#adsense

الموارنة جمهور لبنان

حجم الخط

لمَا كانت حيل الشياطين كثيرة، توقع الناس في التجربة، وهدفها توجيه الجماعة المؤمنة نحو الشطط، برزت الحاجة ملحّةً الى إعادة تفعيل الصداقة مع المسيح. هذا الجو انسحب على عصور المسيحية منذ نشأتها وحتى الساعة، وإلى أن تقوم الساعة.

لذلك لم يكن منسوب الإطمئنان على السلامة راجحاً، فعلى مدى القرون عانق المسيحيون فرص الأستشهاد ليوقَّعوا بدمهم معمودية إيمانهم وتمرَدهم. ومن رحم هذا التمرَد إنبلج فجر المارونية التي حطَت عينها على لبنان، فأقام معتنقوها معاقلهم في رؤوس جباله، طمعاً في تنشَق أكبر كميَة من نسائم الحريَة، عاصين على الظلم والإستكانة، مطمئنَين الى أنَهم إذا رفعوا أيديهم الى السماء، فباستطاعتهم أن يطالوا يد الله.

لم يكن الموارنة يوماً قلقين، فهم أستهزأوا بالشياطين مهما أختلفت أشكال هؤلاء، لأنَهم كانوا يولون الأهميَة القصوى للترنيم الجوقي أي الصوت الجماعي الواحد، من دون ارتكاب خطيئة “الفردية” التي لو حصلت، لكانت موديةً الى إعدامهم.

فتربيتهم قائمة على الكنيسة الواحدة، وعلى أن لا  سيادة إلاَ ليسوع المسيح، وعلى أنَ الكرامة المستوحاة من سيرة قدَيسيهم هي وحدها رائدهم وعشاؤهم السرَي. من هنا، تميَزوا عن سائر الشرائح التي عايشتهم، وشكَلوا نمطاً أعاد الإعتبار الى قدسيَة الكائن والى روح الديانة ومفهوم الإيمان. وكانوا جزيرة عنفوان وأمان في أوقيانوس جعلوه أن يعترف بهم ويتفاعل معهم ويتعلَم من ملافنتهم دروس الترقَي.

لطالما اعتاد الموارنة على أن يجتمعوا في ندوة المحبة الإلهية، وأن يؤدَوا نذور الخير، مسترشدين بمعاني الصليب، ومستمدَين من نور مسيحهم قيمهم ونهج حياتهم، وكأنَهم في كلَ لحظة مدعوَون الى القداسة.

ولأنَ الحبَ الحقيقي يُترجَم بالأعمال، لم يكن تعلَق المارونية بلبنان صوَريا عابرا، فالرابط بينهما هو رابط عشق، فلو عصرت أيَ حبَة من تراب لبنان لَنَضَح منها عرق ماروني ودم. ذلك أنَ لبنان للموارنة هو رغيف العمر، وكلمة تختصر كلَ اللغات، ووشوشات الملائكة في رحاب الله. وهو لهم السيف الذي لا ينكسر، والجبين الذي لن يعفَر التراب، ولو على كلَ شبر من الأرض شهيد.

وأذا ظنَ البعض بأنَ الموارنة يعبرون اليوم في خريف أيامهم، وأنَ السترة الرماديَة تغلَفهم، لأنَ بعض الشياطين منهم لبس لبوس التنكَر لأصوله، وتبنَى حساب يوضاس، فليعلمِ الجميع أنَ الموارنة، وبالرغم من ضبابية القدر الموقَتة ومن اغتراب الوحدة المفتعل، سوف ينتفضون كالنّسر حامِلاً في مخلبه حبلاً وعوداً من تينة يوضاس.

خبر عاجل