ها هو سعد رفيق الحريري يعود في الذكرى العاشرة لاغتيال والده الشهيد، ليضع اصبعه على جرح المشكلة وأساسها. ها هو يضع النقاط على حروف الحقيقة. ها هو يؤكد المؤكد أن تحييد لبنان الذي انبثق عنه «إعلان بعبدا» والاستراتيجية الدفاعية، هما الخلاص الوحيد من الأتون السوري المشتعل، تماماً كما يقول يومياً ميشال سليمان، الذي شارك بالأمس في ذكرى كسرت الاصطفافات.
أن يتحدث إبن رفيق الحريري عن قوة الاعتدال وأهميتها، أن يتحدث عن حصريّة السلاح بيد الجيش اللبناني، أن يتحدث عن الدولة المدنيّة، أن يُشدد على ضرورة احترام الدستور لناحية الالتزام بحريّة المعتقد، فهو بالتأكيد يُكرِّس نهجاً عمِل والده الشهيد على نحتِه بالقول والفعل.
سعد الحريري بالأمس كان كما عرفناه، قبل الحوار وبعده، رمزاً للاعتدال وقطباً أساسيّاً يخاف على لبنان من الجنون الآتي من خلف الحدود. سعد الحريري بالأمس كان مسيحياً أكثر من بعض المسيحيين لناحية حرصه على عدم استمرار الفراغ وعدم المسّ بالدستور حين تتحول الحكومة مجلساً رئاسيّاً.
سعد الحريري بالأمس كان المُسلم الأول والحقيقي، فهذا هو الاسلام وهذه هي قيمه الحقيقيّة المبنيّة على نبذ التطرّف واعتناق سياسة الاعتدال. سعد الحريري الذي أطلّ بالأمس كان صورة لبنان البهيّ، الذي يتطلع إليه المسيحيّ المعتدل والشيعيّ المعتدل والدرزيّ المعتدل.
ها هو ممثل الأغلبيّة السنيّة في لبنان، يقول بضرورة تحييده عن سياسة المحاور، كلّ المحاور، ها هو يدعو «حزب الله»، شريكه في الحوار، إلى العودة من القِتال في سوريا، ها هو يؤكد على عدم إبقاء البلاد مقطوعة الرأس.
سعد الحريري بالأمس، كان لبنان، كان ميشال سليمان، كان تمام سلام.. وكان أيضاً، المُتطرِّف الذي يُجاهر بانحيازه لدعم الجيش اللبناني والمؤسسات الشرعية.. سعد الحريري بالأمس كان خائفاً من الشغور الرئاسي وأعلن بطريقة أو بأخرى أنّ الاستحقاق الرئاسي لم تنضج معالمه حتى الساعة.. ما يجعل الاستحقاق كما نتوقع، بعيد الأمد، بسبب جوع البعض العتيق إلى لقب الفخامة، حتى لو على حساب الجمهوريّة وحساب المسيحيين، وعلى حساب ما تبقّى من الهيكل المُخلّع.