
كتبت ريتا صفير في “النهار”: في وقت تتجه الانظار الى الرياض لمعرفة النهج الذي سيسلكه الملك الجديد سلمان بن عبد العزيز آل سعود ولا سيما على المستوى الداخلي، تبقى اعين العالم والمنطقة شاخصة الى التحديات الدولية والاقليمية التي تواجهها المملكة العربية السعودية. تحديات تبدأ من الهاجس الدولي في مكافحة الارهاب ولا سيما “داعش”، وتمر على دور المملكة في الازمات التي تجتازها دول المنطقة سواء في اليمن او العراق او سوريا او مصر، ولا تنتهي بلبنان الذي شكل احدى “الحدائق الخلفية” للمبارزة السعودية – الايرانية. مبارزة شهدت احتداما في الفترة الاخيرة، على وقع التحولات الدامية في دول “الربيع العربي”.
في الشكل، يبدو ان “الاستمرارية” التي طبعت السياسة الخارجية السعودية، كانت ايضا سمة العلاقات اللبنانية – السعودية. استمرارية ترجمت بدعم سياسي واقتصادي يتجلى، للوهلة الاولى، في 3 محطات اساسية:
الاولى، عندما ادت المملكة دورا اساسيا في وضع حد للحرب الاهلية اللبنانية. فشكلت نهاية الثمانينات موطئا لاحلال السلام اللبناني الداخلي في الطائف. هكذا، وبعد اشهر طويلة، ولد للبنان دستور جديد يحمل اسم احدى المدن السعودية، بدعم سعودي وعربي وتحديدا سوري، وفي “لحظة” تقاطعت فيها العوامل الاقليمية بالدولية.
ثانية هذه المحطات تمثلت في اطلاق الملك الراحل عبدالله بن عبد العزيز “المبادرة العربية للسلام” من بيروت عام 2002. والمبادرة الشهيرة، التي اقرت بالاجماع، تضمنت نداء للسلام. من هنا، وانطلاقا من الجهود العربية وتحديدا السعودية، حققت قمة بيروت التي عقدت في 27 و28 آذار 2002 تحت عنوان “قمة الحق العربي” نتائج مهمة جعلتها تستحق وصفها بـ”القمة التاريخية”. اما ابرز هذه النتائج فتمثل في توفير إلاجماع حول مبادرة السلام السعودية التي صدرت في “إعلان بيروت”. اجماع عكس رغبة العرب في السلام، مقابل انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة. كما ايدت المبادرة ما سعى لبنان بشدة الى تأكيده عبر ضمان رفض كل أشكال التوطين الفلسطيني الذي يتنافى مع الوضع الخاص في البلدان العربية المضيفة. وشكلت ايضا قمة المصالحات والتضامن، إذ تحققت خلالها مصالحة مزدوجة بين العراق وكل من الكويت والسعودية، لتلوح معها “بشائر” إنهاء أزمة استمرت نحو 12 عاماً وكانت لها تداعيات كثيرة على واقع العلاقات العربية – العربية.
ثالثة هذه المحطات، تجلت اخيرا في المكرمة التي خصت بها المملكة العربية السعودية لبنان العام الفائت عبر دعم الجيش بـ3 مليارات دولار، وتخصيص مليار آخر، يتولى الرئيس سعد الحريري صرفه في لبنان. ومعلوم ان الدعم السعودي جاء ردا على التحديات الامنية التي واجهتها القوى المسلحة اللبنانية ولا سيما الجيش، فعكست الهبة الاخيرة، بعد هبات عدة تلقاها لبنان عقب الاعتداءات الاسرائيلية، تمسك المملكة وحلفائها بوحدة السلاح الشرعي على امتداد الاراضي اللبنانية.
ولم يكن لبنان في منأى عن مبادرات الملك الراحل الدولية والعربية ولاسيما لجهة ارساء قواعد التعاون الاسلامي – المسيحي. وبذلك، طاولت “آثار” خطواته بيروت وخصوصا عبر دعمه وتمويله مركز حوار الاديان في فيينا وزيارته التاريخية الى البابا في حاضرة الفاتيكان. كما تمكن عبر قيادة بلاده والمساهمة في قيادة المجموعة العربية من الحفاظ على علاقة مع الاطراف والمكونات اللبنانية كافة مغلبا في دعواته نهج الاعتدال والحوار وخيار المهادنة.
والملك الراحل كان زار لبنان مرات عدة، منها عام 1997، الى إطلاقه مبادرة السلام من قمة بيروت عام 2002، فزيارته الخاطفة عام 2010 التي أرادت دعم الاستقرار وبعث رسالة اخرى عن عدم نية الرياض التخلي عن لبنان.