موقع “القوات” ينشر التعريب الكامل لمقال “نيويورك تايمز” عن دور مغنية باغتيال الحريري (الجزء الأول)

تعريب: صوفي شماس.

كتب المحلل العسكري رونن بيرغمان في صحيفة “نيويورك تايمز” مقالاً تناول فيه عملية اغتيال رئيس الحكومة الأسبق الرئيس رفيق الحريري ذكر فيه معلومات دقيقة ومفصلة تنشر للمرة الأولى، عن المراحل التي سبقت عملية الإغتيال والتحضيرات لها.

يبدأ المحلل مقاله بوصفه أحمد أبوعدس، الشاب الذي شغل الرأي العام والإعلام لمدة طويلة، بصفته الانتحاري الذي نفذ عملية الاغتيال، لينتقل بعدها إلى عمل المحققين الدولي والمحكمة، حيث يظهر مدى الاحتراف الذي يتمتع به الذين عملوا ويعملون في هذه القضية.

يعود المحلل في سرده للأحداث إلى بداية الحرب اللبنانية والاحتلال السوري للبنان والقمع الذي مارسه  بحق كل من حاول مقاومته، ويروي لقاءات الحريري المتوترة مع الرئيس السوري والتهديدات التي تلقاها قبل اغتياله، ثم تفاصيل يوم الاغتيال دقيقة بدقيقة. كما يلقي الضوء على الغزو الإسرائيلي للبنان وظروف إنشاء “حزب الله”، وبروز عماد مغنية في الحزب.

الملفت في المقال، الدور الريادي والحاسم الذي لعبه النقيب الشهيد وسام عيد في استخلاص بيانات الهواتف المحمولة لمنفذي عملية الاغتيال وتتبع المكالمات الهاتفية قبل وأثناء عملية الاغتيال، ما أدى إلى كشف معلومات خطيرة دفعت بالمتضررين إلى اغتياله.

 

 

رابط حزب الله

الجزء الأول

أحمد أبو عدس

في العام 2005، كان أحمد أبو عدس في الثانية والعشرين  من عمره  لا يزال يعيش مع والديه في بيروت، لبنان. لقد كان طيبا ويحب الناس، وقال أصدقاؤه في وقت لاحق للمحققين، إنه كان بسيطاً، كريماً وساذجاً قليلاً. كان جسديا ضعيفاً جداً. مسلم سني من أصل فلسطيني، اهتم في الفترة الأخيرة بالدين وأصبح يقضي ساعات طويلة في مسجد الجامعة العربية بالقرب من منزله.

ذات يوم، اقترب منه رجل بعد إداء الصلاة، ادعى أن اسمه محمد، وهو رجل مسلم توفي والداه عندما كان صغيراً، ونشأ وترعرع في دار أيتام مسيحي. لكنه يرغب اليوم في العودة إلى الإسلام، وتعلم كيفية الصلاة، والزواج من امرأة مسلمة. وطلب من أبو عدس مساعدته على تحقيق ذلك.

فى 15 كانون الثاني من العام 2005، اتصل محمد بأبو عدس، وأخبره أنه يحمل إليه مفاجأة. في صباح اليوم التالي، توقفت سيارة أمام منزل أبو عدس، وصعد فيها. قال لوالديه إنه سوف يعود بعد قليل لمساعدتهم على تنظيف السجاد، كما وعد. خرج أحمد من المنزل ولم يأخذ أياً من أغراضه. في اليوم التالي، اتصل محمد بعائلة أبو عدس وأخبرهم أنه ذاهب إلى العراق للانضمام إلى المقاتلين السنة هناك، وقد لا يراهم مجدداً.

تجري اليوم محاكمة خمسة عناصر من “حزب الله” غيابياً بتهمة تنفيذ الهجوم في العام 2005. المتهمون: حسين حسن عنيسي، سليم جميل عياش، أسد حسن صبرا، حسن حبيب مرعي ومصطفى أمين بدر الدين.

بعد أربعة أسابيع، في 14 شباط 2005، عند الساعة 12:55 ظهراً، دوى انفجار أمام فندق السان جورج هز وسط بيروت. دمر الانفجار قافلة من السيارات تقل إحداها  رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري، ما أدى إلى استشهاده مع ثمانية من مرافقيه و13 شخصاً مدنياً من المارة.

بعد وقوع الانفجار بفترة قصيرة، اتصل شخص مجهول ادعى أنه يتحدث باسم تنظيم “النصرة والجهاد في بلاد الشام”، وأبلغ مراسل “قناة الجزيرة” في بيروت بوجود شريط فيديو وضعه الانتحاري على شجرة في ساحة رياض الصلح، على بعد بضعة أبنية من مكان الانفجار، وإن لم يتم أخذه في غضون 15 دقيقة، فإنه سوف يختفي. وجد فني “الجزيرة” الشريط، لكن القناة تريثت في بث محتوياته حتى الساعة الخامسة من بعد الظهر بعد اتصال تهديد من الشخص المجهول نفسه.

في التسجيل، بدا أحمد أبو عدس شاحباً، هزيلاً وملتحياً، وهو يقرأ ورقة مرتدياً ملابس رياضية سوداء وعمامة بيضاء. “بسم الله،  وللانتقام من الشهداء الأبرياء الذين قتلوا على يد قوات أمن النظام السعودي الكافر، أقسمت جماعته على إنزال  العقاب العادل على وكيل ذلك النظام وأداته الرخيصة في بلاد الشام، الخاطئ، وصاحب المكاسب غير المشروعة، رفيق الحريري”. وقد أرفق التنظيم المجهول رسالة بالشريط أوضحت فيها أن الحريري، وهو مسلم سني، كان يجب أن يموت لأنه خان زملاءه السنة، وأن أبو عدس، وهو أيضا مسلم سني، هو الانتحاري الذي قتله. أصاب الاعتراف عائلة أبو عدس بالذعر، فهم لم يصدقوا الرواية.

أرسلت الأمم المتحدة فريقاً من الخبراء للمساعدة في التحقيق، وبدأ المحللون في الطب الشرعي من هولندا إعادة تجميع ما تبقى من هيكل شاحنة الميتسوبيشي كانتر التي كان يقودها الانتحاري. تمكنوا من إخراج رقم الهيكل D33-J01926، واستخلاص أن الشاحنة سرقت في اليابان، وتم شحنها إلى دولة الإمارات العربية المتحدة حيث اشتراها، قبل الهجوم، تاجر سيارات مستعملة في طرابلس، لبنان، معقل الحركات الإسلامية السنية، التي يقيم بعضها علاقة مع تنظيم “القاعدة”.

عند استجوابه من قبل محققي الأمم المتحدة في طرابلس، أوضح التاجر أن رجلين جاءا إلى متجره، وبعد مناقشة حول السعر، قدموا أسماء وأرقام هواتف وهمية لإنهاء المعاملات الرسمية. لم يكن من قبيل الصدفة أنهما اختارا معرضاً للسيارات لا يضع كاميرات مراقبة، فبدا الأمر واضحاً جداً: إنه تفجير آخر ينفذه الجهاديون السنّة.

لكن ظلت الشكوك تساور المحققين ليس فقط بشأن التصرف الغريب الذي قام به الرجل اللطيف أحمد أبو عدس والذي تمثل بقراره الفجائي بارتكاب مجزرة جماعية. فالخبراء الذين فحصوا اعترافه المسجّل لاحظوا أن النبرة والإنتاج اللذان ظهرا في الشريط لا يتطابقان مع تسجيلات الجماعات الجهادية السنيّة. كما عثر الباحثون على تناقضات خفية، أيضا، بين الشريط والرسالة، كما لو أن أحدهم خشى ألا يكون الشريط الذي تم تسجيله قبل فترة طويلة ربما من وقوع حادثة الاغتيال، وأراد أن يدعم الرواية. ثم هناك مسألة الوسائل. من الواضح أن سائق شاحنة الميتسوبيشي كان ماهرا. فقد وصل إلى موكب الحريري بدقة متناهية على الرغم من حركة المرور الكثيفة في وسط بيروت. في حين يؤكد أصدقاء أبو عدس، كما عائلته، أنه لم يقد سيارة في حياته. فهو لم يعرف حتى أن يركب دراجة.

أخيراً، كانت هناك مشكلة أدلة الحمض النووي. جمع خبراء الطب الشرعي مئات الأجزاء من الأجساد في الموقع، وجرى تحديد أكثرها بأنها تعود إلى الحريري، ومرافقيه والضحايا الأخرى المعروفة. توافقت أكثر من 100 عينة وراثيا مع بعضها البعض، ولكن ليس مع الضحايا التي تم تحديدها. أظهر النمط المبعثر لتلك الأجزاء أنها تعود إلى الشخص الأكثر قرباً من  الانفجار. كان ذلك الانتحاري. قارن المحققون هذا الحمض النووي للمادة الوراثية المأخوذة من فرشاة أسنان ابو عدس. وكانت النتائج لا لبس فيها: لم يكن أبو عدس هو الانتحاري.

دعا فريق الأمم المتحدة مزيداً من الخبراء والمتخصصين الجينيين الذي أخضعوا الرفات لتحليل النظائر – وهي عملية يمكنها أن تحدد أين عاش الشخص، ماذا كان يأكل، والهواء الذي كان يتنفسه. وخلصوا إلى أن الانتحاري أمضى الستة أشهر الأخيرة في القتال أو في التدريب العسكري، لأن جسده امتص كميات كبيرة من الرصاص. وكان أكبر جزء من الجسم تم العثور عليه هو أنفه، الذي دفع بعض المحققين إلى الاعتقاد بأنه جاء من إثيوبيا، أو الصومال أو اليمن. وقال محقق بارز طلب عدم الكشف عن هويته بسبب مخاوف بشأن سلامته الشخصية إن فريق التحقيق احتفظ بالأنف في محلول الفورمالين.

  1. المحكمة

“أنف من هذا؟” أصبحت الإجابة عن هذا السؤال المروع منذ ذلك الحين الشغل الشاغل لأحد أغلى وأهم التحقيقات الجنائية، وأكثرها إثارة للجدل التي أجريت على الإطلاق.أنشأت الأمم المتحدة المحكمة الخاصة بلبنان في لاهاي لمتابعة التحقيق، وأصدرت النيابة العامة لوائح اتهام في العام 2011 ضد أربعة عناصر من “حزب الله”، وهي المنظمة المتشددة الأقوى في لبنان، وفي العام 2013 ضد عضو خامس. ببساطة، كانت المحكمة ضرورية بسبب الدور الفريد لـ”حزب الله” في لبنان والعالم: على الرغم من أن وزارة الخارجية الأميركية تصنّف هذا الحزب كمجوعة أجنبية إرهابية، فهذا الحزب هو أيضا حزب سياسي لديه شعبية في لبنان، وبالتالي، فمن الصعب، وربما من المستحيل، على لبنان أو على أي دولة أخرى توفير المكان المناسب لإجراء المحاكمة. لكن أمور كثيرة أخرى هي على المحك. إنها أول محاكمة دولية كبرى تتعلق ببلد عربي، وأحد أكبر التحديات التي تواجه أعضاء النيابة العامة ومحامي الدفاع على حد سواء هو، ببساطة، إظهار أن تحقيق العدالة هو أمر ممكن.

بدأ القضاة الخمس في المحكمة سماع المدعي العام ضد عياش، بدر الدين، مرعي، عنيسي وصبرا في 16 كانون الثاني 2014. وبعد سنة كاملة من الإجراءات، تمكنوا من الاستماع إلى جزء بسيط فقط من مئات الشهود والآلاف من المستندات التي تنوي النيابة العامة تقديمها. وحتى الآن، ساهمت 28 دولة، بما في ذلك لبنان والولايات المتحدة وفرنسا، بما يقارب النصف مليار دولار لتمويل التحقيق والمحاكمة التي ستكلف ربما مئات الملايين الإضافية حتى يتم إغلاق القضية، التي ستستمر على الأرجح سنتين أو ثلاث سنوات. وسوف يواجه المتهمون عقوبة السجن مدى الحياة في دولة يحددها رئيس الحكمة، في حال ثبتت إدانتهم في جميع التهم – أعمال مختلفة من الإرهاب، 22 اتهاماً بالقتل، و231 تهمة الشروع في القتل.

اتخذت المحكمة مبنى من الإسمنت مكون من سبعة طوابق كان يضم فيما مضى مكاتب الاستخبارات العامة والأمن الهولندية، وحولت ملعب كرة السلة إلى قاعة محكمة. في مستودع كبير قريب من المبنى، وضعت المستندات، بما في ذلك حطام سيارة الحريري وشاحنة الانتحاري. المجمع كبير جداً وباهت إلى حد ما. “إنه يذكرنا بقاعات المحاكم في ألمانيا الشرقية،” أحد محامي الدفاع، من باب الدعابة.

لأن الصواريخ يمكن أن تطير من خلال النوافذ، فقاعة المحكمة تخلو من النوافذ. حتى المدرجات العالية، التي كانت الجماهير تشاهد مباريات كرة السلة منها فيما مضى، غطيت بزجاج مضاد للرصاص، وتم تعتيم الجزء السفلي منها لحجب الشاهد الذي يقف تحتها. هذه التدابير ليست علامة على جنون العظمة: قد تم تهديد عدد من الشهود، واغتيال أحد المحققين.

ربما الشيء الأكثر نفوراً في هذه القاعة الراقية هو ما ليس موجودا: قفص الاتهام للمتهمين. قد لا تتمكن السلطات اللبنانية – أو قد لا تلقي  القبض على المتهمين الخمسة، ولقد تعهد أمين عام “حزب الله”، السيد حسن نصر الله، بأن الأمم المتحدة لن توقفهم مطلقا، لا في شهر،”ولا حتى في 300 سنة”. لهذا السبب، قررت المحكمة عقد محاكمة دولية غيابية للمرة الأولى منذ محكمة الحلفاء في نورمبرغ في العام 1946 حين حكمت على  مساعد هتلر، مارتن بورمان بالإعدام. يعتبر البعض أن هذه المحاكمة ليس سوى ممارسة فارغة. فبموجب القانون الدولي، لدى المتهمين المدانين غيابيا الحق في إعادة المحاكمة، ما لم تكن النيابة العامة للسلطات الي قبضت عليهم في النهاية يمكن أن تظهر أن المتهمين كانوا يعرفون أنهم كانوا في لائحة الاتهام. أما الحجة المضادة، بطبيعة الحال، هو أن المحاكمة الثانية لن تكون ممكنة من دون العمل الذي سبق لهذه المحكمة أن قامت به.

يتميز  قضاة المحكمة – وهم استرالي، وإيطالي، وجماييكي، ولبنانيان – بالسترات الحمراء التي يرتدونها فوق عباءاتهم ذات الأكمام الحمراء أيضا. يترأس الجلسات القاضي الاسترالي ، ديفيد ري، وهو قاض مخضرم  في المحاكم الدولية خاصة للبوسنة والهرسك ويوغوسلافيا السابقة. العديد من القضاة والمحامين الآخرين الذين يتعاطون في القضية، هم مثل ري، لديهم خبرة مهنية طويلة في الخدمة في هذه المحاكم الدولية.

تسمح موازنة المحكمة للمحامين بتقديم مستنداتهم في أوضح صورة ممكنة. خلال بعض جلسات الاستماع، قدم المدعون العامون نماذج ملفتة بدقتها لمكان التفجير لما قبل وبعد عملية الاغتيال على طاولة هائلة في وسط الغرفة. ركز صناع النموذج، الذين أمضوا أسابيع لبنائها، تركيزاً خاصاً على استنتاج دقيق للدمار، حتى الأضرار التي لحقت بالأشجار. تتم الإجراءات باللغة العربية أو الإنجليزية أو الفرنسية، ويتم التدوين في جميع اللغات الثلاث.

من المرجح أن تنشى العملية في لاهاي سوابق جديدة في قناعات القتل على أساس الأدلة الظرفية أيضا. مقابل مئات الملايين من الدولارات التي أنفقت على التحقيق، لم تنتج النيابة أي دليل مباشر، ناهيك عن تأمين التعاون مع أي من المتهمين أو شركائهم المحتملين. تستند قضيتها إلى حد كبير إلى سجلات العشرات من الهواتف المحمولة التي تدعي أنها استخدمت من قبل القتلة، ومن بينهم المتهمين الخمسة.

حضر العديد من الجرحى في الانفجار وأفراد عائلات الذين قتلوا جلسة افتتاح المحاكمة. لقد اعتبروه يوماً مبهجاً، عندما يبدأ ظهور الحقيقة. كانت ندى عبد الساتر-أبو سمرا، من لبنان، أحد المحامين الذين وظفتهم المحكمة لتمثيل مصالح الضحايا. “على مدى أكثر من 40 عاما، قيل لنا إن علينا أن نغفر وننسى وفتح صفحة جديدة. طي صفحة؟ أي صفحة، إن كنا لم نقرأها حتى الآن؟ ننسى؟ ننسى ماذا؟ كيف يمكننا أن ننسى شيئاً ان كنا لا نعرفه؟ نغفر؟ يغفر لمن؟”.

 

  1. رفيق الحريري

لفهم اغتيال رفيق الحريري، يجب أن نعود إلى عقود خلت، إلى العام 1975، عندما هددت الحرب الأهلية التي بدأت بين المسيحيين الموارنة والفلسطينيين بتمزيق لبنان. طلبت الحكومة من الجارة سوريا إرسال قوات، والسوريون، الذين رأوا لبنان دائماً جزءاً من سوريا الكبرى، فرحوا بهذا الالتزام. طال بقاء القوات السورية، وسرعان ما ركب حافظ الأسد، الرئيس السوري، دمى سياسية خاصة به في موقع السلطة.

إجتاح الصراع في نهاية المطاف المسيحيين والدروز، واللاجئين الفلسطينيين والمسلمين الشيعة والسنة – حرب خماسية الولاءات متغيرة باستمرار – خلفت ما لا يقل عن 120ألف شخص، ومئات الآلاف من الجرحى أو بلا مأوى. فر أكثر من مليون لبناني إلى خارج البلاد، حتى أن إيران والعراق وإسرائيل والمملكة العربية السعودية وخصيصاً سوريا جعلت منه رهينة لأجندات إقليمية خاصة بها. مع استمرار الحرب، بدّل السوريون ولاءاتهم الخاصة بحسب ما يرونه مناسبا، طالما أنهم يستمرون بإدارة البلاد. استفاد رجال الأعمال السوريون من البنية التحتية المالية الأكثر تقدما في لبنان، ودخلوا تحت حماية القوات المسلحة، وانخرط الجيش السوري في تجارة المخدرات اللبنانية المتنامية.

في العام 1982، غزت إسرائيل لبنان عبر حدودها الشمالية، في مسعى منها لاجتثاث عناصر منظمة التحرير الفلسطينية. دمّر الجيش الإسرائيلي كافة المناطق حتى بيروت وأجبر منظمة التحرير الفلسطينية على الخروج من لبنان. كما هزم أيضا الجيش السوري وخاصة سلاح الجو حينما تواجه معه. عندما أدرك أنه لا يستطيع الانتصار في حرب تقليدية ضد الإسرائيليين، أتخذ الأسد، وهو مسلم علوي، مساراً مختلفاً ومفاجئاً إلى حد ما: سحب معارضته لخطة كان قد اقترحها رجال الدين الموالين لآية الله روح الله الخميني في إيران، وترتكز على إنشاء حزب سياسي شيعي في لبنان. وكان يفترض بالتنظيم الجديد أن يوفر للأقلية الشيعية بديلاً للحكومات المسيحية – السنية التي مارست التمييز ضدهم، وتأمين منظمة تعليمية، ودينية، واجتماعية، وخاصة عسكرية ممولة تمويلاً جيداً. أطلقت المنظمة التي حققت نجاحاً باهراً على نفسها اسم “حزب الله”. أمل الأسد في أن تتمكن الميليشيا الشيعية من ضرب الجيش الإسرائيلي الذي كان لا يزال يحتل “منطقة أمنية” في جنوب لبنان. وهكذا كان، فكان الرد إسرائيل باغتيال الأمين العام لحزب الله الشيخ عباس الموسوي، في شباط من العام 1992.

خلف الموسوي رجل الدين الشاب الكفوء، حسن نصر الله، وعيّن نصر الله بدوره عماد مغنية لإدارة الجناح العسكري لـ”حزب الله”. كان مغنية عبقري في الإرهاب. جعل من التفجير الانتحاري سلاحاً استراتيجياً، وسيد تكتيكات حرب العصابات، والهجمات الخاطفة والعبوات الناسفة التي يتم التحكم بها بواسطة الراديو. استنبط أيضا هدية للدعاية: كان حزب الله أول من بدأ تسجيل هجماته وبث نتائجها. هناك رأي سائد بأن عماد مغنية هو خطط ونفذ تفجير ثكنة البحرية الأميركية في العام 1983 الذي قتل 241 جندياً أميركياً و 58 جندياً فرنسياً وستة مدنيين وأدى إلى انسحاب جنود بحرية  الولايات المتحدة في العام 1984. وفي العام 2000، نجح بقيادة ميليشيا صغيرة في إجبار الجيش الإسرائيلي، أقوى قوة عسكرية في الشرق الأوسط، على الانسحاب من جنوب لبنان.

مات الأسد في ذلك العام نفسه، واستلم ابنه بشار الأسد، الحكم في سوريا. لاحظ بشار الأسد كيف أن الشراكة بين نصرالله وعماد مغنية نجحت حيث العالم العربي بأسره، بما في ذلك والده، قد فشل، فجعل من رابط سوريا مع “حزب الله” – ورعاته في طهران – المكون المركزي للعقيدة الأمنية له. (تمت مكافأة الأسد لرهانه على حزب الله في العام 2013، عندما أرسل نصر الله قواته التي عززت الحكومة السورية ضد المتمردين عليها).

لكن داخل لبنان، بدأ الانسحاب الإسرائيلي في العام 2000 يرفع الآمال بانسحاب سوري قريب. مقابل خشية قادة “حزب الله” والعديد من السياسيين المدعومين من سوريا، بدأ يتشكل تحالف مناهض لسوريا يجمع مسيحيين ودروزاً  وشخصيات سنية. وكان السياسي الأبرز في هذه المجموعة رفيق الحريري.

ولد الحريري في أسرة سنية فقيرة في جنوب لبنان في العام 1944 وجنى بسرعة ثروة كبيرة. بعد الحصول على شهادة في إدارة الأعمال من الجامعة العربية في بيروت عام 1965، انتقل إلى المملكة العربية السعودية، حيث أظهر موهبة بارعة في استكمال مشاريع ضخمة – مساجد وقصور ومراكز تسوق – بكفاءة وفي الوقت المحدد، جعلته المفضل لدى العائلة المالكة. في أوائل العام 1980 عاد الى لبنان مليارديرا لديه علاقات واسعة. في العام 1992، ترشح لمنصب رئيس الوزراء وفاز به، تحت راية تحرير الاقتصاد اللبناني. استمر في منصبه حتى العام 1998، ثم ترشح مجددا بعد عامين وتولى منصبه من العام 2000 حتى 2004.

كرئيس للوزراء، لم يواجه الحريري “حزب الله” أو السوريين بطريقة مباشرة، ولكنه في المقابل أجج هذا الصراع. واصل الجيش السوري احتلاله للبنان من الشمال، ولم تساعد كثيراً معارك “حزب الله” مع اسرائيل في الجنوب معظم الشعب اللبناني. أمنت ثروة الحريري وشعبيته – ناهيك عن تأثيره كمالك لمجموعة متنامية من الصحف اللبنانية والفرنسية ومحطات إذاعية وتلفزيون – سمعة تخطت لبنان. أراد أن يجعل من بيروت العاصمة المالية لمنطقة الشرق الأوسط، كما كانت قديماً، ووأراد أن يجعل من لبنان بلدا ليبراليا، موجها نحو الغرب. سعى الأسد للحفاظ على الوضع الراهن، عبر سيطرته على لبنان ووجود “حزب الله” كأقوى قوة عسكرية فيه.

بدأت شبكة من الناشطين مع هواتف محمولة  بمراقبة الحريري، والبقاء على مقربة منه ليلاً ونهاراً. في يوم التفجير، توقف حوالى 63 هاتفاً فوراَ ولم تعاود العمل مطلقاً.

في النهاية، انتصر الأسد – إن لم يكن في المسألة الكبرى أي الوجود السوري في لبنان، فعلى الأقل في ما إذا كان هو أم الحريري من سيحدد النتيجة. فالنضال من أجل السيطرة وجد هدفه في نزاع حول مصير اميل لحود، رئيس لبنان منذ العام 1998، الذي كان على وشك انهاء الفترة الأخيرة من ولايته. كان دور الرئيس شرفي الى حد كبير، ولكن لحود، وهو مسيحي، ساند طويلاً التورط السوري في لبنان، وقرر الأسد أن من المهم إبقاءه في منصبه، وهي خطوة تتطلب تعديل الدستور في لبنان. وقد عارض الحريري التعديل بحزم، وكان السوريون أيضا مقتنعون بأنه، ووليد جنبلاط، زعيم الدروز المعارض، كانا يعملان وراء الكواليس على مساعدة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لإصدار القرار رقم 1559، الذي يدعو لنزع سلاح “حزب الله” وانسحاب سوريا من لبنان.

يوم 26 آب 2004، استدعى الأسد الحريري إلى القصر الرئاسي في دمشق ليوجه إليه إنذاراً. “يجب أن يبقى لحود في منصبه”، قال الأسد، “حتى لو كانت الولايات المتحدة وفرنسا لا ترغبان في ذلك”. اعترض الحريري، ولكن الأسد حسم الموضوع،  “سيبقى لحود”. إن حاول الحريري أو جنبلاط منعه من ذلك، قال أحد الحاضرين في الاجتماع للمحكمة، سوف يدمر لبنان فوق رأسيهما. ثم كرر تهديه للحريري، “سوف أدمر لبنان على رأسك وعلى رأس جنبلاط، لذا من الأفضل لك أن تعود إلى بيروت وترتب الأمر على هذا الأساس.” (يومها نفى الأسد أن يكون قد هدد الحريري بأي شكل من الأشكال).

عاد الحريري إلى بيروت – أخبر أحد حراسه في وقت لاحق محققي الأمم المتحدة أن رئيس الوزراء شعر بالصدمة من جراء اللقاء لدرجة أن أنفه بدأ ينزف –وتوجه على الفور إلى منزل جنبلاط. كان والد الأسد أمر باغتيال والد جنبلاط، زعيم المعارضة اللبناني كمال جنبلاط، في العام 1977، وكان أيضا على الأرجح وراء اغتيال بشير الجميل، رئيس جمهورية لبنان المسيحي المنتخب في العام 1982. فكان للحريري وجنبلاط سبب وجيه للشك أن الأسد سوف يفعل الشيء نفسه معهما. ازداد الخطر في 2 أيلول، عندما أصدر مجلس الأمن القرار 1559، واشتبه السوريون أن الحريري متورط في الموضوع.

خسر الحريري تصويت البرلمان على التمديد للحود، وهدد عدد من الوزراء المدعومين من سوريا بالاستقالة، وإسقاط الحكومة، ما لم يتنح الحريري بنفسه. في أوائل أيلول، قبل موعد حفل نيله جائزة من الأمم المتحدة لإعادة إعمار لبنان، أعلن الحريري استقالته. غادر منصبه في 20 تشرين الأول 2004، وركز اهتمامه على الفور على الانتخابات النيابية المقررة في غضون ستة أشهر. من المؤكد أن حكومة جديدة، قال له مستشاريه ، سوف تضعه مرة أخرى في مكتب رئيس الوزراء.

 

 الاغتيال

عاش الحريري وعمل في مجمع مترامي الأطراف، مكون من تسعة طوابق، قصر قريطم. في حوالي الساعة العاشرة من صباح يوم 14 شباط 2005، أخبر حراسه أنه سوف يغادر إلى موعد. كان يحب أن يقود السيارة بنفسه، حتى عندما كان رئيساً للوزراء. إنما وهو في منصبه كان يتنقل  مع 50 حارساً من قوى الأمن الداخلي. لديه الآن أربعة حراس فقط من الأمن الداخلي، ألحق بهم فريق أمنه الخاص، بقيادة يحيى العرب، المعروف باسم أبو طارق، الذي رافق الحريري منذ العام 1975، مرتديا النظارات الشمسية الداكنة وتعلو وجهه تعابير قاسية. يحمل جميع الحراس مسدسات ويضعون سماعات راديو متصلة بشبكة خاصة تحت إشراف أبو طارق. كانت سياراتهم مجهزة ببنادق آلية وجهاز التشويش على إشارة الراديو (لمواجهة الهجمات التي تشنها أجهزة التحكم فيها عن بعد)، ووفقا لأحد المصادر، قذائف صاروخية وقاذفات صواريخ.

عند الساعة 10:41 صباحا، توجه موكب الحريري إلى ساحة النجمة، مبنى البرلمان اللباني. وصل بعد حوالي 13 دقيقة، وقضى الحريري الساعة التالية في التحدث مع عدد من أعضاء البرلمان، بما في ذلك شقيقته بهية الحريري. بدا في الصور الأخبارية التي التقطت في ذلك الوقت، هادئاً وسعيداً. عند الساعة 11:56 صباحا، عاد الحريري إلى موكبه، وبدأ حراسه بدخول سياراتهم، في انتظار أمر من أبو طارق للعودة إلى المنزل.

في تلك اللحظة نفسها، أجريت عدة مكالمات من هواتف محمولة من على مقربة من مبنى البرلمان إلى مجموعة أخرى من الهواتف متمركزة على مسافة ميل شمال غرب. بعد فترة وجيزة من هذه الاتصالات، سجلت الكاميرات الأمنية في نفق الرئيس سليمان فرنجية، في نفس المنطقة تقريبا، تحرك شاحنة  ميتسوبيشي كانتر شمالاً، نحو فندق السان جورج. كانت الشاحنة تحمل طنين من المتفجرات العسكرية  تسمىRDX  ، ما يكفي لإحداث انفجار يعادل تفجير أوكلاهوما سيتي عام 1995.

بينما كان الحريري يهم بدخول سيارته، أخبره أبو طارق أن نجيب فريجي، المتحدث باسم الأمم المتحدة في بيروت، يجتمع مع بعض الصحافيين في ساحة النجمة، في مقهى مقابل للشارع. قرر الحريري عدم المغادرة،. وسار بدلاً من ذلك، بخفة نحو المقهى. أخبر أبو طارق الحراس الشخصيين بواسطة الراديو بالتأخير. انطلق سلسلة أخرى من المكالمات الغامضة عبر الهواتف المحمولة، وانعطف سائق شاحنة الميتسوبيشي نحو اليمين بعد خروجه من النفق وتوقف. أمضى الحريري 45 دقيقة في المقهى، تحدث فيها مع فريجي والصحافيين، فضلاً عن عدد قليل من المارة. ظلت الهواتف المحمولة صامتة، والشاحنة متوقفة، تنتظر.

كان مع الحريري ضيف، باسل فليحان، مسيحي، شغل منصب وزير الاقتصاد والتجارة في الحكومة اللبنانية.  بناء على طلب الحريري، قطع فليحان عطلة التزلج في سويسرا للتشاور حول بعض المسائل الاقتصادية. كان قد حجز رحلتين منفصلتين لعودته إلى سويسرا – واحدة يوم الأحد، قبل يوم من الهجوم، وأخرى لليوم الذي يليه. اختار  الموعد الثاني لأنه كان يريد المشاركة في مناقشة برلمانية.

غادر الحريري أخيرا المقهى، وعاد إلى سيارته. جلس فليحان في المقعد بجانب السائق، وفتح الحريري زجاج السيارة ملوحاً بيده ومبتسماً لحشد صغير من الناس. في صورة هذه اللحظة، والتي كانت آخر صورة للحريري وهو على قيد الحياة، انعكاس لبرج ساعة البرلمان على زجاج نافذة المرسيدس النظيفة.  أدار المحققون الصورة ورأوا الوقت المحدد لانطلاق موكب الحريري: 10 دقائق قبل الساعة الواحدة ظهرا.

يتألف موكب الحريري من ست سيارات. انطلق عناصر قوى الأمن الداخلي في المقدمة في جيب أسود تويوتا لاند كروزر، تبعهم مباشرة حراس الأمن الخاص في سيارة  مرسيدس بنز 550 إس سوداء. لحق بهم الحريري، يقود سيارته المرسيدس 600 إس (مع فليحان)، تتبعه سيارتا مرسيدس 500 إس في داخلهما حراس أمن خاص آخرين. ظهرت في المؤخرة سيارة زرقاء داكنة من نوع شيفروليه سوبربان أعيد تجديدها كسيارة اسعاف. من السيارة الرابعة، أبلغ أبو طارق لاسلكيا فريق قوى الأمن الداخلي الذي يقود الموكب بالطريق التي أراد أن يسلكها. لحق السائقون الآخرون بالسيارة التي تقود الموكب.

عندما انطلق الموكب، فتحت الهواتف المحمولة مجدداً، وعادت  شاحنة الميتسوبيشي إلى السير. التقطت الكاميرا الأمنية عند مخرج نفق  الرئيس سليمان فرنجية الشاحنة مرة أخرى وهي تتجه إلى  فندق السان جورج. كانت الساعة 12،51. التقتت كاميرا أمنية أخرى موضوعة على مبنى بنك  HSBC، شاحنة الميتسوبيشي، وهي تتحرك الآن ببطء شديد، أبطأ بكثير من السيارات الأخرى.

 

اقتربت الشاحنة من فندق السان جورج، ومرت أمام كاميرا أمنية أخرى. بعد ثانية واحدة من مغادرة شاحنة الميتسوبيشي المنطقة التي تغطيها الكاميرا ظهر موكب الحريري. كانت السيارات الستة تسير بسرعة حوالي 45 ميلاً في الساعة، وفقا لأنظمة الأمنية. مرت السيارات على مسافة حوالى 20 قدما كل واحدة عن الأخرى، ثم خرج الموكب من المنطقة التي تغطيها الكاميرات الأمنية.

عند الساعة 12:55 ظهرا، ومع اقتراب الموكب من الشارع الذي يفصل بين فندق السان جورج ومبنى بيبلوس قيد الإنشاء، تجاوزت السيارة الأولى شاحنة الميتسوبيشي. ربما طُلب من المهاجم تفجير نفسه بجانب السيارة الثالثة التي كان الحريري يقودها. تأخر عنها لجزء من الثانية، وانفجرت الشاحنة تماما عند بدء مرور السيارة الرابعة.

 

في لحظة واحدة، أصبح الشارع جحيما. أحدث الانفجار حفرة كبيرة حوله، وامتزجت ألسنة اللهب والدخان والغبار، والسيارات المحترقة، وجثث الموتى والمحتضرين، وأجزاء أجساد، ومن المباني المدمرة، مئات الآلاف من شظايا الزجاج. رأى الناس الذين كانوا يشاهدون البث المباشر من البرلمان المنبر يهتز والمتحدث ينكمش خوفا.  كان واضحا أن هذا لم يكن زلزالاً، وعندما لم يتم سماع الانفجار الثاني، أيقن النواب أنه لم يكن دوياً قوياً من الطائرات الإسرائيلية التي تطير دائماً أزواجاً. وسمع عضو البرلمان يصرخ، باللغة العربية، “قنبلة!”

 

أبو طارق، الذي كان في السيارة الرابعة، والأقرب إلى الانفجار، تلقى القوة الكاملة للانفجار. كل ما استطاع المحققون إيجاده من رفاته كانت 38 قطعة من اللحم. وقد ألقى الانفجار تلك السيارة وما تبقى من ركابها في الطوابق السفلى من مبنى بيبلوس. السائق، محمد درويش، قطعت يديه ورجليه. أولئك الذين بقوا محاصرين في مقاعدهم في سيارات أخرى لم يلقوا مصيرا أفضل. أظهرت لقطات الفيديو النيران تأكلهم، وظهرت جماجمهم  البيضاء بعد ذوبان فروة رؤوسهم.

