فتح النائب الممدد لنفسه عضو كتلة المستقبل النيابية الشيخ خالد الضاهر «أبواب جهنم» عليه بمصراعيها، بعد أن أطلق «تصريحا ناريا» تناول فيه تمثال «يسوع الملك»، ونصب القديسين، مطالبا بإزالتهم مقابل إزالة عبارة «قلعة المسلمين طرابلس» من ساحة عبد الحميد كرامي المعروفة بساحة النور.
وتفجر الغضب الشعبي والرسمي على موقف الضاهر، على شاشات التلفزة، وفي وسائل الإعلام المسموعة والمكتوبة، ووسائل التواصل الإجتماعي، وصولا إلى المؤسسات الرسمية، التي استنكرت وأدانت ما قيل، خاصة أن المداخلة كانت في غير موقعها وفي غربة عن الحيثيات والظروف المرافقة لها.
ووصل الأمر أن أعلن رئيس حزب التوحيد العربي، الوزير السابق وئام وهاب، أن وزير الصحة العامة وائل بو فاعور قد أبلغه أن وزارة الصحة مستعدة للحجر الصحي على النائب الضاهر، مطالبا «الصليب الأحمر بإجراء المقتضى…».
وفي وقت لاحق، أطل الضاهر بنصف إعتذار على شاشات التلفزة، مشيرا إلى أن «كلامه اجتزئ»، وأنه لم يطلب «إزالة اي صلبان وتماثيل في أي مكان، بل سأل عن سبب إزالة رموز في منطقة واحدة»، ومؤكدا أنه يريد أن يكون للمسيحيين المؤمنين «صلبانا كبيرة»، لا أن يستحوا بإيمانهم.. وذلك بعد أن أخذ كلامه مقدارا من الجدل غير مسبوق، وخاصة من صناع القرار في تيار المستقبل، وتحديدا رئيسه الشيخ سعد الحريري، ورئيس كتلته النيابية الرئيس فؤاد السنيورة، وسائر اعضاء الكتلة، الذين اعتبروا أن كلامه مرفوض ولا يعبر عن رأي الكتلة.
مصادر خبيرة في إطلالات السياسيين وخطاباتهم رجحت عدة سيناريوهات لخطاب الضاهر، فوضعت الإحتمال الأول أن يكون الضاهر قد تحدث إرتجالا، بدون أن يحضر كلمته، وبالتالي، فوقوع الخطأ قد يكون أكثر سهولة، لأن تحضير الخطاب يضع الحدود والأطر التي يريد الشخص أن يتكلم فيها، ولا يستطرد في الكلام عما يريد أن يتجنب الوقوع فيه، فلا مكان لزلات اللسان في ظل وجود خطاب معد سلفا، لكن في حالة الإرتجال، يعكس الواقع الزماني والمكاني «الزمكاني» على الكلمات المنتقاة، كما يساهم وجود الجمهور والحماس في إعلاء مقدار «الأدرينالين»، فينتخي المتحدث، خاصة إذا أحس انه محاط بجمع متحمس.
المشكلة، تضيف المصادر، أن عدم تحضير الخطاب يفسح المجال أمام العقل الباطن ليخرج حقيقة ما يفكر فيه المرء من داخله، وبالتالي، يفسح بالمجال له أن يعبر عما يزعجه، والذي يخشى من إظهاره، بالتالي، تضيف المصادر، إن تبادر تمثال يسوع الملك إلى ذهن الضاهر هو مؤشر إلى أن حضور التماثيل المسيحية، وخاصة هذا التمثال، هو مقلق ومزعج له.
بالمقابل، وضعت مصادر وسطية متابعة كلام النائب الضاهر في إطارين منفصلين، فاعتبرت أولا أن كلاما مشابها للضاهر ليس بجديد عليه، فهو كان قد طالب في السابق العسكريين «السنة» بالتمرد على المؤسسة العسكرية والخروج من الجيش اللبناني كما اعترف بذلك قيادي معتقل من «جبهة النصرة»، بالتالي، فخطابه اليوم ليس إلا عودا على بدء من «سابق الفضل».
أما الإطار الثاني، تشير المصادر، فهو أن خطاب الضاهر هو رسالة من قبل «الجناح المتشدد» المتأثر سلبا من نجاح واستمرار الحوار بين المستقبل وحزب الله، والذي يحاول أن يجعل المسيحيين «دم الضرس» في خفوت نار الفتنة بين السنة والشيعة، باعتبار أن «ضريبة الحق العام» يجب أن تجد من يسددها، وبطبيعة الحال فإن «الحلقة الأضعف» ممثلة بالمسيحيين هي التي يجب أن تدفع هذه الفاتورة. بالتالي، فإن فيه رسالة تذكير بأن بديل «الإعتدال السني» هو أطروحة متشددة «داعشية»، لا تبقي ولا تذر من التنوع والغيرية، ولا مكان لأطروحة مسيحية في أدبياتها.
إلا أن جهات مسيحية متابعة ردت على الأطروحة الأخيرة، معتبرة أن ذلك من ضروب الوهم، معيدة ما قاله الأب عبدو أبو كسم رئيس المركز الكاثوليكي للإعلام، الذي رفض أن يكون المسيحيون في لبنان مكسر عصا، وأوضح أنّ إزالة الشعارات في طرابلس ليست مطالبة من المسيحيين، وليست مبررة ليتهجّم النائب خالد الضاهر على الرموز المسيحية ويطالب بإزالتها، بل المطالبة جاءت من الحوار بين «حزب الله» و«المستقبل»، ولافتا الى أنّه كان من الممكن أن يشعل الضاهر فتنة في البلد بسبب ردات الفعل العنيفة التي حصلت. مذكرة النائب الممدد لنفسه خالد الضاهر بأن تمثال يسوع الملك موجود في لبنان قبل أن يولد هو.
وأضافت بالقول «إن كان المقصود من هذا الكلام أن يخاف المسيحيون ويهربوا، فتلك أضغاث أحلام موجودة فقط في مخيلات الحاقدين، لأن المسيحيين لا يخافون، وهم من قال لهم راعيهم السيد المسيح لا تخف ايها القطيع الصغير، فأنا معكم حتى انقضاء الدهر»، مضيفة أن لبنان لن يكون إلا بلد التسامح والمساواة والأخوة، والسلم الأهلي والعيش الواحد بين المسلمين والمسيحيين، ولن يكون إمارة لداعش أو للنصرة أو لأتباعهم، ومعتبرة أن تماثيل القديسيين والأنبياء ستبقى منتصبة حتى قيام الساعة، وستبقى تفتح ذراعيها لتحتضن جميع الناس، وفي مقدمتهم الخطأة، الذين يسيئون إليها، والذين «لا يدرون ماذا يفعلون»…