#adsense

سجون وساحات: بيار جبور قائد الصدم سابقاً: قال لي جميل السيد صباطنا هو اللي بيطلِّع وبينزِّل

حجم الخط

كتبت أوغيت سلامة في مجلة “المسيرة” – العدد 1419:

يتذكر مشوار 11 عامًا بينها 73 يومًا معصوب العينين مكبّل اليدين مرميًا على الأرض في ممرّ في الطابق الثالث تحت الأرض في وزارة الدفاع. يتذكر لا لذرّ الملح على الجُرح الذي لم يلتئم، ولا للتحريض على الإنتقام. بيار جبور قائد فرقة الصدم سابقاً في “القوات اللبنانية” يتذكر كيف دخل النفق كيف مشى جلجلة الاعتقالات والاستجوابات… ويروي شهادة للتاريخ أن الشباب واجهوا الظالم والجلّاد حتى آخر رمق دفاعاً عن الحق.

73 يوم اعتقال و73 استدعاء واستجواب و3 اعتقالات هكذا بدأت.

“عشت كل الانتفاضات في القوات من إنتفاضة 12 آذار الى 15 كانون… وبعدها التحقت بمعهد الضباط في غوسطا وتخرجت برتبة ملازم ومن ثم التحقت بمجموعة الصدم، وبعد أن استشهد رفيقنا أكرم القزح في حرب الالغاء عام 1990 تسلمت قيادة الصدم. وعند حل المليشيات بقينا في غدراس الى جانب الحكيم لحمايته.

اعتقلت مع كثيرين غيري في 14 نيسان 1994 قبل أسبوع من اعتقال الحكيم بتهمة تفجير كنيسة سيدة النجاة.

كان السيناريو حاضرًا للعب على عاطفة الرأي العام وأبشع الإتهامات جاهزة لإصدار أحكام علينا لا سيما أن مجتمعنا المسيحي لا يمكن أن يتقبل تهمة تفجير كنيسة.

اعتقلني حاجز طيار على الطريق في جبيل، نقلت من مركز المخابرات في الفيدار الى مديرية مخابرات جبل لبنان ومن ثم الى وزارة الدفاع حيث بقيت 73 يومًا، 65 يومًا منها مكبلًا ومعصوب العينين ومرميًا في ممشى بين الزنزانات.

لماذا؟ لأن الأمر كان مكشوفًا. إنها عملية إنتقام ردًا على حرب الإلغاء أكثر منها للإستجواب في قضية أمنية أو في قضية تفجير الكنيسة لا سيما وأنهم لم يوجهوا إلي أي سؤال يتعلق بتفجير الكنيسة وتمحورت كل الأسئلة حول الدكتور جعجع وماذا فعلنا في حرب الإلغاء.

عندما اعتقل رفيقي شربل أبي عقل رموه في الممشى الى جانبي وكان طبعًا معصوب العينين أيضًا. لكنني عرفته من صوته وسألته ماذا يجري في الخارج؟ فرد ساخرًا: “عم يقولوا إنك أنت وجهاد سليمان فجرتوا الكنيسة!!”. جننت وقلت له: “يا زلمي ما حدا عم يسألني عن الكنيسة!!” لاحظ الحرس أننا تكلمنا فأخذوا شربل ليستجوبوه وليعرفوا ماذا قال لي. فرّد أنه جاري وكان يجيب عن أسئلتي عن أحوال الأهل. علّقوه على البلانكو لمدة يومين وبعدها ما عدت رأيته.

رأيت “المعلّم” كما يحلو لكم أن تطلقوا عليه كيف كانت تلك اللحظة؟

عندما إعتقل الحكيم في 21 نيسان أخذوني الى زنزانته وقالوا” بدك تشوف معلمك؟ تعا شوفو”!!! فوجدته مكبلًا، في الوسط معصوب العينين يرتدي جينز وجاكيت جلد سوداء. مرّروا كل الشباب المعتقلين ليشاهدوه ذليلًا، للحظة أحسّ كل منا أن الدنيا انتهت هنا. إلا أن رد الفعل جاء عكسيًا واكتسبنا من الضعف قوة، مع أنهم اعتقلوا رأس الهرم.

الم تشعروا بالخيبة والإحباط خصوصًا وأن الضغط عليكم كان لإجباركم على التخلي عن القيادة والحكيم؟

أبدًا ولا مرة، خصوصًا أن التحقيق معنا كان واضحًا بمنحاه التآمري على الحكيم الى درجة جعلتنا نتمسّك به أكثر. أنا شخصيًا في تلك اللحظات رأيت كل الرفاق الشهداء. مرّوا أمامي في شريط، رأيت الدم الذي أهرق منا وسمير جعجع الذي بقي معنا ولم يهرب. كنا نعرف أننا نعيش في محور النظام الأمني اللبناني السوري الذي تمكّن من القاء القبض علينا من دون أن يسمح لأحد بأن يعترض.

جميل السيد حقّق معي أكثر من مرة. في إحدى المرات تمت مواجهتي مع “الحنون” حنا عتيق الذي كان معتقلاً أيضًا. عرفته من صوته مع أنني كنت معصوب العينين. فجنّ جنون السيّد. كيف يمكن أن نعرف بعضنا من الصوت؟ وبدأ يحقق ليعرف كيف ولماذا، وبعد أن هدأ طلب من حنا قائلًا: “خلي بيار يخبّر شو بيعرف لأنو الهيئة مركّب مخّ حمار وعم يحمي معلمو… قلو إنو ما بدنا شي منو بدنا راس سمير جعجع وبس”!! فقال لي الحنون “خلص كل شي يا بيار وإذا بتعرف شي قولو”، فكان ردي فوريًا: كل ما أعرفه تعرفه يا حنون. كانوا يبحثون عن أي معلومة يمكن إستعمالها ذريعة أو شماعة لتوقيف الحكيم، والدليل على هذا الكلام أنهم عندما اعتقلوا الحكيم بدأوا يصدرون مذكرات إخلاء سبيل بالجملة.

عند التحقيق كانوا يجبروننا على التوقيع بالقوة على المحضر من دون أن نقرأه. كانت كل التحقيقات التي ينقلونها الى “القاضي” تبدأ وتنتهي تحت في الطابق الثالث تحت الأرض في وزارة الدفاع، في غرف التعذيب، وكانت مقدسة بالنسبة الى القاضي لا يمكن ردّها.

يضيف بيار: “إتهمت باعطاء الأوامر لقتل كاهن في عجلتون، وورطوا فيها سعد جبرايل وجهاد أبي رميا وأنطوانيت شاهين، كلهم حكم عليهم من مؤبد الى 11 سنة خفضت الى 5 سنوات ومن ثم صدر بحقهم حكم بالبراءة.

أخذوني على ما أذكر الى أمام القاضي منير حنين لمواجهتي بالشاهد سعد جبرايل فقال فورًا عندما رآني أنه أرغم من قبل رجال المخابرات والتحري على قول ما قاله. فكتف القاضي يديه وقال “كنت أعرف أنك لست أنت من فعلها لكن حاولنا، لربما”!!

التقيت بسعد خارج السجن وأخبرني أنه أضطر التوقيع على الإفادة المزوّرة تحت التعذيب.

كلنا تعرضنا للضرب، معصوبي العينين، اليدان خلف الظهر، تعليق على البلانكو، فلق على القدمين، جلسات كهربا،… كل انواع التعذيب ذقناها جميعًا وكل منا بدوره كان يسمع صراخ الآخرين. بعد ذاك العذاب يسأل المرء منا نفسه: كيف بقيت… إنسانًا؟؟!!

لم أحقد لكني لم أنس لا الأحداث ولا الأسماء، ولو كان الانتقام هدفنا لكنا بقينا ندور في حلقة الدم بالدم، لكننا لم نلتحق بالقوات اللبنانية لهذا الهدف بل كان هدفنا الدفاع عن القضية وسنبقى.

حوّلوني الى المحكمة العسكرية ومن بعدها حكموا علي بالسجن لمدة شهر بتهمة حمل السلاح.

مع ذلك بقيت موقوفًا رهن التحقيق ووضعت في زنزانة بدلَا من الممر، ومعي طوني أبي حنا شاب من الصدم أيضًا. زنزانتنا كانت ملاصقة لزنزانة الحكيم كنا نعرفه من وقع قدميه ومشيته كلما أخذوه في الممر الى الحمام او الاستجواب.

في إحدى المرات أخذوني الى غرفة. بعد أن درست من تحت عصبة العينين كل التفاصيل فيها، علمت أن الحكيم معي، فقال لي المحقق: مخازن السلاح اللي سلمتنا ياها في غيرها؟

فأجبت جازمًا: أنا لم أسلّمك مخازن سلاح ولم يأخذوا مني مسدسًا أو حتى خرطوشة.

فقال مستهزئًا: آه يمكن أنا مغلّط، طيب لو كان سمير جعجع هون شو كنت بتقلو؟

فأجبته: سمير جعجع هون، ما هرب وتركنا.

في اليوم الأخير قبل أن يطلق سراحي إقتادوني الى غرفة التحقيق، وجدت نفسي أمام جميل السيد قال: “ليك يا بطرس إجاك كتير واسطات بس لازم تعرف إنو صباطنا هون هو اللي بيطلّع وهو اللي بينزّل، إذا بعد بتعملوا حركات وصدم ومن هالخبار منجيبك. هيدا سمير جعجع جبناه وزاتينو جوا”.

رحلة التعذيب استمرت وكان على بيار جبور مثل كثيرين غيره أن يتوجه الى وزارة الدفاع مرة كل أسبوع للتحقيق، حتى أحصى 73 زيارة في خلال 11 سنة.

في خلال إحدى الزيارات والتحقيقات يقول بيار: “سألوني لماذا لا تطالبون أنتم باسترداد حزب القوات؟ كانت الحقبة التي نشط خلالها الرائد المتقاعد فؤاد مالك للسيطرة على “القوات”، فكان جوابي مباشرًا: “المعني بهذا الموضوع هنا، معتقل لديكم وما بتظبط الا معو”!! نادى المحقق الحرس وقال له: خلص خذه من هنا.

أنا لم أصل الى القضاء ولم يأخذوني شاهدًا لأني رفضت أن أوقع على أي إفادة، عالمًا أن الثمن الأقصى هو الموت وأنا كنت حاضرًا لذلك وأقول لنفسي لم يبق لي شيء أخسره.

ألم تخدمك الوساطات خصوصًا أنك من عمشيت؟!

أي واسطة؟ لم يكن بامكان أحد أن يتوسط لـ”قواتي”، حتى أن جهاد سليمان رفيقنا وهو قريب الرئيس ميشال سليمان أوقفت شقيقته ثلاثة أيام لأنها كانت تحمل اليه بعض البخور الى السجن في وزارة الدفاع فظنوا أنها مخدرات. لم يتمكن أحد من إطلاق سراحها.

في تلك الحقبة السوداء من تاريخ لبنان كان الكل يتجنّب ذكر اسم سمير جعجع أو يقول “قوات”. لكن كما يقول الحكيم: “ما بيصحّ إلا الصحيح”.

 

*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ 4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية. 

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل