الحكومة السداسية والمجازر بحق السياديين

 

خُلقت المقاومة اللبنانية من رحم المعاناة ومن تخاذل الدولة وتخليها عن مسؤولياتها تجاه مواطينها. فبعد المجازر والانتهاكات والسرقات واحتلال الوطن ومحاولة تسليم البديل عوض الأصيل، واجهت المقاومة اللبنانية وانتصرت فبقي الوطن ورحل المحتل ولكن كانت الكلفة باهظة جداً. هذه ضريبة الكرامة دفعناها غير آبهين، فبقي لنا الوطن لنعيش على ارضه احراراً أعزاء.

بعد استقالة الحكومة العسكرية برئاسة العميد نور الدين الرفاعي، ونزولاً عند الضغط الاسلامي، تشكلت الحكومة السداسية في 1 تموز 1975 بعد مخاض عسير وبعد اجماع الهيئات الاسلامية و على رأسها المفتي حسن خالد على ترشيح رشيد كرامي لرئاسة الوزراء.

ساهم السوريون في عملية ولادة الحكومة السداسية حيث تبين في ما بعد انهم يريدون حكومة تكون على وئام معهم ولا تقف حجر عثرة في وجه مخططهم الآيل الى تدّخلهم في لبنان. فأوفد الرئيس السوري حافظ الأسد وزير خارجيته عبد الحليم خدام ورئيس الأركان السوري اللواء حكمت الشهابي من أجل تسهيل حكومة يرضون عنها.

حاول الرئيس فرنجية تشكيل حكومة بمعزل عن “الكتائب” حيث أصطدم بالعزل الاسلامي للكتائب على أن يتمثل “حزب الوطنيين الأحرار” في الوزارة ولكن الرئيس شمعون رفض هذه التشكيلة وقال لرئيس الجمهورية: “نحن لن نشترك في الوزارة إذا لم يشترك فيها الكتائبيون، و اننا نرفض رفضاً باتاً هذا العزل و لا نريد أن يعزل أحد لا الكتائب و لا غير الكتائب”.

وإزاء هذا الوضع ورغبة السوريين في تشكيل حكومة يكون لهم فيها الأكثرية، وخوفاً من دخول عوامل أخرى قد تأتي لغير مصلحتهم، طلب الوفد السوري من المسلمين رفع العزل عن “الكتائب” على مضض و ارفق مسرحيته بأن عزل “الكتائب” يعني عدم أشتراك “حزب الوطنيين الأحرار” في الحكم أي عدم رضى الرئيس كميل شمعون عن الوزارة، و أي وزارة لا يرضى عنها الرئيس شمعون لا يكتب لها النجاح. هذا ما كان يروّج له السوريون في اوساط الرأي العام اللبناني والدولي بأنهم الأخ الوفي للبنان، فيما الحقيقة انهم كانوا يخططون للإستيلاء على هذا اللبنان.

عندها عقد المجلس الاسلامي والزعماء المسلمون إجتماعاً في دار الفتوى حيث أصدر على أثره سماحة المفتي بياناً أعلن فيه تراجع المسلمين عن عزل “الكتائب” وهنا نلاحظ حجم الضغط السوري على أشقائنا في الوطن وكيف كان يتحكم في اللعبة وعند عدم الرضوخ كانوا يقتلون معارضيهم، وهذا ما حصل على سبيل المثال مع سماحة المفتي حسن خالد لاحقاً.

عقب الخطوة، اعلن الشيخ بيار الجميل ان رفع العزل عن “الكتائب” شهادة لها بالبراءة من كل ما نسب اليها ولا فرق لديه الآن، بعد رفع العزل أتمثلت الكتائب في الوزارة أم لا.

شكلت الحكومة على الشكل الأتي:

رشيد كرامي: للرئاسة والدفاع والمال والاعلام.

كميل شمعون: للداخلية والموارد المائية والكهربائية والبريد والبرق والهاتف.

عادل عسيران: للعدل والاشغال العامة والاقتصاد.

مجيد ارسلان: للصحة والاسكان والتعاونيات والزراعة.

فيليب تقلا: للخارجية والتربية  والتصميم.

غسان تويني: لنيابة الرئاسة والعمل والشؤون الاجتماعية، والصناعة والنفط والسياحة.

أعلن الجميع موافقتهم على تشكيل الحكومة ما عدا كمال جنبلاط ألذي برر معارضته لها لأنها لا تمثل الحركة الوطنية و”جبهة النضال” و اليساريين. للمفارقة قتله السوريون بعد سنتين كما قتلوا المفتي حسن خالد.

بدأت الوزارة السداسية العمل حيث استطاعت ان تعيد الأمن إلى بعض المناطق وذلك وفق التكتيكات السورية ولكن ببطء لأن الغرباء والفلسطنيين واليساريين المدعومين من سوريا ظلوا يعملون على أشعال الفتنة وعودة الأضطرابات والمعارك حتى تتأمن لهم طريق الدخول الى لبنان وذلك لمساعدة اللبنانيين كتغطية على احتلالهم المقنّع.

في هذه الأثناء، بدأت بعض المنظمات الجديدة بالظهور: “منظمة أمل” التي أصبح بعدها اسمها “حركة أمل” وهي منظمة عسكرية كان يرعاها الامام موسى وطابعها شيعي و”منظمة الشيوعية العربية” وهي منظمة ارهابية أخذت تسطو على المؤسسات التجارية والمصارف وتفرض الخوة على التجار في لبنان.

وفيما كان الهدوء يعود رويداً رويداً إلى لبنان والحكومة تعمل على تثبيت الأمن بدأت موجة اعتداءات على بعض القرى المسيحية، حيث كانت اعتداءات رهيبة مروعة ومخيفة، انهم اسلاف “داعش” كما ستقرأون لاحقاً.

في الأول من تموز 1975 تعرضت بلدة القاع المسيحية في شمال شرقي البقاع لهجوم مفاجىء شنه على أبناء البلدة ألفا مسلح من الفلسطينيين و المتعاونيين معهم وكان المسؤول عن الهجوم أحد ابناء المنطقة “دندش دندش”  وليس من سبب سوى توجههم اليميني و بسبب دعمهم الجبهة اللبنانية آنذاك .

راح أبناء البلدة يقاومون ببسالة إلا انهم لم يستطيعوا التغلب على الفي مسلح هاجموهم على حين غرة بأحدث الاسلحة آنذاك وبدعم سوري خفيّ وعددهم لا يتجاوز الـ 200 مقاوم. وأستشهد في هذا الهجوم 7 شهداء وسقط 22 جريحاً من أبناء القاع بينهم أطفال ونساء وشيوخ.

بعد هجوم القاع، وقعت مجزرة دير عشاش في 9 ايلول 1975 في قضاء زغرتا إذ هاجم مسلحون من الفلسطينيين والجوار الذين يأتمرون بالسوريين الدير وذبحوا الكهنة والرهبان ذبح النعاج وبينهم ثلاثة كهنة عجزة : الأب بطرس ساسين 93 عاماً ضرير قطعوا له أوردة يديه، الأب أنطوان تمينه 78 عاماً طعن وقطع رأسه ومن ثم أحرق الأخ حنا مقصود 60 عاماً ذبح في غرفته.

والمجازر التي كانت القرى المسيحية مسرحاً لها عدة ورهيبة، إذ كان الفلسطينيون والمتعاونون معهم بدعم سوري يهاجمون القرى ويذبحون ويقتلون النساء والأطفال والشيوخ وينسفون منازلهم وينهبون ممتلكاتهم وذنبهم الوحيد انهم مسيحيون. ويبقى السؤال من وقف بوجه هذه الهجمة ووضع حدّاً لها ولاسيما بعد تقاعس الدولة اللبنانية و و قواها الشرعية سوى المقاومين اللبنانيين الذي اصبح اسمهم في ما بعد “القوات اللبنانية”.

كما تعرضت قرية “بيت ملات” في عكار الى هجوم مسلح في 11 أيلول 1975 من قبل “قوات الصاعقة” السورية وقوات “البعث” السوري حيث أحرقوا كنيسة القرية ونسفوا وأحرقوا 65 منزلاً و ذبحوا 7 اشخاص من الأطفال و النساء وخطفوا عشرة وهجّروا القسم الباقي الى قرى جبيل وكسروان وقدر عدد النازحين بزهاء 400 عائلة.

عقد مجلس المطارنة الموارنة اجتماعاً طارئاً في 12 ايلول 1975 في بكركي واصدروا بياناً جاء فيه: “أننا امام أحداث لم يحدث مثلها في أبشع عهود الجهل الظلم… إذا لم يتدخل الجيش الآن فمتى تراه يتدخل؟.. والدول العربية مطالبة بمساعدة لبنان للخروج من محنته، ولسنا على استعداد للتخلي عن هذا الوطن، ولن نعدم وسيلة للمحافظة عليه”.

اسلاف “داعش” مروا قبلاً على لبنان ونحن وقفنا لهم بالمرصاد في ظل تقاعس السلطة الشرعية آنذاك ومساندة بعض الداخل والدعم السوري المباشر. فلا خوف على لبنان لأن المقاومة اللبنانية دائماً حاضرة .

أثارت صحيفة ” أوبسرفاتوري رومانو” الناطقة بإسم الفاتيكان المجازر في لبنان التي يتعرض لها المسيحيون في محاولة إبادة و قالت: ” إن ذبح ثلاثة رهبان موارنة في دير عشاش تتراوح أعمارهم بين 60 و 93 عاماً يعتبر مجزرة رهيبة”.

وذكرت الصحيفة ان المدرسة الملحقة بالدير تضم 1200 تلميذ بينهم 950 مسلماً يتلقون علومهم في مدرسة الدير.

في 9 تشرين الاول 1976، هاجمت قوات “الصاعقة” السورية القادمة عبر الحدود السورية بلدة تل عباس في عكار وقتلت 15 من ابنائها وجرحت العشرات واحرقت الكنيسة في محاولة لأشعال نيران الحروب الطائفية بين اللبنانيين

وكان مجلس الوزراء ينعقد بعد كل مجزرة من هذه المجازر ويطرح إنزال الجيش إلا ان الرئيس كرامي كان يرفض الموافقة على تدخل الجيش لأن الفلسطينيين كانوا يأمرونه بالرفض، وكان مضطراً للرضوخ الى أوامرهم لأنه يعرف ماذا سيكون مصيره إذا خالف أوامرهم وكل هذا بتوجيه سوري خفيّ للتمهيد لدخولهم لبنان.

كتاباتي هذه للعبرة وليس لنكئ الجراح، عليه إذا قلنا إنَّ المسيحيين كانوا يحاربون ضد المسلمين فيجدر بنا التوضيح أنّ هؤلاء المسلمين هم من الفلسطينيين و إذا كان من محاربين لبنانيينّ فكانوا مسيّرين من قبل “منظمة التحرير الفلسطينية” والسوريين .

باختصار أنّ الحرب في تلك الفترة كانت لبنانية – فلسطينية بدفعٍ سوري، فعمدوا إلى استخدام الحجّة الدينية في لبنان لتوسيع نفوذهم وزيادة أتباعهم. لذا آمنوا بوطنكم وبقوتكم فأنتم ابناء الارض انتم النار والنور. لو لم يقف اسلافكم في وجه كل المؤامرات لما بقي لكم وطن، اتكلوا على انفسهم وواجهوا، وها انتم تعيشون على ارضكم احراراً بفضل بطولاتهم وشجاعتهم.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل