كتبت فيرا بو منصف في مجلة “المسيرة” – العدد 1468:
كنا في البقاع وظن كثر أن الجغرافيا ستطوّع الناس هناك في انتماءاتهم، وأن الكل سيكونون إما “قوميين سوريين”، أو يلتحقون بـ”البعث السوري”، أو لا شيء أو… يرحلون، ولم نكن كل ذلك ولم نرحل لا عنوة ولا بالحسنى، فعلنا ما هو أكبر وأهم وأنبل بكثير، قاومنا. أهلا بكم في الفرزل البقاعية.
هناك عند الحدود المتقاربة مع سوريا، التي شاؤوها لنا آنذاك شقيقة بالقوة وبالفعل والاغتصاب، حاكت القرى والبلدات اللبنانية حكايات مواجهة ونضال، لو ضُمّت في مجلّد لظن القارىء أنها حكاية في كتاب قراءة، ومن ضمن أدبيات تقارب الشعر وليس الواقع. لكن الواقع أن كتاب “القراءة” ذاك، تُقرأ فيه كل حكاياتنا الصحيحة الموجعة حتى الموت والاستشهاد. كانت الفرزل في ذاك السهل الأخضر المترامي، في البقاع، محاطة بعيون “الشقيق” المتربّص بنا شرًا، وكان ممنوعًا أن نصنّفه من بين الأعداء، إذ احتكرت إسرائيل كل مضامين الكلمة وكل أبعادها، وكل ما عداها من منتهكين مثلها للأرض والإنسان، “معليش” فهؤلاء يُصنفون من ضمن الإخوة والأقارب!!

إذاً دخلت الفرزل الحلقة المجنونة إياها، جنون المقاومة من عندنا، وجنون الانتقام والتنكيل من عندهم. كل شاب كان مشروع شهيد، وكل رافض للأمر الواقع كان مشروع معتقل. بدأت الحكاية هي هي، “الكتائب” ضد الفلسطينيين والسوريين وأعوانهم، وكان أعوانهم وعيونهم في البلدة كثرًا.
بدأ الصراع من هنا، الشباب ضد الاحتلال السوري والمنظمات الفلسطينية المسلحة، و”القوميون” مع أولئك ضدنا، واندلع الصراع الذي لطالما تحوّل الى مواجهات عسكرية بعدما تحوّل “القوميون” هناك، كما في غالبية المناطق اللبنانية، الى فرع معلومات للمخابرات السورية يزوّدونهم بتحرّكات الشباب وبأسمائهم وأماكن وجودهم، ليتمكّن الاحتلال لاحقا من محاصرتهم واعتقالهم. كلما نقص شاب من الفرزل كلما خف الحِمل على “القوميين”، إذ كل شاب بنظرهم كان بمثابة عشرة رجال، ومقياس العدد هنا بتلك الشجاعة النادرة على المواجهة ومقاومة محتل يملك كل شيء إلا الكرامة، وشباب لا يملكون إلا القليل من العتاد إنما قلبًا جرّارًا بالعنفوان ونبل الأهداف.

كانت بداية السبعينات، شعر شباب الفرزل أن قوة “القوميين السوريين” بدأت تكبر وتنمو بشكل لافت، هي قوة الاستقواء بالمنظمات الفلسطينية المسلحة، فقرروا افتتاح أول بيت لـ”الكتائب” في البلدة وبدأوا بممارسة نشاطاتهم الحزبية، ومن ضمنها التدريبات، وبدأت عيون الغيارى تتسع من حولهم. لم يعجبهم أن يتحول المسيحيون الى قوة مناهضة لأي وجود غريب. اشتعلت الاستفزازات. بدأت حلقة الحصار تضيق من حول الشباب، والشباب يمعنون في التدريبات وكأنهم كانوا يعلمون ما ينتظرهم، وكان عليهم أن يواجهوا كل الاحتمالات الا الاحتمال الوحيد المطلوب أساسًا، أي الرحيل عن المكان. كان هذا هو المستحيل بالنسبة إليهم، فقرروا التحمّل والصمود والمواجهة.
توغلت أيام الوطن بالحروب والمواجهات مع الفلسطينيين حيناً، ومع جيش الاحتلال السوري غالبا. سقطت الفرزل في تجربة الاستشهاد. أول شهيد الياس ملحم أبو انطون، وكان العام 1976، وعلى أثر معلومات نقلها “القوميون السوريون” للمخابرات السورية عن خطة لتموين البلدة وزحلة بالسلاح عبر خط تموين عابر لجرد الفرزل، وكان أبو انطون ’تيا من بيروت مع مجموعة من الشباب بالجرد كي لا يكتشف أمرهم برّا، إذ كانوا محمّلين بالأسلحة لأبناء البلدة لتتمكن من الدفاع عن نفسها ولتأمين الإمدادات لزحلة المجاورة، فتعرضوا لكمين مسلح من جماعة أحمد الخطيب و”القوميين السوريين” فاستشهد ملحم مع اثنين من رفاقه من بلدة أبلح المجاورة بعد معركة طاحنة، قرر الشباب على أثرها إقامة نقطة حماية دائمة في المكان، وسُمي الموقع بـ “خط التموين” وكان يؤمن خط الإمداد لزحلة.

