات الآخرين أن يتوقعوا رد فعل، ولا يمكن استفزاز أو إهانة معتقدات الآخرين، او التهكم عليها.
في الأمس، ضرب أيضاً على الوتر الموجع والمُسبب الأول ربما للكثير من المشاكل الإجتماعية في العالم. فقد حض البابا فرانسيس المسيحيين الكاثوليك على الاهتمام بتربية أولادهم بشكل ملتزم ومسؤول، داعياً إياهم الى التوقف عن الإنجاب والتكاثر مثل الأرانب، على حد تعبيره. وأضاف البابا: “البعض يعتقد، وأعذروني على تعبيري، أنه لكي نكون كاثوليكيين صالحين علينا أن نكون مثل الأرانب، وتابع قائلاً، قطعا لا، الأبوة تتعلق بالمسؤولية”.
هذه الآفة التي دفعت بالصين لوضع حدّ وشروط قاسية للإنجاب، تتغاضى عنها الدول النامية في العالم، ما يخلف الكثير من المجاعات وسوء التغذية الناجم عن الفقر المُدقع لتلك الشعوب.
حتى في الدول المجاورة وفي لبنان أيضاً، نعاني الكثير من هذه المشكلة الإجتماعية وتداعياتها السلبية على مجتمعاتنا وأطفالنا ومستقبلهم.
ما زال قسم كبير منا يعيش في ذهنية العصور الوسطى، زمن الغزوات والإجتياحات، حيث كان التركيز على كثرة العدد، مع العلم أنه لم يكن هناك من إحتياجات أو متطلبات مثل تلك الموجودة اليوم. فكان رب الأسرة يكتفي بتأمين الطعام وأدنى متطلبات العيش ليكون مكتفياً هو وأسرته. لكن اليوم الوضع مختلف تماماً، فمتطلبات العيش بحده الأدنى أصبحت كثيرة ومُكلفة جداً، وبالكاد يمكن تأمينها لولد أو إثنين أو ثلاثة بالحدّ الأقصى.
فترى رجلاً يوزع أولاده الذين يفوق عددهم العشرة على التقاطعات وفي الشوارع المُزدحمة، وآخر يكفر ويبكي على حاله وحال الفقر التي يعيشها هو وجيشه الصغير من الأولاد، وأخرى تنوح وتعتب على الآخرين والذين تحملهم وتمسك بهم يفوق عددهم الخمسة، وآلاف الحالات التي نراها من حولنا كل يوم.
والأسوأ أن هذه الذهنية المتخلفة تصحبهم في هجرتهم الى البلدان الغربية هرباً من بلدانهم، فيستغلون أنظمتها الحرّة ومساواتهم مع الآخرين وكسب ما أمكن من مساعدات، من دون أي تغيير في الذهنية والأسلوب.
فبماذا تختلف هذه الشعوب عن الأرانب؟ وهل مهمة الإنسان في هذه الدنيا الإنجاب والإنجاب من دون أي تفكير في المستقبل الذي ينتظر هؤلاء الأطفال الذين يتحملون مسؤولية جهل وقلة إدراك أهلهم؟؟ وأين مسؤولية الأهل أمام الله أولاً، وأمام ما يعانيه أولادهم من مآسٍ بسببهم ثانياً؟! وهل هكذا تُبنى وتتطور المُجتمعات؟! حتماً لا، وستبقى هذه الشعوب تعيش في جهلها وتعصبها، على الأقل، في المدى المنظور.
أيها البابا المملوء قداسة وتواضعاً ومحبة للجميع، وريث بطرس الصخرة التي بنى الله كنيسته عليها، كلنا نصلي من أجلك لتكمل هذه المسيرة التصحيحية والتطهيرية على مستوى الكنيسة والمجتمع والعالم، العالم الذي أصبح بأمس الحاجة لمن يُرشده الى طريق الله الحقيقية، وأيضاً لتبقى الصوت الصارخ في البرية: أخرجوا من جهلكم وتعصبكم وتطرفكم وإجرامكم.
