دعوة إلى سجن “مار مخايل”

أكثر ما لفت في الذكرى التاسعة لـ”تفاهم مار مخايل” بين “حزب الله” و”التيّار العوني” كان تباهي طرفَيْه بأنّهما سبقا عصرهما بـ9 سنوات، وقدّما “نموذجاً” للحوار والتلاقي و”التفاهم” بدأ الآخرون ينسجون على منواله، ولو متأخّرين، من بيت الوسط إلى الصيفي فمعراب!

ومع أنّ “تفاهم شباط” بدأ خجولاً وكأنّه تهريبة يحاول طرفاه تبريرها أمام أنصارهما وسائر اللبنانيّين، إلاّ أنّهما يمتلكان اليوم جرأة القول إنّه بلغ مرحلة “التحالف الوجودي”. تعبير ذو أبعاد واسعة يحمل على التساؤل الكياني الآتي:

إذا كان ميشال عون ربط وجوده ومصيره، مع الفريق الذي يمثّله، بوجود ومصير “حزب الله”، فهل يصحّ العكس؟ أي، هل أنّ مصير ووجود “الحزب” مرتبط بحليفه؟

ليس صعباً أن نعاين العطب العضوي في المعادلة، وانكسارها لمصلحة “حزب الله” الذي يربط وجوده ومصيره بما بعد بعد الرابية. فالرابية هي مجرّد استراحة، أو محطة وقود، في سفره البعيد والطويل من الوليّ الفقيه إلى المهدي المنتَظَر.

ولذلك، بدا افتخار فريقَي “التفاهم” غير متساوٍ أو متوازن، وبدت دعوتهما الأفرقاء اللبنانيّين الآخرين إلى الالتحاق بهما دعوة إلى تعميم الاختلال وكسر الميزان الوطني نهائيّاً لمصلحة “حزب الله”.

إذا افترضنا أنّ “تيّار المستقبل” المتحاور مع أحد طرَفَي “التفاهم”، و”القوّات اللبنانيّة” المتحاورة مع طرفه الثاني، أغراهما ذاك “النموذج” التسعوي، ورغبا في الالتحاق به، فماذا يعني ذلك؟

ببساطة، يصبح الغطاء الجزئي الذي أمّنه عون لسلاح “حزب الله” أوسع وأعمّ، ويسقط لبنان كلّه في الفخّ الذي نصبه نصّ “ورقة التفاهم” في بندها العاشر، حيث السلاح “مقدّس” ومكرّس على مدى غير محدّد تحت تعابير غامضة ومطلقة مثل ” توافر الظروف الموضوعيّة” و”زوال الخطر الإسرائيلي”!

وليس خافياً أنّ القيد الذي فرضه البند العاشر جعل ميشال عون أسيراً لسلاح “الحزب”، وأجبره على تبرير استخدامه في أيّ زمان ومكان، من لبنان إلى سوريّا، من 12 تمّوز 2006، إلى 7 أيّار 2008، إلى القصير والقلمون وريف دمشق وحمص وحلب، وصولاً إلى القنيطرة ومزارع شبعا، وبلوغاً إلى “حيث يجب أن يكون” من العراق إلى اليمن والبحرين .. وديار الله الواسعة.

قيدٌ آخر وضعته “الورقة” وَصَف الاحتلال السوري للبنان على مدى 30 سنة بأنّه مجرّد “تجربة شابتها ثغرات وشوائب”! إنّه القيد الذي حوّل عون نفسه من عدوّ لنظام الأسد (ولو نظريّاً) إلى مبشّر به.

إلى مثل هذا الفخّ، يدعو طرفا “6 شباط” محاوريهما الجدد تحت شعار التفاهم والحوار، وحال عون في هذه الدعوة كحال أيّ سجين يدعو الأحرار خارج القفص إلى الدخول في “جنّته الذهبيّة”.

وما يُثير الهزء، تباهي أهل “التفاهم” بالسطر الأوّل من نصّه، الداعي إلى الحوار كحلّ للخلافات، وكأنّه ابتكار فريد، وتفاخرهما ببعض المحسّنات اللفظيّة الخادعة لدسّ السمّ في الدسم، كتعابير حقوق الانسان والمجتمع المدني والعدالة.

أمّا الطرفان المدعوّان إلى التشبّه بذاك “النموذج” الخطير، “تيّار المستقبل” و”القوّات اللبنانيّة”، فقد لُدغا من الجحر نفسه غير مرّة. وهما يُدركان أنّ معظم مآسي السنوات التسع الأخيرة، وآخرها المأساة الراهنة بتفريغ موقع رئاسة الجمهوريّة، كان من نتاج تلك الورقة التي بدأت تحت إسم “تفاهم” وصارت اليوم “تحالفاً وجودياً”.

قد تصدر عن الحوار المتوازي الدائر الآن “وريقات” تفاهم على نقاط فرعيّة وتفاصيل، كإزالة صور ويافطات ودعاوى، وتهدئة خواطر، وتخفيف احتقانات، وترتيب خطط وإجراءات أمنيّة، لكنّ الانزلاق إلى سجن “مار مخايل” لا يمكن أن يخطر في بال أحد غير نزلائه.

والهدف المعلن للحوار، أي تخفيف الاحتقان، لا يتحقّق فعليّاً إلاّ بمعالجة أساسه: السلاح وورطته.

و”حزب الله” يعرف قبل سواه، أنّ “الانجاز” الذي حقّقه في 6 شباط 2006، والذي راكم عليه إنجازات أُخرى في السلطة والتفرّد بالقرارات وهيمنة السلاح، ليس مرشّحاً للتمدّد، وما حصل عليه كان الحدّ الأقصى، وهو إلى تناقص بفعل انكماش حجم الغطاء شعبيّاً وسياسيّاً. وشعاره الجديد الذي أطلقه من الرابية ” ما منترك عون وما منرضى بدالو” دليل أكيد أنّه لا يجد بديلاً، ولا يستطيع ترك آخر خَشَبة عامَ عليها!

والحقيقة أنّ الحوارات الجارية محكومة بالأخذ من طرف واحد هو “حزب الله” وشريكه، لأنّ الطرفين الآخرين لا يملكان سلاحاً وهيمنة وتفرّداً وارتباطاً “وجوديّاً” كي يُعطيا منها ويتنازلا فيها.

لا مجال لتحقيق حلم “تفاهم مار مخايل” في استدراج آخرين إلى مربّعه.

لقد كان خطيئة وطنيّة أصليّة. غرق فيها أحدهم، والمطلوب انتشاله بدون أن يغرق المنقذون.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل