إنشغل الرأي العام المحلي والإقليمي، وما زال، بالرد المحتمل لإيران على الغارة الإسرائيلية التي شُنَّت على القنيطرة الأسبوع الفائت. فكثُـر المنجِّمون والمحلِّلون، بعضهم مَن ذهب الى حد توقُّع إشتعال حرب في المنطقة بين إيران و”حزب الله” من جهة وإسرائيل من جهة ثانية، وبعضهم مَن ذهب الى توقُّع حصول الردِّ على هدف خارجي لإسرائيل قد يكون في إحدى العواصم الغربية، وباستثناء مَن لم يدَّعي معرفةً بهذا الصدد، أجمع الكل على أن إيران و”حزب الله” لا بد وأن يردا الصاعَ صاعَين، ولو بعد حين، بعملية أمنية أو عسكرية.
أما المتابع للوقائع وتطوُّرِها، فلا بدَّ أن ينطلق في قراءته للأحداث من الملاحظات التالية:
أولاً: إن التَّماس العسكري أصبح مباشراً بين الجيشين الإسرائيلي والإيراني، ولم يعد بالواسطة، أقله على الحدود السورية الإسرائيلية، مما يعني أن المسألة صارت تتعلق بمصالح إيران الستراتيجية المباشرة
ثانياً: ليس من مصلحة إيران وهي في عزِّ معركة تعويم الرئيس السوري عسكرياً، أن تخوض غمار حرب غير محسوبة النتائج لا سياسياً ولا عسكرياً
ثالثاً: ليس من مصلحة إيران أن تتهوَّر في المواجهة مع إسرائيل وهي في عزِّ موسم قطاف مفاوضات ملفها النووي.
رابعاً: “حزب الله” الذي أظهر في المرحلة الأخيرة حرصاً كبيراً على تهدئة الساحة الداخلية ليتسنى له التفرُّغ لحرب إبقاء النظام في سوريا، لن يفتح الآن جرحاً في خاصرته الجنوبية قد يكون قاتلاً على مستوى نتائج الحرب مع المعارضة السورية ومع داعش والنصرة.
فلو أُخذت هذه الملاحظات بالحسبان، وأُضيفَ إليها ما قاله مساعد وزير الخارجية الإيراني عن أن بلاده أبلغت الولايات المتحدة الأميركية عبر القنوات الدبلوماسية عن تخطّي إسرائيل الخطوط الحمر، وأُضيفَ اليها تخفيف الكونغرس الأميركي الضغط بما خصَّ فرض مزيدٍ من العقوبات على إيران، فإنَّهُ بات من المُرجِّح أن يكون الردُّ الإيراني من على طاولة المفاوضات، بحيث تطلب إيران من الولايات المتحدة ومن الدول الغربية الإعتراف بدور متعاظم لها في المنطقة وتنازلات وتسريعاً في بتّ ملفها النووي، في مقابل عدم دفع الأمور الى حافة الهاوية. والولايات المتحدة التي لم تتخذ موقفاً حاسماً في الموضوع السوري حتى الآن بانتظار نتائج المفاوضات النووية، لن تتوانى عن تقديم المزيد لإيران، خصوصاً وأن إسرائيل نفَّذت هجومها من دون التنسيق المُسبق مع الإدارة الأميركية، وهو ما اعتبره أوباما موجهاً ضد مساعيه الهادفة الى تسجيل فوز كبير في السياسة الخارجية يختتم به عهدَه.