تابعت بخليط من الاستغراب والاشمئزاز الحوارات والمقالات التي حصلت في بعض وسائل الإعلام المصرية عقب وفاة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، رحمه الله تعالى. كانت الحوارات وهي أقرب إلى «التنظيرات» أشبه بوصلات «الردح والفهلوة والحداقة»، بعيدة كل البعد عن الاحتراف والمهنية وتحرّي دقة المعلومة ومعرفة المصدر وتوثيق الخبر والتأكد بشكل عميق من أبعاد القصة. هناك من «يلعب» في العلاقة السعودية المصرية، وهناك أطراف «مختلفة» تسعى لزعزعة هذه العلاقة، فهناك الفصيل الإخواني الذي لا يتوانى عن قول أو فعل أي شيء لاختلاق الفجوة بين البلدين، وهو جاء الآن للمشهد بشهية مفتوحة جدا بعد نشوة اللقاء مع المسؤولين الأميركان وزيادة الدعم من دولة عربية وتركيا فاختلقت تسريبا صوتيا للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ثبت عندما تم التدقيق فيه أنه مليء بالثغرات والأخطاء، وفشلت بالتالي محاولة استغلاله لإحداث الشرخ بين مصر ودول الخليج، لتأتي مكالمة هاتفية بين الملك السعودي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز والرئيس المصري، يصدر بعدها بيان سعودي حادّ كالسيف في معناه يقطع الطريق على كل من كان يبحث عن «تحقيق» فائدة نتاج هذا التسريب، ليؤكد البيان أهمية العلاقة بين البلدين ومثاليتها في نفس الوقت.
العلاقة بين السعودية ومصر يجب أن تنتقل من علاقات استراتيجية إلى علاقات تكاملية على كل الأصعدة، في ما يخص علاقة الدعم المادي، وهي مسألة إذا لم يتم التعاطي معها بشكل جاد ومتكامل ستبقى دوما موضوعا «حساسا» و«حرجا» في البلدين، وبالتالي لا بد من توسيع دائرة المستفيدين من الدعم بحيث تكون الشركات السعودية هي المنفذة لكل المشاريع الداعمة للاقتصاد المصري بعمالة مصرية، وأن تكون السلع المستوردة كلها ذات منشأ سعودي.
لا بد أن يكون برنامج الدعم الاقتصادي مسألة قابلة لأن يشعر بها أكبر قاعدة ممكنة من الناس لتوسيع الفائدة، ويصبح المستفيد قادرا على الإحساس حقيقة باستراتيجية هذه العلاقة، لأنها ستحسن من الحال الاقتصادية بين البلدين في قطاعات مهمة ومختلفة، وخصوصا القطاع الخاص الذي سيتيح بالتالي فرصا توظيفية واستثمارية وطبعا تنموية.
العلاقة بين الدولتين الكبيرتين هي علاقات تاريخية، ولكنها كانت دوما تتأرجح بحسب الظروف، واليوم السعودية من حقها أن تطالب باتفاقية خاصة جدا مع مصر التي بموجبها يمنح المستثمر السعودي مزايا خاصة واستثنائية تليق بالمستثمر الأكبر في السوق المصرية، وكل ذلك من شأنه ترسيخ العلاقة على أوجه كثيرة وتوسيع رقعة الاستفادة والحد من الاستغلال الرخيص والحقير من أطراف مختلفة لا يمكن وصفها بالبريئة أبدا.
اختبار جديد وسريع نجحت العلاقات المصرية السعودية في تجاوزه بعقل وحكمة وجدارة، ولكن لا بد من التركيز وبقوة على أن العلاقة بحاجة إلى تمكين وتقوية في مجالات مختلفة، ولن تفيد معها فقط حسن النيات، فالموضوع بحاجة إلى قرارات حاسمة جدا.