لم تكن الطرق آمنة والخطر محدق من كل الجهات، و”القوميون” يحاصرون الشباب بالمراقبة والوشايات المتلاحقة، ما جعل الفرزل بؤرة مقاومة بالنسبة للسوريين ويجب طمرها مهما كان الثمن. أقفلوا عليهم المنافذ كافة، وكان يجب أن يؤمنوا لزحلة مؤونة الأسلحة التي كانوا يشترونها سرًا من المناطق القريبة المجاورة، فقرر الشباب العودة الى الطرق البدائية، نقل الأسلحة على ظهور الحمير، على أن يتولى المهمة الأكثرهم هدوءًا وشجاعة، أمثال ملحم أبو نجم والياس جبران وبعض الرفاق الذين لا شبهة عليهم ليتمكنوا من التحرك بحرية أكبر. كان الشباب ينتظرون الثالثة قبل الفجر ليبدأوا تحركاتهم، يحضرون قافلة الحمير ويسيرون في الظلمة ليصلوا زحلة عند بزوغ الفجر ويسلّموا الأمانة، في مشهدية تقارب آخر أيام الاحتلال العثماني للبنان حيث كان يُهرّب القمح والبواريد على ظهور الحمير. ويخبر ألفرد ناصيف، الذي تولى مسؤولية “الكتائب” في البلدة آنذاك، أنه تلقى مرة اتصالا من الشيخ بيار الجميل، يطلب منه تأمين بواريد ألمانية على أن يرسل له شخصًا مع كلمة سر، وجاء الشخص المفترض وإذ به فلسطيني الجنسية يدعى حسين، جنّده الشيخ بيار للعمل مع “الكتائب” وكان يتنقل بسهولة لأن الشبهات كانت بعيدة عنه، وبالفعل تمكن من نقل نحو 50 بارودة بناء على طلب الشيخ بيار.
العام 1980 التحق شباب الفرزل بـ”القوات اللبنانية” بعد نداء البشير. زادت حدة الاستفزازات في قلب البلدة من قبل “القوميين”، وبلغت ذروتها عندما غاب الشباب للمشاركة في معركة الدفاع عن زحلة المحاصرة من الجيش السوري، فاستغل “القوميون” فرصة غيابهم، واقتحموا منازلهم وتعرّضوا بالإهانة للنساء والشيوخ بحجّة البحث عن السلاح، ما أدى الى حال من الذعر في البلدة التي كادت أن تدخل في مواجهات دموية بالغة الخطورة لولا تدخلات سياسية ورجال دين لضبط الأوضاع. وحتى الآن لا ينسى الأهالي ما حصل في العام 1984 على أثر وشاية من أعضاء في الحزب “القومي”، عندما اعتقلت القوات السورية المسؤول العسكري في الفرزل جورج حنا المعروف آنذاك بـ “أبو عمار” ومساعده جوزف رحمة، واقتيدا الى فرع فلسطين في سوريا، حيث اختفيا لسنتين خضعا في خلالها للأبشع أنواع التعذيب والتنكيل قبل إطلاقهما بأعجوبة.
.jpg)
لم تنس الفرزل تاريخها، طوت صفحة الحقد مع “القوميين السوريين” ومع كل من أساء اليها، لكنها لم ولن تنسى تاريخ نضالها الطويل. ففي سجلها الذهبي الكثير من الشهداء، ملحم ابو انطون، طانوس عزيز رحمة، جان فوزي مزرعاني، جوزف عزيز حنا، ايلي فريز نصرالله، بيار جوزف مزرعاني، جوزف جرجس مطر… وأسماء وأسماء جعلت من الفرزل بلدة المقاومين، ومن مقاومي الفرزل فاكهة سهل البقاع التي تتجدد مع كل شمس مرتخية على خيرات وطن على رغم كل شيء لا يشبه أي وطن آخر لانه وطننا…
*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.
