عشر سنوات على يوم مدلج 


«سنة … اتنين… تلاتة… مرقوا ع موت مدلج أربعة… خمسة… ستة… مرقوا ع موت مدلج سبعة ثماني تسعة عشرة وفاتك المتسلط محتل جبال الصوان والأهالي نسيوا… وناس عم ينسوا… وناس ما نسيوا صورة مدلج بعدا معلّقة ع كم حيط، ببيوت نسوان لابسين أسود« (مسرحية «جبال الصوان»)

 

لن أغرق في الرومنسية، فالجرح اليوم اندمل وأصبح مجرد ذكرى من قبل مَن نسوا، وآخرون لم ينسوا ولكن تأقلموا، وبقيت قلّة تتحسس ندبة الجرح في كل يوم وفي كل محطة مستذكرين قول أبي فراس الحمداني:

«سيذكرني قومي إذا جد جدهم

وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر»

هؤلاء الذين لم ينسوا رفيق الحريري بقيت صوره في بيوتهم أكثر بكثير من مجرد ذكرى لعزيز راحل، إنهم الحالمون بوطن على شاكلة حلم رفيق الحريري، هم الساعون إلى الفرح والمستقبل الآمن، هم الذين لم يتمكنوا من التسوية مع التطرف، وهم أنفسهم من يرون كيف يتشارك من أحب ومن كره رفيق الحريري اليوم في قتله في ذكراه العاشرة، وهم أيضاً مَن يعانون من عناد مرضي بأن «غربة« ستأتي للانتصار على مَن قتل مدلج.

وفي انتظار ذلك اليوم الذي لا بد آتٍ فهم باقون على الأمل، أمل الحرية والرفاه والإبداع الإنساني، فهم مَن يحلمون بوطن لا يحكمه أمراء الطوائف ولا إقطاعيو السياسة ولا المتاجرون بالدين ولا أصحاب العقائد الثورية التي تجعل من البشر أدوات للقتل وقطعاناً من المواشي الجاهزة للتضحية.

في الذكرى العاشرة لرفيق الحريري سنجدد العهد لعشر سنوات جديدة فلا يمكن ضمان لا المئة ولا الألف سنة. إن عودتنا إلى رفيق الحريري اليوم لا تهدف إلى تقديسه ولا إلى تحويل ضريحه إلى مزار ولي أو قديس يجترح العجائب ويغرق الناس في الأوهام والأساطير، فالسياسة لا تنتظر العجائب ولا خوارق الأمور، وإن كانت بعض العجائب تصنع السياسة أو تحوّل المسارات بعشوائية مرعبة.

إن مرجعية رفيق الحريري ووجوده في حياتنا وقضية اغتياله تشكل لنا معالم طريق معنوية وأخلاقية وإنسانية وسياسية.

إن رفيق الحريري كما نراه هو من سعى إلى ثورة هادئة لتغيير قواعد اللعبة في المزرعة اللبنانية من خلال فتح أبواب الإبداع والفرص والتنافس الحر لكل الناس. من هنا لم تكن سياسة تعليم الشباب في الحرب بدل أن يبتلعهم الموت إلا جزءاً من هذه الرؤيا.

ولم يكن توسيع قواعد الاقتصاد وتحديث البنية التحتية بمختلف أشكاله والسعي إلى التسويات الموقتة المجدية، إلا لإعطاء فرصة للمنفعة المشتركة بين الناس لكي تقضي على الأوهام القاتلة حول رفع رايات العزّة والكرامة فوق جثث الآلاف.

على الرغم من أن حلم رفيق الحريري كان يقارب المستحيل، ولكنه على الرغم من ذلك لم يكن مغرقاً لا بالرومنسية ولا بالمثاليات. لقد أتى إلى الحكم وهو يعلم بقواعد اللعبة وحدود الخطر فيها، وكان يعلم أنه يمشي في حقل ألغام، ولكنه كان يعلم بأن الاستكانة مثل الموت، ففضل السير على خط الخطر للوصول إلى الأمان والاستقرار، بدل انتظار الموت البطيء على أرض تغرق شيئاً فشيئاً في الوحول.

لم يكن رفيق الحريري مؤمناً بالثورة كهدف بحد ذاتها، فقد كان يعتبرها شراً لا بد منه في حال تم استنفاذ كل التسويات المفيدة، فالثورة العبثية ستقضي حتماً على كثير من الإيجابيات، وقد لا يبقى منها إلا السلبيات، وما نراه في سوريا ومصر وليبيا أبلغ الأمثلة. لذلك فإن حدثت الثورة فيجب أن تسعى إلى جعل السلام هدفاً بحد ذاته. لقد كان يعلم أن الضرر من محاولة التغيير الحاسم لبعض الوقائع المزمنة قد يكون أكبر بكثير من الصبر عليها لفترة من الزمن مع السعي إلى خلق ظروف لتغيير الأمر الواقع من خلال إيجاد بدائل أفضل تجعل تلك الوقائع زائلة بزوال الحاجة إليها.

هناك ركائز أربع مترابطة ومتشابكة كانت تشكّل نهج رفيق الحريري، يمكن استنتاجها، هي كما يلي:

– حرية المبادرة والسعي والإبداع والفكر والمعتقد، التي تقف عند حرية الآخرين.

– قانون تعاقدي مدني يرعى الحريات ويضع الحدود لتماسها، كما أنه يلزم الحاكم برضى المحكوم من خلال العملية الديموقراطية التي تحافظ على حقوق الأقليات السياسية وغير السياسية. كما أن هذا القانون يلزم الحاكم بقواعد وضوابط مؤسساتية تمنعه من التسلط أو مخالفة القانون حتى وإن كان برضى المحكومين.

– تكافل اجتماعي تحت سلطة القانون يعطي الفرصة للجميع للعلم والعمل والرعاية والتطوير كوسيلة وحيدة للتخفيف من حدّة الفروق الاجتماعية وبالتالي الحفاظ على النمو والاستقرار.

– السلام كهدف أسمى بحد ذاته وهو الضمانة الأهم لصون الحرية والقانون وتأمين التكافل الاجتماعي.

في ذكراه العاشرة نتذكره ونتعهد بالحفاظ على حلمه، حتى وإن بقينا قلّة من الناس.

()عضو المكتب السياسي في «تيار المستقبل»

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل