“كنا هناك”: جوزف خليفة.. أول قذيفة أطلقتها

كتبت جنى جبور في “المسيرة” – العدد 1424:

 من حرب المئة يوم في زحلة، إلى حرب المئة يوم في الجبل، وحرب المئة يوم في الأشرفية، معارك خاضتها “القوات اللبنانية” حفاظاً على إستقلال لبنان ودفاعًا عن حرية الوجود المسيحي فيه. في العام 1978 شارك جوزيف خليفة في حرب المئة يوم  في الأشرفية. كيف وصل الى هناك وماذا فعل؟

 

 

يقول جوزيف: “في أيار 1978،  دعا مفوّض القوى النظامية آنذاك في منطقة جبيل أنطوان أبي يونس إلى اجتماع في مفوضية الكتائب في جبيل، بهدف تكوين وحدات مدفعية تابعة للمناطق، وقد طلب من المفوض إدراج أسماء مرشحين لدورة مدفعية من لوائح الطلاب التابعين للمفوضية.

تم إختيار عشرة شباب لإرسالهم إلى بيروت، وكنت واحداً من قوام هذه المجموعة.

كان عمري 14 سنة أتابع دروسي في المدرسة. فرحت جداً باختياري لهذه المهمة إلا أن هذا الأمر أغضب أهلي والمقرّبين مني.

لكن بالرغم من كل الممانعات، بقيت مصرًا على التوجه إلى الأشرفية لمتابعة هذه الدورة.

تزامناً مع الفترة المقررة للدورة أي في تموز 1978 بدأ الجيش السوري المتغلغل على الأراضي اللبنانية حربه ضد المناطق الشرقية التي عرفت تالياً بحرب المئة يوم، وقد فرض الحصار على منطقة الأشرفية التي كانت له بعض المواقع داخلها وعلى الجسور المؤدية إليها في الكرنتينا ونهر بيروت.

هنا بدأت تجربتي الأولى.

توجهنا إلى بيروت بواسطة سيارات  مدنية، دخلنا الأشرفية عبر طريق ضيق يعرفه السائق بشكل دقيق متجنباً المرور على حواجز القوات السورية التي كانت  تطوّق الأشرفية.

لم أكن أعرف شيئاً من بيروت، كل ما أعرفه أنني وصلت إلى مكان يعرف بالسيوفي وكان فيه مربض لمدفعية الهاون مقابل سفريات قربان وكان علينا الإنتقال دائماً إلى مبنى يعرف ببناية الأمل.

عندها تعرفت إلى أنطوان بريدي وكان الجميع ينادونه “توتو”، كان قائداً لسلاح المدفعية. استقبلنا وأعلمنا أننا سنكون نواة سلاح المدفعية الجديد، وبعد إنتهاء دورتنا سنعود إلى جبيل حيث سنكّون فريقاً يحسن استعمال المدافع.

 

في اليوم الأول من وجودنا في الأشرفية شرح لنا أحد الرفاق الإتجاهات وأسماء المناطق. كما  اعلمنا بالنقاط المتمركز  فيها العدو السوري، مشيراً إلى الأماكن التي يحتمل أن تكون عرضة للقنص السوري.

بالرغم من صغر سني لم أشعر بالخوف بل كنت متحمسًا جداً، وكنت أنتظر اليوم التالي الذي سوف نتعرف فيه إلى هذا السلاح الجديد.

إنتهى اليوم الأول ولم يكن يخلو من الاشتباكات الخفيفة وسقوط بعد القذائف المتفرّقة في بعض أحياء الأشرفية.

قبل ساعات الفجر الأولى إستفاق الجميع على حركة داخل الغرف في ملجأ بناية الأمل.اثر ذلك  طلب منا، أي مجموعة جبيل، ضرورة مساعدة باقي الرفاق بإفراغ إحدى الشاحنات المحمّلة بذخائر مدفعية عيار 82 ملم و 120 ملم.

وخلال عملية الإفراغ، بدأ قصف عنيف، وبدأت القذائف العشوائية والصواريخ السورية تنهمر على الأشرفية، كانوا يطلقونها من برج رزق ومن المرابض البعيدة.

بسبب الأحداث وقوة القذائف السورية، تلهّى المدربون عنا وعن دورتنا، وأصبحنا نعمل “عتالة”. وما أن نفرغ شاحنة حتى يأتوننا بشقف من قماش وبالمازوت لتنظيف القذائف من الشحم كي تصبح صالحة للإستعمال. مرّ اليوم الثالث على هذة الحال، من دون أن يتسنى لنا رؤية المدافع.

في صباح اليوم الرابع، وكان التعب قد أرهق الجميع والقصف يضيء كل الأشرفية، تسللت من فراشي إلى جانب شاب كان يدعى “أكرم” وقلت له لننزل إلى مكان المدافع لنرى كيفية تشغيلها. توجهنا إلى المربض وسمح لنا طاقمه بإسقاط إحدى القذائف في فوهة المدفع ، ومن كثرة الفرحة ظننت أنني  أصبحت رامياً مدفعياً.

عشرة أيام متواصلة في الأشرفية والقصف ينهمر بغزارة على جميع المراكز، لكن عزيمتنا وحماسنا أبعدا عنا الخوف، وأذكر أننا رحنا نلعب بتلك القذائف مقدمينها إلى فوهات تلك المدافع النهمة التي كانت لا تشبع من ابتلاعها.

في اليوم الحادي عشر، وكان الوضع الأمني أصبح كثير التوتر وأصبحت جميع المؤشرات تدل إلى أن المعركة مسألة أشهر لا أيام، بدأت أسأل عن موعد العودة وكان التعب قد سيطر علي. عندها عرفت أن الحرب إلتزام وليست نزهة. في هذه الفترة  بدأت تتغير نوعية القتال ودخلت الحرب أسلحة جديدة ومتطورة وخطوط تماس ثابتة تستوجب الوجود الدائم.

استمرت الحرب، واحتدمت المعارك في الاشرفية، ولم يكن بإمكاننا مغادرة المنطقة إلى أن عيّن أول وقف جدي للنار.

في 10 آب 1978 وكان مضى حوالي شهر على وجودنا في الأشرفية، سمح لنا بالعودة إلى عمشيت. أذكر عند عودتي كان أبي ينتظرني في الساحة العامة في عمشيت والدمعة تلمع في عينيه، بعدها أجهش في البكاء وقال بصوتٍ تملأه البحّة “الحمدلله على سلامتك، ركوض على البيت امك رح تفقد وعيها مشغول بالها عليك”.

يقول جوزيف اليوم: “حرب الأشرفية علمتني أمورًا كثيرة، أحسست أن في داخلي رجلاً. حرب المئة يوم كانت البداية، بداية التحرير وبداية المقاومة، حيث عرفنا كيف نقول نعم ومتى نقول لا”.

لقد سطرت المقاومة اللبنانية في جميع مراحلها ملاحم البطولات والتضحيات ولم تبخل بالغالي والنفيس وشارك الجميع في دحر وصدّ العدوان السوري من فتى بعمر الورود الى شباب وحتى من تقدّم به العمر. فالأوطان تبنى وتؤسس على تضافر جهود الجميع وكيف إذا كانت هذه الجهود والتضحيات الجسّام فيها من خطورة وتحمّل مشاق على نحو غير مسبوق. قد يتشدّق البعض “ليقول أنا لم أشارك في الحرب ولم ألوّث يديّ بالدم”، فنقول له الدفاع عن وطنك وأرضك واجب وعدم اشتراكك في هذه القضية المقدّسة جبن أو عمالة، فالخيار لك.

 * لأن القضية على مساحة الـ10452، تنقّل أبناؤها من جبهة الى أخرى مرة لصد عدوان ومرّة لتأخير إنهيار ومرة لتسجيل بطولات وطرد غزاة. فكان الرفاق يزرعون البطولة والعنفوان في كل شبر تطأه أقدامهم، وإمتزج عرق المناضلين ودماء الشهداء من الشمال الى الجنوب والجبل والبقاع وبيروت. وكتحية وفاء لهم، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “كنا هناك” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل