
يتميّز مار مارون في صورته الشهيرة بملامح هادئة دائماً، وجهه كأنه شمس أشرقت فجأة، وقد تدلّت من وجهه لحيته الناصعة البياض كأنها شلال. عيناه لامعتان، نيّرتان، سابرتان، قادرتان على التغوّر في الأعماق.
هو ناسك امتهن لغة الصمت، ولو لم يكن للصمت كل الكلام ما كانت الكلمة لتتجسد وترتل في معبد الصمت. أما قيل عن الصمت انه المتكلم الأكبر المنعتق من صخب الحواس؟ أما قيل انه رمز الحكمة ومعبد الحواس الباطنية؟ ألم يُشبّه بشيخ جليل يتعكّز على عصا الدهر والعهد الناطقين بكل حكمة؟
في الصمت كان الناسك مارون يحاور الرب ساعات وتخطفه السماء في ساعة عشق الهي. فيفقد الوعي، عما يحوطه وينتشي من سكرة التأمل والعبادة. أنا على يقين بأنه موجود بقربنا مثلما أنا على يقين بأن الدم يسري في عروقنا ولا نشعر به.
ان مارون قديس كبير، شعّت قداسته فوق تلّة، امتدت جاذبيتها القوية على جبل لبنان الذي وجد فيه تلاميذ مار مارون أوهامهم المخيفة وأحلامهم المتبلورة في هذا المشرق الذي يكمّ ويخنق ويكبت، فبنوا مدماك الحريّة وبشّروا بها واستشهدوا لأجلها.
من بين كل المجموعات التي وطأت أرض لبنان، كان الموارنة العنصر الأكثر تمرداً، قطنوا منذ القدم الجبال والوديان ولم يخضعوا لاملاءات الأمبراطوريات.
شعب مارون انتج كل الحب الجنوني والصلابة والإفراط. هذا الإفراط نفسه الذي دفع مار مارون الى التعرض وحيداً على هضبة من هضاب قورش الى مزاج الطبيعة.
وهذا الإفراط نفسه جعل هذا الشعب “العنيد” مستعداً للمقاومة ودفع ضريبة الدم باستمرار ليبقى حراً وسيداً على أرض أجداده.
من قال ان الموارنة لم يعودوا قادرين على المقاومة عندما يدقّ الخطر على الأبواب؟ ومن قال ان المقاومة تقتصر على الجانبين السياسي والعسكري؟ بل هي مقاومة كل الأهواء والعودة إلى نهج مار مارون الملتزم الذي يعيش الفضائل الالهية والايمان وممارسة السياسة انطلاقًا من هذه القيم في ابعاد حياتنا كافة.
فالماروني هو الذي يعيش إيمانه عبر المشاركة في القداس الالهي والاعتراف وتناول جسد المسيح وبالتالي الالتزام بالمسيح وبعيش الانجيل، وكذلك عبر عيش المحبة وفعل الرحمة والشهادة في محيطته والا يكون مارونياً مزوّراً.
يجب احياء ما يسمى “الشعب الرهباني” عندما كان الموارنة يقدّسون يومياً مع الرهبان و يقرأون الكتاب المقدَّس وتجتمع العائلة لصلاة المساء. الروح هو الذي يلهمنا لنحافظ على الجذور من دون أن نبقى في الجذور، وجذورنا كموارنة حاضرة إلى الآن، سواء في لبنان أو في خارج لبنان.
يبقى علينا نحن المقيمين في لبنان أن نثبت حيث نحن لنكون شهوداً لله في هذا الشرق الذي فيه وُلد يسوع المسيح، والذين مضوا إلى الخارج، يا ليتهم لا ينسون جذورهم بحيث لا ينحصر اسم مارون في وطن صغير، بل يشعُّ في العالم كلِّه مع حضارته السريانيَّة التي بها يكون حوار الشرق والغرب من أجل كنيسة واحدة، جامعة، مقدَّسة، رسوليَّة.
ان ظاهرة الموارنة هي ظاهرة الانفتاح إلى فوق، إلى الأخلاق والروحانية والسماء والله، انفتاح إلى عالم الباطن والداخل والروح والوجدان، إنها لتكاد تكون منظمة نسكيّة رهبانية.
إنها ظاهرة انفتاح إلى تحت، إلى الأرض والتربة والمادة، فالمسبحة في يد الماروني كانت لتتحوّل بسرعة إلى سلاح أو إلى محراث أو معول، والمعول فتت الصخور وجعلها خصيبة، وجنة الروح أصبحت جنة الأرض ايضاً.
إنها ظاهرة انفتاح إلى الوراء وإلى الامام، إلى الآخرين إلى الانسان والكون، إلى الشرق وأصالته وعراقته وطراوته الروحية، وإلى الغرب وحضارته ورقيه. وقد أصبح بفضلها لبنان مختبراً وبوتقة لوحدة البشر.
لبنان والموارنة لن يكتب لهما الحياة إذا كانوا ضعفاء منقسمين على ذاتهم، والبيت الذي ينقسم على ذاته يخرب. هكذا يتوجّب على الموارنة، جميع الموارنة المرور بباب صغير، فلينحنوا لكي يعبروه، لأن المكان لا يتّسع للمتكبرين المتعالين والأنانيين.