قذف التفجير جثة الحريري إلى الخارج وبالتأكيد توفي على الفور. اعتاد حراس الحريري تقبيل يده عربون ولائهم له. وقال أحد الحراس للمحكمة في وقت لاحق، “عندما عدت، رأيته على الأرض، وكنت قادرا على التعرف عليه من خلال خاتم زواجه.”

  1. وسام عيد

 

بدأ تحقيقان على الفور: فريق أولي من الأمم المتحدة ما أصبح في نهاية المطاف المحكمة من جهة، ووسام عيد، نقيب في قوى الأمن الداخلي درس هندسة الكمبيوتر قبل الالتحاق بقوى الأمن الداخلي، التحقيق المحلي من جدهة ثانية. صرفت الأمم المتحدة عدة ملايين من الدولارات للتحقيق في الجريمة، وترقب العالم كله عواقب لا يمكن تصورها للمنطقة. لكن عيد هو الذي طرح السؤال الذي فتح القضية في النهاية: لماذا لا ننظر إلى سجلات الهاتف المحمول؟

في ذلك الوقت، كانت منظمات تطبيق القانون في جميع أنحاء العالم أقل تطوراً مما هي عليه اليوم في ما يتعلق بما يمكن استخلاصه من استخدام الهاتف المحمول. كانت بعض العناصر الإجرامية تدرك أن جهاز مخابرات قد يكون قادراً على التنصت على المكالمات، لكن مجموعة صغيرة منهم فرت في قيمة البيانات الخلفية، المعلومات التي تبدو بسيطة حول متى وأين تم إجراء المكالمة أو حتى موقع الهاتف في تلك اللحظة. (يمكنك الاتصال على الهاتف المحمول والحصول على الجواب في غضون ثوان،لأن الهواتف المحمولة، عندما تعمل، تتحقق باستمرار من أي برج خلية يكون الأقرب إليها).

بناء على طلب عيد، أمر قاض شركتي الهاتف المحمول في لبنان، شركتي Alfa و MTC تاتش، لاستخراج سجلات المكالمات والرسائل النصية في لبنان في الأشهر الأربعة قبل التفجير. ثم درس عيد السجلات سراً لعدة أشهر. ركز على سجلات هاتف الحريري ومرافقيه، وتحقق من الذين اتصلوا بهم، وإلى أين ذهبوا، من التقوا ومتى. وتتبع أيضا أين أمضى أبو عدس، الانتحاري المفترض، الوقت قبل اختفائه. تحقق من كل الاتصالات التي أجريت على طول الطريق الذي سلكه مرافقو الحريري يوم الاغتيال. بحث دائماً عن السبب والنتيجة. قال محقق كبير في الامم المتحدة ، “كان رائعاً، رائعاً وحسب”. “من تلقاء نفسه، وضع برنامجاً بسيطاً لكن فعال بشكل مثير للدهشة لاستخراج بنك البيانات الهائل هذا”.

كشف نظام العد العشري البسيط بسرعة وجود نمط غريب. في تشرين الأول 2004، بعد استقالة الحريري، بدأت مجموعة معينة من الهواتف المحمولة بملاحقته وملاحقة عناصر موكبه الذي تم تقليصه أينما ذهبوا. بقيت هذه الهواتف قريبة منهم ليلاً ونهاراً، حتى يوم التفجير – حيث توقف حوالى 63 هاتف في المجموعة فوراً ولم تعاود العمل مطلقاً.

أمضى عيد سنة في استخراج النماذج من البيانات. ثم بدأ في تقديم سلسلة من التقارير السرية لرؤسائه وفي النهاية، إلى فريق الأمم المتحدة. كان متأكداً من أن فريقا كبيراً من الناشطين المدربين تدريباً جيداً استخدم شبكة من الهواتف المحمولة لتنفيذ عملية الاغتيال. كما خلص عيد لاستنتاج أولي وخطير. كانت لديه أدلة تربط شبكة الهاتف بمسؤولين كبار في “حزب الله”. وتعززت هذه الشكوك عندما تلقى مكالمة هاتفية من مسؤولين في “حزب الله”، علموا بطريقة أو بأخرى عن تحقيقاته. ووفقا لتقرير بثته “سي بي سي” نيوز بعد سنوات، أكد ناشطون أن بعض الهواتف تعود إلى عناصر في “حزب الله”، لكنه ادعى أنهم كانوا يستخدمونها للتحقيق في مؤامرة اسرائيلية.

 

بشجاعة، عكف عيد على عمله.  في 5 سبتمبر 2006 انفجرت قنبلة على جانب طريق قرب موكب مؤلف من سيارتين تقلان قائد عيد، المقدم سمير شحادة، ومرافقيه في جنوب لبنان. نجا شحادة، ولكن الانفجار أسفر عن مقتل أربعة من حراسه الشخصيين. (انتقل شحادة في وقت لاحق للاستقرار في كيبيك). بدأ عيد يتلقى تهديدات بالقتل. واصل عمله، يتتبع من هاتف إلى آخر، ويؤلف روابط جديدة. طلب من شقيقه أن يصوره وهو يعمل، وصنع أيضا نسخة احتياطية من عمله ومن السجلات غير المجهزة.

في المقابل أحرز فريق الأمم المتحدة، تقدما بسيطاً. في تشرين الأول 2005، وبعد ثمانية أشهر على الهجوم، أصدر ديتليف ميليس، المحقق الألماني الذي أرسلته الأمم المتحدة للإشراف على القضية، تقريراً عاجلاً يستند في المقام الأول على شهادة شاهدين، ادعيا أنهما كانا موجودين عندما خططت مجموعة من الضباط اللبنانيين للهجوم بالاشتراك مع ضباط في المخابرات السورية. اعتقلت السلطات اللبنانية الجنرالات، الذين نفوا بشكل قاطع أي تورط. سرعان ما بدأت القضية تنهار. بعد مرور أشهر، ثم سنوات، دعت منظمة “هيومن رايتس ووتش”، ووزارة الخارجية الأميركية في نهاية المطاف والأمم المتحدة نفسها لبنان إلى إطلاق سراح الجنرالات، وهذا ما حدث بعد سنوات عدة ، بعدما سحب أحد الشهود شهادته على برنامج أخبار تلفزيوني .

في أواخر العام 2007، عاد فريق الأمم المتحدة أخيراً إلى سجلات الهاتف. في البداية تجاهل الفريق عمل عيد الأولي، الذي كان موجوداً في ملفاته منذ عام 2006. بدلاً من ذلك، ووفقاً للتقرير الصادر عن “سي بي سي نيوز”، استخدم فريق الأمم المتحدة شركة بيانات بريطانية مستقلة لتحليل بيانات الهاتف – وكما فعل عيد قبلهم – اكتشفت بسرعة نموذجاً واضحاً. هناك مجموعة من الهواتف تتبعت الحريري لعدة أشهر قبل وفاته، ثم توقفت عن العمل بعد الهجوم.

كان عيد قد ذهب أبعد من ذلك بكثير، متخذاً عدة قفزات منطقية سمحت له بالمباشرة في بناء هيكلية قيادة كاملة. اهتم فريق الأمم المتحدة أخيرا بعمله ودعاه إلى اجتماع في كانون الثاني عام 2008. كان الاجتماع مثمراً، لذا اجتمعوا مرة أخرى في الأسبوع التالي. في 25 كانون الثاني 2008، وبينما كان عيد وحارسه يقودان السيارة على الطريق السريع في شرق لبنان، انفجرت سيارة ملغومة، ما أسفر عن مقتله، ومقتل حارسه الشخصي وشخصين آخرين صادف وجودهم على الطريق في ذلك اليوم. كان عيد يبلغ من العمر 31 عاما فقط.

بعد فترة وجيزة، أعلنت السلطات اللبنانية أنها غير قادرة على متابعة أي جزء آخر من التحقيق، وأنها نقلت جميع المواد التي في حوزتها، والتي تتسع لحمولة شاحنتين، إلى فريق الأمم المتحدة. (يبتع جزء ثان)

في ما يلي النص بالانكليزية:

 

The Hezbollah Connection

  1. Ahmad Abu Adass

In 2005, the last year of his life, Ahmad Abu Adass was 22 and still living with his parents in Beirut, Lebanon. He was kind and liked people, his friends later told investigators, but none of them thought he was very sophisticated. The best way to describe him was simple, one said. He was generous and a little naïve. He was very weak, physically. A Sunni Muslim of Palestinian descent, Adass had become interested in religion and now spent many hours at the Arab University Mosque near his home.

It was there, after a prayer session, that a man approached him. His name was Mohammed, he said. He was born a Muslim, but his parents died when he was young, and he grew up in a Christian orphanage. Now he wanted to return to Islam, learn how to pray, marry a Muslim woman. Could Adass help him? Adass said he could, and the two men became friends.

On Jan. 15, 2005, Mohammed called Adass. He said he had a surprise for him. Would he come see? The next morning, a car pulled up in front of Adass’s home, and he got in. He told his parents he’d return soon to help them clean the carpets, as he had promised. He took nothing with him. A day later, Mohammed called Adass’s family. He told them Adass was going to Iraq and hinted that the purpose of the journey was to join the Sunni fighters there. He said Adass would not see them again.

Five members of Hezbollah are being tried in absentia for the 2005 attack. The defendants, clockwise from top: Hussein Hassan Oneissi, SalimJamilAyyash, Assad Hassan Sabra, Hassan HabibMerhi and Mustafa Amine Badreddine.

Four weeks later, on Feb. 14, 2005, at 12:55 p.m., an explosion just in front of the St. Georges Hotel shook downtown Beirut. It destroyed a convoy of vehicles carrying Lebanon’s former and probably next prime minister, Rafik Hariri, killing him along with eight members of his entourage and 13 bystanders.

Soon after the blast, an anonymous caller claiming to represent “Nusra and Jihad Group in Greater Syria,” a previously unheard-of organization, told a reporter at the Al Jazeera affiliate in Beirut that a videotape from the suicide bomber was hanging from a tree in Riad al Solh Square, just a few blocks from the scene of the attack. If it was not picked up within 15 minutes, it would disappear. An Al Jazeera technician retrieved it, but Al Jazeera didn’t broadcast its contents immediately. At 5:04 p.m., the anonymous caller phoned again and told the reporter that he should broadcast the video right away or he “would regret it.” Shortly afterward, the tape was aired.

In the recording, a haggard Ahmad Abu Adass, dressed in black and sporting a beard and a white turban, read from a sheet of paper. In the name of Allah, he said, and to avenge the “innocent martyrs who were killed by the security forces of the infidel Saudi regime,” his group swore “to inflict just punishment upon the agent of that regime and its cheap tool in greater Syria, the sinner and holder of ill-gotten gains,” Rafik Hariri. A letter from the hitherto-unknown movement was attached to the tape. It clarified that Hariri, a Sunni Muslim, had to die because he had betrayed his fellow Sunnis, and that Adass, also a Sunni Muslim, was the bomber who killed him. Adass’s family was horrified by the confession. They didn’t believe it.

The United Nations sent a team of experts to help with the investigation. Forensic analysts from the Netherlands began to reassemble what remained of the bomber’s flatbed truck, a Mitsubishi Canter. They were able to make out its block number, 4D33-J01926, and established that the truck had been stolen in Japan, shipped to the United Arab Emirates and finally purchased, just before the attack, from a used-car dealer in Tripoli, Lebanon, a stronghold of Sunni Muslim movements, some of them identified with Al Qaeda.

Interviewed by the United Nations investigators in Tripoli, the dealer explained that two men came to his shop and, after arguing the price down by $250, paid $11,250 in $100 and $50 bills. They provided false names and phone numbers for the paperwork; it was probably not a coincidence that they picked a dealership with no security cameras. It all seemed clear: yet another suicide bombing by Sunni jihadists.

But the investigators remained puzzled, and not just by the oddity of gentle Ahmad Abu Adass suddenly deciding to commit mass murder. Experts who examined his taped confession noted that the tone and production did not match those of other Sunni jihadist tapes. They found subtle discrepancies, too, between the tape and the letter, as if someone had feared that the tape, perhaps made long before the incident, was not totally convincing and wanted to flesh out the story. Then there was the question of means. The driver of the Mitsubishi truck was evidently skilled; he had reached the Hariri motorcade with incredible precision despite heavy traffic in downtown Beirut. Adass, his family and friends all agreed, had never driven a car. He couldn’t even ride a bicycle.

Finally, there was the problem of the DNA evidence. Forensic experts collected hundreds of body parts at the site, and most were identified as belonging to Hariri, members of his entourage and other known victims. Some 100 samples were genetically compatible with one another, but not with the identified victims. The scatter pattern of those parts showed that they belonged to the person closest to the explosion. This was the suicide bomber. Investigators compared this DNA to genetic material in scrapings from Adass’s toothbrush. The results were unambiguous: Adass was not the bomber.

The United Nations team called in more experts, genetic specialists who subjected the remains to isotope analysis — a process that can determine where a person has been living, what he has been eating, the air he has been breathing. They concluded that the bomber spent the last six months of his life in combat or active military training, where his body absorbed large quantities of lead. The largest body part to be found was his nose, the shape of which led some investigators to believe that he came from Ethiopia, Somalia or Yemen. A senior investigator, who asked to remain anonymous because of concerns about his own safety, said the investigation team preserved the nose in formalin.

“I sat and looked at that nose,” the investigator told me. “I said to myself: ‘Whose nose are you? Who sent you to kill Hariri? Why did he try so hard to make the world think the suicide bomber was someone else?’ ”

  1. The Tribunal

“Whose nose are you?” Answering this macabre question has since become the work of one of the most expensive, significant and controversial criminal investigations ever conducted. The United Nations established the Special Tribunal for Lebanon in The Hague for pursuing the investigation, and prosecutors filed indictments in 2011 against four members of Hezbollah, Lebanon’s most powerful militant organization, and in 2013 against a fifth member. In one sense, the tribunal is necessary simply because of Hezbollah’s unique role in Lebanon and the world: Although the group is classified by the U.S. State Department as a foreign terrorist organization, it is also a popular political party in Lebanon, and therefore it is difficult, perhaps impossible, for Lebanon or any other single nation to provide an appropriate venue for its prosecution. But more is at stake. This is the first major international trial involving the Arab world, and one of the greatest challenges for the prosecutors and the defense lawyers alike is simply to show that justice is possible.

The tribunal’s five trial judges began hearing the case of The Prosecutor v. Ayyash, Badreddine, Merhi, Oneissi and Sabra on Jan. 16, 2014. After a full year of proceedings, they have heard and seen just a fraction of the hundreds of witnesses and thousands of exhibits the prosecutors intend to present. So far, 28 countries, including Lebanon, the United States and France, have contributed roughly half a billion dollars to fund an investigation and trial that will probably cost hundreds of millions more by the time the case is closed, most likely in two to three years. If convicted of all the charges — various acts of terror, 22 counts of murder, 231 counts of attempted murder — the defendants face life in prison in a nation to be determined by the presiding judge.

The tribunal has taken over the seven-story concrete building that once housed the Dutch General Intelligence and Security Service and converted the basketball court into a courtroom. Nearby, in a large warehouse, are the exhibits, including the charred wreckage of Hariri’s car and the suicide bomber’s truck, now parked peacefully side by side. The entire compound is very large and rather drab. “It is reminiscent of courtrooms in East Germany,” Vincent Courcelle-Labrousse, one of the defense attorneys, told me, only partly in jest.

Because missiles can fly through windows, the courtroom is windowless. Even the upper gallery, from which spectators once watched basketball games, is walled off by bulletproof glass, its lower half blacked out to obscure the witness stand below. Such measures are not a sign of paranoia: Several witnesses have been threatened, and one investigator was killed.

President Bashar al-Assad of Syria (left) summoned Prime Minister Rafik Hariri of Lebanon to Damascus on Aug. 26, 2004, amid a dispute over Syria’s role in Lebanon. Credit Associated Press

Perhaps the most remarkable thing about this high-end courtroom is what’s missing: a dock for the accused. The Lebanese authorities could not — or would not — arrest the five defendants, and Hezbollah’s secretary general, Hassan Nasrallah, has vowed that the United Nations will never capture them, not in a month “or even 300 years.” For this reason, the tribunal decided to hold an international trial in absentia for the first time since the Allied tribunal at Nuremberg in 1946 sentenced Hitler’s aide Martin Bormann to death. Some argue that such a trial is an empty exercise. Under international law, defendants convicted in absentia have the right to a retrial, unless the prosecutors for the authorities who do finally capture them can show that the defendants knew they were under indictment. The counterargument, of course, is that the second trial would not be possible without the work this tribunal has already done.

The trial judges — an Australian, an Italian, a Jamaican and two Lebanese — are distinguished by the red vests they wear over their gowns, which themselves have red sleeves. The Australian, David Re, is the presiding judge and a veteran of the special international tribunals for Bosnia and Herzegovina and the former Yugoslavia. Like Re, many of the other judges and lawyers involved in the case have made a career of serving in such international tribunals.

The tribunal’s budget makes it possible for lawyers to present their graphic exhibits in the clearest possible manner. During some hearings, prosecutors place impressively accurate before-and-after models of the scene of the bombing on an enormous table at the center of the room. The model makers, who spent weeks constructing them, put special emphasis on precisely reproducing the destruction, even the damage to trees. The proceedings are conducted in Arabic, English or French, and transcriptions are produced in all three languages. I have read thousands of pages of these records and found only two typos.

The process in The Hague is also likely to establish new precedents in murder convictions on the basis of circumstantial evidence. For all the hundreds of millions of dollars spent on the investigation, the prosecution has produced no direct evidence, let alone secured cooperation from any of the defendants or their potential accomplices. Its case is largely based on the records of dozens of cellphones that it claims were used by the assassins, among them the five defendants.

Many of the people wounded in the blast and family members of those killed were present when the trial opened. They regarded it as a day for rejoicing, when the truth would begin to be told. Nada Abdelsater-­Abusamra of Lebanon was one of the lawyers the tribunal hired to represent the interests of the victims. “For more than 40 years,” she said in court, “we have been told that we should forgive and forget and turn the page. Turn the page? Which page, Your Honors, if we haven’t read it yet? Forget? Forget what? How do you forget something that you don’t know? Forgive? Forgive who?”

  1. Rafik Hariri

To understand the assassination of Rafik Hariri, you must begin decades earlier, in 1975, when a civil war originally between Maronite Christians and Palestinians threatened to tear Lebanon apart. The government asked neighboring Syria to send troops, and the Syrians, who have always seen Lebanon as part of greater Syria, were happy to oblige. The troops stayed, and soon Hafez al-Assad, the president of Syria, was installing his own puppet politicians in positions of power.

The struggle eventually swept up Christians, Druse, Palestinian refugees, Shiite Muslims and Sunni Muslims — a five-way war of constantly shifting allegiances — and left at least 120,000 people dead, with hundreds of thousands more wounded or homeless. More than a million Lebanese fled the country, even as Iran, Iraq, Israel, Saudi Arabia and especially Syria made it hostage to their own regional agendas. As the war progressed, the Syrians switched their own allegiances however they saw fit, as long as they could continue running the country. Syrian businessmen took advantage of Lebanon’s more advanced financial infrastructure, entering under protection of their armed forces, and the Syrian Army became involved in the growing Lebanese drug trade.

In 1982, Israel began an invasion across its northern border, seeking to root out elements of the Palestine Liberation Organization. The Israeli military wreaked destruction all the way up to Beirut and forced the P.L.O. out of Lebanon. It also defeated the Syrian Army and particularly the Air Force wherever it engaged them. Realizing he couldn’t win a conventional war against the Israelis, Assad, an Alawite Muslim, took a different and somewhat surprising tack: He withdrew his opposition to a plan, proposed by clerics loyal to Ayatollah Ruhollah Khomeini of Iran, to establish a Shiite political party in Lebanon. The new organization was supposed to provide Lebanon’s Shiite minority with an alternative to the Christian-Sunni governments that had discriminated against them, and also provide Lebanon with a well-funded educational, religious, social and (especially) military organization. The organization, which was a resounding success, called itself the Party of God — in Arabic, Hezbollah. Assad hoped that the Shiite guerrilla force would maul the Israeli Army, which still occupied a “security zone” in southern Lebanon. It did, and Israel’s response was to assassinate the secretary general of Hezbollah, Sheikh Abbas Musawi, in February 1992.

Musawi was succeeded by a capable young cleric, Hassan Nasrallah, and Nasrallah in turn appointed ImadMughniyeh to run Hezbollah’s military wing. Mughniyeh was a kind of genius of terrorism. He made suicide bombing a strategic weapon, and he was a master of guerrilla tactics, blitz attacks and radio-controlled explosive devices. He also had a gift for propaganda: It was Hezbollah that first started recording its own attacks and broadcasting the results. Mughniyeh is widely believed to be the architect of the 1983 Marine barracks bombing that killed 241 American servicemen, 58 French servicemen and six civilians and led to the withdrawal of the United States Marines in 1984. In 2000, with just a small militia under his command, he succeeded in forcing the Israeli Army, the strongest military force in the Middle East, to withdraw from southern Lebanon.

Assad died that same year, and his son, Bashar al-Assad, took over as president of Syria. He noted well how the partnership of Nasrallah and Mughniyeh had succeeded where the entire Arab world, including his own father, had failed, and he made Syria’s link with Hezbollah — and its patrons in Tehran — the central component of his security doctrine. (Assad’s wager on Hezbollah paid off in 2013, when Nasrallah sent forces­ that bolstered the Syrian government against its own rebels.)

But inside Lebanon, Israel’s withdrawal in 2000 began to raise hopes that Syria, too, might soon depart. To the consternation of Hezbollah leaders and many Syria-backed politicians, an anti-Syria coalition began to form, drawing together Christian, Druse and Sunni Muslim figures. The most prominent politician in this group was Rafik Hariri.

Hariri was born to a poor Sunni family in southern Lebanon in 1944 and quickly rose to great wealth. After securing a degree in business administration from Arab University in Beirut in 1965, he moved to Saudi Arabia, where he demonstrated a virtuoso talent for completing huge projects — mosques, palaces, shopping malls — efficiently and on time. He became a favorite of the royal family and in the early 1980s moved back to Lebanon a well-­connected billionaire. In 1992, he ran for prime minister and won, on a platform of liberalizing the Lebanese economy; after serving until 1998, he ran again two years later and took office from 2000 to 2004.

As prime minister, Hariri did not directly confront Hezbollah or the Syrians, but conflict simmered nonetheless. The Syrian Army continued to occupy Lebanon from the north, and Hezbollah’s battles with Israel to the south did little to help most of the Lebanese people. Hariri’s wealth and popularity — not to mention his influence as the owner of a growing portfolio of Lebanese and French newspapers and television and radio stations — gave him a reputation far beyond Lebanon. He wanted to make Beirut the financial capital of the Middle East, as it had once been, and Lebanon a liberal, Western-­oriented country. Assad sought to maintain the status quo, with Syria in control of Lebanon and Hezbollah its most powerful military force.

A network of operatives with cellphones began following Hariri, staying close to him day and night. On the day of the bombing, nearly all 63 phones immediately went dark and never worked again.

In the end, Assad prevailed — if not on the larger question of Syria’s presence in Lebanon, then at least on whether it would be him or Hariri who would determine the outcome. The struggle for control found its object in a dispute about the fate of Emile Lahoud, the president of Lebanon since 1998, who was about to end his final term in office. The role of the president was largely ceremonial, but Lahoud, a Christian, had long backed Syrian involvement in Lebanon, and Assad decided it was important to keep him in place, a move that would require amending Lebanon’s constitution. Hariri was firmly opposed to the amendment, and the Syrians were also convinced that he and WalidJumblatt, a Druse opposition leader, were acting behind the scenes to help the United Nations Security Council pass Resolution 1559, calling upon Hezbollah to disarm and Syria to withdraw from Lebanon.

On Aug. 26, 2004, Assad summoned Hariri to his presidential palace in Damascus to deliver an ultimatum. Lahoud must remain in office, Assad said, even if the United States and France didn’t like it. Hariri objected, but Assad cut him short. “It will be Lahoud,” he said. If Hariri or Jumblatt tried to stop him, another person present at the meeting told the tribunal, he would break Lebanon over their heads. Then he repeated the threat. “I will break Lebanon over your head and over WalidJumblatt’s head,” he said. “So you had better return to Beirut and arrange the matter on that basis.” (Assad has since denied threatening Hariri’s safety in any way.)

Hariri returned to Beirut — one of his bodyguards would later tell the United Nations investigators that the prime minister was so shocked by the encounter that his nose began to bleed — and drove immediately to Jumblatt’s home. Assad’s father had almost certainly ordered the death of Jumblatt’s father, the Lebanese opposition leader Kamal Jumblatt, in 1977, and he was also most likely behind the assassination of Bashir Gemayel, the Christian president-elect of Lebanon, in 1982. Hariri and Jumblatt had little reason to doubt that Assad would do the same to them. The risk only increased on Sept. 2, when the Security Council passed Resolution 1559; the Syrians suspected, not without justification, that Hariri was involved.

Hariri was losing the parliamentary vote on the Lahoud amendment in any case, and several Syria-backed ministers threatened to resign, taking the government down with them, unless Hariri himself stepped down. In early September, shortly before a ceremony in which he received a prize from the United Nations for rebuilding Lebanon, Hariri announced his resignation. He left office on Oct. 20, 2004, and immediately turned his attention to the regional elections scheduled to take place in six months. A new government, his advisers told him, would almost certainly put him back in the prime minister’s office.

  1. The Assassination

Hariri lived and worked in a sprawling, nine-story compound, Quraitem Palace, and around 10 a.m. on Feb. 14, 2005, he alerted his bodyguards that he would soon be leaving for an appointment. He liked to drive himself, even when he was prime minister, but while in office he traveled with 50 guards from the Internal Security Forces. Now he had just four I.S.F. guards, supplemented by his own private security team, led by Yahya al Arab, known commonly as Abu Tareq, who had been at Hariri’s side since 1975, wearing dark sunglasses and a stern expression. The guards all carried handguns and wore radio earphones connected by a private network under Abu Tareq’s supervision. In their cars were automatic rifles, a radio-­signal jammer (to counter attacks by remote-­controlled devices) and, according to one source, rocket-propelled grenades and missile launchers.

At 10:41 a.m., Hariri’s motorcade set out for Nejmeh Palace, Lebanon’s Parliament building. It arrived about 13 minutes later, and Hariri spent the next hour talking with several members of Parliament, including his sister, Bahia Hariri. In news photographs taken at the time, he appears to be calm and happy. At 11:56 a.m., Hariri returned to his convoy, and his bodyguards began entering their vehicles, awaiting the order from Abu Tareq to return home.

At that same moment, several cellphone calls were made from the vicinity of the Parliament building to another group of phones about a mile northwest. Shortly after these calls, security cameras in the President Suleiman Franjieh Tunnel, in roughly the same area, recorded the Mitsubishi Canter flatbed truck moving north, toward the St. Georges Hotel. The truck was carrying two tons of a military explosive called RDX — enough to create the blast equivalent of the 1995 Oklahoma City bombing.

As he moved to step into his car, though, Hariri paused. Abu Tareq had told him that NajibFriji, the United Nations spokesman in Beirut, was meeting some reporters at Place de l’Etoile, a cafe just across the street. Hariri decided not to drive away just yet. Instead, he walked briskly to the cafe. Abu Tareq notified the bodyguards by radio of the delay. Another series of mysterious cellphone calls took place, and the driver of the Mitsubishi truck made a right turn after leaving the tunnel and parked. Hariri spent 45 minutes in the cafe, chatting with Friji and the reporters, as well as a few passers-by. The cellphones remained silent, and the truck remained parked, waiting.

Hariri had a guest with him, Basil Fuleihan, a Christian, who had served as Lebanon’s minister of economy and trade. At Hariri’s request, Fuleihan had cut short a ski vacation in Switzerland to consult on some economic matters. He had made two separate flight reservations for his return to Switzerland — one for Sunday, the day before the attack, and one for the day after it. He chose the second date because he wanted to take part in a parliamentary debate.

Finally, Hariri left the cafe and returned to his car. Fuleihan took the passenger seat. Hariri opened his door and waved and smiled to the small crowd that had gathered. In a photograph of this moment, the last ever taken of Hariri alive, a reflection of Parliament’s clock tower is visible in the bright, clean window of the Mercedes. Like sleuths in an implausible detective novel, the investigators turned the image around and saw the exact time of departure for Hariri’s last convoy: 10 minutes before 1 p.m.

Hariri’s motorcade was made up of six vehicles. The I.S.F. guards took the lead in a black Toyota Land Cruiser, followed immediately by private security guards in a black Mercedes-Benz S500. Then came Hariri, at the wheel of his own S600 (with Fuleihan), and then two more S500s with more private security guards. Bringing up the rear was a dark blue Chevrolet Suburban that had been refitted as an ambulance. Abu Tareq, in the fourth car, radioed ahead to the I.S.F. team the route he wanted to take. The other drivers knew to follow only their lead.

When the convoy set off, the cellphone chatter picked up again, and the Mitsubishi truck pulled back into traffic. The security camera at the exit to the President Suleiman Franjieh Tunnel captured the truck again as it drove toward the St. Georges Hotel. The time was 12:51 p.m. Another security camera, this one on the HSBC Bank building, also captured the Mitsubishi, now moving very slowly, much slower than the other traffic.

The truck approached the St. Georges Hotel, passing in front of yet another security camera. A second after the Mitsubishi left the area covered by the camera, Hariri’s motorcade came into view. The six vehicles were traveling fast, approaching 45 miles per hour, in accordance with security protocols. The cars flew by, each about 20 feet apart. Then the motorcade also exited the range of the cameras.

At 12:55 p.m., as the motorcade approached the canyon between the St. Georges Hotel and the Byblos building under construction across the street, the first car overtook the Mitsubishi. The bomber had probably been told to detonate next to the third car, the one Hariri was driving. He missed it by a split second, though, and instead the Mitsubishi exploded just as the fourth vehicle began to pass.

In one moment, the canyon became an inferno. The blast created a huge crater and, all around it, a confusion of flames, smoke, dust, blazing vehicles, dead and dying people, body parts and, from the shattered buildings, hundreds of thousands of glass splinters. People watching a live telecast of Parliament saw the lectern shudder and the speaker cringe in fear. It was clear that this was not an earthquake, and when a second blast did not come, the legislators knew it was not a sonic boom from Israeli jets, which always fly in pairs. A Parliament member was heard shouting, in Arabic, “Bomb!”

Abu Tareq, who was in the fourth car, the one closest to the blast, took the full force of the explosion; 38 scraps of flesh were all that investigators could find of his remains. That car and what was left of its occupants were hurled into the lower floors of the Byblos building. The driver, Mohammed Darwish, had both of his arms and both of his legs blown off. Those who remained trapped in their seats in other cars met a hardly better fate. Video footage shows the flames consuming them, with the white of their skulls appearing as the flesh of their scalps melted.

Hariri was blown out of his car and almost certainly died immediately. Hariri’s bodyguards used to kiss his hand as a token of their loyalty to him. “When I went back,” one of the guards later explained to the tribunal, “I saw him on the ground, and I was able to identify him through his wedding ring.”

  1. WissamEid

Two investigations began almost immediately. A preliminary United Nations team started what ultimately became the tribunal, and WissamEid, a police captain who studied computer engineering before enlisting in the I.S.F., led the local investigation. The United Nations spent many millions of dollars investigating the crime, and the whole world pondered a case with almost unimaginable consequences for the region. But it was Eid who asked the question that ultimately broke open the case: Why not look at cellphone records?

At the time, law-enforcement agencies worldwide were far less sophisticated than they are today about what can be derived from cellphone use. Some criminal elements were aware that an intelligence service might be able to listen in on calls, but few if any had thought about the value of metadata, the seemingly innocuous information about when and where a call is made or even just a phone’s location at a given moment. (You can call a cellphone and get an answer within seconds because cellphones, when they are on, constantly check in with whatever cell tower is nearest.)

At Eid’s request, a judge ordered Lebanon’s two cellphone companies, Alfa and MTC Touch, to produce records of calls and text messages in Lebanon in the four months before the bombing. Eid then studied the records in secret for months. He focused on the phone records of Hariri and his entourage, looking at whom they called, where they went, whom they met and when. He also followed where Adass, the supposed suicide bomber, spent time before he disappeared. He looked at all the calls that took place along the route taken by Hariri’s entourage on the day of the assassination. Always he looked for cause and effect. How did one call lead to the next? “He was brilliant, just brilliant,” the senior U.N. investigator told me. “He himself, on his own, developed a simple but amazingly efficient program to set about mining this massive bank of data.”

The simple algorithm quickly revealed a peculiar pattern. In October 2004, just after Hariri resigned, a certain cluster of cellphones began following him and his now-reduced motorcade wherever they went. These phones stayed close day and night, until the day of the bombing — when nearly all 63 phones in the group immediately went dark and never worked again.

Eid spent a year coaxing patterns out of the data. Then he began to present a series of secret reports to his superiors and, eventually, to the U.N. team. He was certain that a large and well-trained team of operatives had used a network of cellphones to carry out the assassination. Eid also reported a preliminary — and dangerous — conclusion. He had evidence linking the phone network to senior members of Hezbollah. These suspicions were strengthened when he got a call from a senior Hezbollah operative, who had somehow learned of his investigation. According to a report years later by CBC News, the operative confirmed that some of the phones did belong to members of Hezbollah, but he claimed that they were using them to investigate an Israeli conspiracy.

Undeterred, Eid pressed on. On Sept. 5, 2006, a roadside bomb exploded near a two-car motorcade carrying Eid’s commander, Lt. Col. Samir Shehadeh, and his entourage through southern Lebanon. Shehadeh survived, but the blast killed four of his bodyguards. (Shehadeh later resettled in Quebec.) Eid himself began receiving death threats. He continued his work, tracking one phone to the next, making new connections. He asked his brother to videotape him at work, and he also made a backup copy of his work and the unprocessed records.

The U.N. team, by contrast, had made little progress. In October 2005, just eight months after the attack, DetlevMehlis, the German investigator the U.N. sent to oversee the case, issued a hurried report based primarily on the testimony of two witnesses, who claimed to have been present when a group of Lebanese generals planned the attack in conjunction with Syrian intelligence officers. The Lebanese authorities arrested the generals, who emphatically denied any involvement; soon the case began to fall apart. As months, then years, went by, Human Rights Watch, the U.S. State Department and eventually the United Nations itself called on Lebanon to release the generals, which it did only many years later, when one witness recanted his testimony on a television news program.

In late 2007, the U.N. team finally turned to the phone records. At first it ignored Eid’s preliminary work, which had been somewhere in its files since 2006. Instead, according to the report by CBC News, the U.N. team independently hired a British data firm to analyze phone data and — like Eid before them — quickly discovered an obvious pattern. A cluster of phones trailed Hariri for months before his death, then went dark after the attack.

Eid had gone much further, though, making several logical leaps that allowed him to begin building out an entire command structure. The U.N. team finally turned its attention to his work — “Who is this guy?” is how one unnamed U.N. investigator would later characterize his reaction to CBC News — and invited him to meet in January 2008. The meeting was productive, so they met again the following week. The next day, Jan. 25, 2008, as Eid and his bodyguard were driving on a freeway in East Lebanon, a car bomb exploded, killing him, the bodyguard and two other people who happened to be out driving that day. Eid was only 31.

المصدر:
New York Times, فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل