#adsense

أبعد من معراب والرابية

حجم الخط

كتب أمجد اسكندر في “المسيرة”: ليس صحيحا أن معاهدة “سايكس- بيكو” أسست دولنا الحالية.  المعاهدة وزَّعت أراضي المشرق بين الجيشين الفرنسي والإنكليزي.

وعندما حان وقت ترسيم الدول، لم يعترض الفرنسيون والإنكليز، أحيانا، على ما أراده سكان بعض المناطق.

في لبنان تحديداً، كان يمكن أن يكون “لبنان الكبير” أصغر، وكان الفرنسيون سيرحبون. وكان يمكن أن يكون أكبر من “الكبير” ولا يعارضون. أتذكر ما قاله لي الكاتب جورج مصروعه مرة نقلًا عن إميل إده عضو الوفد اللبناني الى مؤتمر فرساي. ما قاله لي هذا الكاتب المهم والمغمورة شهرته هذه الأيام، عاد وأكده الزميل نقولا ناصيف في أحد كتبه.

قال إميل إده لجورج مصروعة ما معناه: فتح كليمنصو خريطة تواجد الجيشين الفرنسي والإنكليزي على الطاولة أمامنا، وأمسك بقلم عريض وبدأ برسم الحدود من النقطة الفاصلة بين الجيشين في الناقورة. وصعد بالقلم وتوغل شرقاً الى أن أصبحت دمشق ضمن “لبنان الكبير”! قلت له: سيدي رئيس الوزراء لقد وضعت دمشق في لبنان، فقال ببرودة “وإن يكن”! فقلنا له أترك دمشق لسوريا وأعطنا بيروت! (كانت بيروت منفصلة عن جبل لبنان آنذاك).

نحن قررنا حدود دولتنا، وسكان سوريا هم من أرادوا سوريا دولة واحدة بدلا من عدة دول رسمها الفرنسيون. بعضنا اعترض على ذلك اللبنان، ولكن الفرنسيين مشوا مع الأقوى تأثيراً في تلك المناطق. وصودف أن البطريركية المارونية أرادت هذا الحجم من لبنان.

وفي زمن الكلام على تغيير الخرائط، ما قد يسقط ليس “سايكس- بيكو”، بل الدول التي نحن، أو تيار واسع منا، أرادها بهذا الحجم. بهذا الشكل. بتلك المساحة. بذلك المكان. وسقوط دولتنا أو دولنا المجاورة لا يعني حكما “التغيير في الحدود” بل “التغيير في ألأنظمة”.

مناسبة هذا الكلام، أن البحث في أصول نظامنا المأزوم حاليا، يجب أن لا يأخذ في الحسبان التطلعات فقط.

أصلا، هل تطلعات الأمس هي نفسها تطلعات الغد؟ ألم يسقط منها أشياء؟ ألم تُضَفْ إليها شروط جديدة؟ في السجال التاريخي بين الدين والقومية لتحديد المصير، ألم تبرز مرتكزات جديدة؟ في المنافسة بين الجغرافيا واللغة، ألن تطيح ال www بالإثنتين؟

ماذا ينفعنا “اللبنان الذي نريد” إذا كنا أفشل الفاشلين في إدارته وتطبيق بنود دستوره، والأهم روح ذلك الدستور وطقوسه وموجباته؟

لقد أثبتنا فشلا ذريعاً في إدارة “لبنان الكبير” الذي أتعَبْنا العرب والعالم ونحن نُطالب به. فما الذي يضمن أننا سنعرف كيف ندير “لبنان الفدرالي” أو “العلماني” أو “الإسلامي”؟

في هذه اللحظات التاريخية قد يكون أجدى للمسيحيين خصوصاً، أن يعدوا العدة الأخلاقية والقانونية لإتقان ومعرفة ممارسة نظامهم المرتجى. ماذا ينفع المسيحي إذا ربح نظاماً لا يملك كفاءة ممارسته؟

منحتنا فرنسا سيارة “لبنان الكبير” فحطمناها بحوادث جسيمة عطلتها نهائياً، والسبب أننا لم نتعلم فن قيادة السيارات.

قد ينجح حوار معراب- الرابية، وقد لا ينجح، ولكن أصلاً هل المسيحيون يتقنون قيادة السيارة التي قد يحصلون عليها؟

هل هم متنبهون للإنترنت في تأثيره على تشكيل وعيهم وهويتهم المتجددة ودورهم في محيطهم؟

يكمن تحدي المسيحيين المستقبلي بامتلاك الريادة على الشبكة العنكبوتية وبرامج المعلوماتية، هذه الريادة يجب أن تكون عندهم بأهمية قداديسهم!

المسيحيون في لبنان اتصلوا بالعالم وتواصلوا بين الحضارات قبل اختراع الإنترنت. وهذا الاتصال ساهم في صناعة وعيهم ودورهم. اليوم وفي ظل ما يُحكى عن أخطار تهدد الوجود المسيحي، قد يكون إهمالهم معركة الريادة في الفضاء المعلوماتي أشد خطرا من الهجرة والعدد! إنه منطق العصر، ولكل عصر منطق.

عسى أن يضاف الإنترنت على جدول حوار معراب-الرابية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل