نصرالله لن يتّعظ من التّاريخ

 

أطلّ أمين عام “حزب الله” بخطاب 16 شباط بما لم يفاجئ لا الخصوم ولا حتّى المؤيّدين ولا الأعداء. خطاب متوقّع بأبعاده الخارجة على الحدود اللبنانيّة والعالية الآفاق لدرجة يُعتَقدُ أنّها لا تُطال، وصولا كما درجت العادة إلى اعتبار كلّ ما يقوم به إلهي ومن لدن الله وحده. فهل سقط نصرالله في دوّامة تكرار النّتائج كما كرّر الأزمات؟ أم أنّه اعتقد بوضعه استراتيجيّة عابرة للقارات وللتّواريخ الحاضرة والمستقبليّة، سيضمن وجوديّة سلاح الحزب الى ما لا نهاية؟

 

دان جريمة “داعش” الفظيعة بحقّ الانسانيّة، لكأنّه وزّع وروداً في السابع من أيّار في شوارع  بيروت، أو حتّى أنّه ذهب إلى القصير ودمشق والقلمون والقنيطرة ودرعا ليحضر العروس لعريسه الموعود. غريب أمر هذه النّاس كيف أنّها لا ترى الا بعينٍ واحدة ! وهذا لا يعني أنّنا نؤيّد من لا يؤيّدون من ارهابيّين في سوريا وغيرها من أصقاع المسكونة.

 

صحيح إنّنا لا نستطيع مقاربة الحاضر بمعزل عن كلّ الماضي، ألم تقرؤوا عن يوحنّا مارون؟ أو بأبسط تعديل استقربوا واطّلعوا على “السادس والسّبعون”. فرجاؤنا من هؤلاء يأتي وليس ممّن تنتظرون منهم رجاء.

 

تفاخرون بأنّكم أطلقتم مدرسة جهاديّة وايمانيّة وفكريّة لشعبكم ولشعوب العالم. جيّد، لكنّكم لستم من حفر الصّخر وجلّل الجبال وقاوم باللحم الحي بعيداً عن أي دعم خارجي، وسكن المغاور لأكثر من أربعمئة عام أيّام العثمانيّين ولا حتّى أيّام المماليك، ولستم من تمّ قتلكم في  14 شباط ولا حتّى من بعد هذا التاريخ. نعم، نحن من سلّم اجيالا وأجيالا، ونحن من يحيي ذكرى شهداءه كلّ يوم في لبنان، في الأشرفيّة وزحلة وعين الرّمانة وقنات ومغدوشة وليس في القنيطرة.

 

دعوتم إلى وضع استراتيجيّة وطنيّة لمكافحة الارهاب، لكنّكم لم تحدّدوا في أيّ إطار يجب وضع هذه الاستراتيجيّة. هي  موجودة في صلب عقيدة الجيش اللبناني والقوى الأمنيّة الشرعيّة وداخل مؤسسات الدولة التي ترفضون الاعتراف بها. نحن نعترف، لا بل نجاهر بعدائنا لاسرائيل، ونحن من تهجّر وقتل واغتيل من هذا العدوّ الذي لا يعرف صديقًا أو حليفًا، ونتّفق معكم في هذه المسألة لو انّكم في كلّ مرّة تحاولون إظهار العكس.

أمّأ الخطّة الأمنيّة في البقاع فلقد رحّبتم بها مع اعترافكم بأنّها أتت متأخّرة. نسألكم من الذي كان يعرقل تطبيقها؟ أليس الغطاء السياسيّ لأهل هذه المنطقة؟ وكلّنا نعرف مصدر دفئهم. صحيح أنّ الثلج سيذوب في المرتفعات الشرقيّة ممّا سيسهّل عمليّات الكرّ والفرّ لمن يريد الدخول الى لبنان، لكن من له جيش قويّ أقوى من كلّ الفئات بالعديد والعتاد ليس بحاجة الى من يسانده أو حتّى يحارب عنه اليوم ليقتنص المزيد من المكاسب السياسيّة على طاولات الحلول الجذريّة في الغد الذي لن يأتي.

 

أمّأ بالنّسبة الى ذكرى التّفاهم مع “التيّار”، فنحن مع كلّ الدّعوات للتّفاهمات التي لا تشرّع دويلة على حساب الدّولة والتي تقوم من الندّ إلى النّدّ تحت سقف الدّولة القادرة القويّة وضمن مؤسساتها الشرعيّة والدّستوريّة. ماذا والا، لماذا المجلس النيابي والحكومة والمصاريف الهائلة التي تسفك على مذبح الشرعيّة؟

 

والرّئاسة الأولى أيضًا من ضمن هذه المؤسّسات لأنّها وحدها ستكون الراعي الاوّل والأخير لإدارة هكذا تقاربات وتفاهمات ضمن الأطر الشرعيّة. وإذا كان دعمكم للجنرال عون صحيحاً وصادقاً تفضّلوا الى جلسة انتخاب الرّئيس وانتخبوا الجنرال رئيساً، وعندها سنكون اوّل المهنّئين. ماذا والا كفّوا عن الاستخفاف بعقول اللبنانيّين وكفاكم ادّعاءات لا تقارب الواقع  بشيء.

 

أمّا بالحديث عن المنطقة، فليس بجديد ما أتحفتمونا به بأنّكم في صلب الصراع الدّائر فيها من شرقها إلى غربها. من اليمن والبحرين والكويت والعراق وسوريا ومصر والأردنّ وكلّ جزء منها، بما في ذلك الصراع العربي- الاسرائيلي الذي جعلتموه سرمديًّا وألصقتم وجودكم بوجوده. صحيح أنّ لبنان يتأثّر بالهزّات في منطقته نتيجة لموقعه الجيوبوليتيكي أو الجيوستراتيجي. لكن ليس ضروريّاً على بلد سكّانه لا يتجاوز عددهم الأربعة ملايين نسمة ومساحته 10452 كلم2 أن يحارب في كلّ المسكونة نصرة لأهل البيت كما ذكر نائبكم في حزبكم في كتابه: “حزب الله: المنهج، التجربة، المستقبل.” كما أنّ قتالكم بحسب المصدر عينه، غير مبرّر إذا أورد في الصفحة 52-53 في تحديده الجهاد العسكري تحديداً عن الجهاد الابتدائي ما مفاده حرفيّاً:

 “وهو أن يبدأ المسلمون مواجهة الاخرين والدخول الى أراضيهم لاعتبارات ليس لها علاقة باسترداد أرض أو التّصدّي لعدوان، فهذا مرتبط بالنّبي أو بالامام المعصوم، ولا يعتبر مطروحًا في زماننا مع غياب الامام المهدي الغائب والمنتظر”.

متى سيعلن أنّه المنتظر؟ ماذا والا فأنتم تناقضون نفسكم بنفسكم. والكلام من كتابكم وليس من كتابنا. حتّى ما كتبتموه تغيّرونه وفقاً لمقتضيات مبرّراتكم الوجوديّة القائمة على سياسة القتل والحرب والدمار والتخوين.

 

نعم يتم اليوم تحديد مصير المنطقة، بحسب ما جاء في الخطاب، لكن مصيرنا ارتضيناه ودفعنا ثمنه أكثر من ثلاثة عقود من حرب مباشرة وغير مباشرة، فلماذا إقحام انفسنا في مصير باقي دول المنطقة؟ فهل فجأة أصبحت سوريا الأسد قاصرة في  تقرير مصيرها لدرجة أنّها باتت بحاجة اليكم؟ وليسمح لنا سماحته إنّ مواجهة الارهاب ليست حكراً على المسلمين وحدهم في العالم، فمن ذبح اليوم ليسوا فقط بمسلمين، وبرجاً التجارة العالميّة ليسا للمسلمين. إنّ محاربة الارهاب هي واجب مقدّس على كلّ النّاس ولا يحدّدها لا دين ولا عرق ولا لون. خطر الارهاب اليوم قد يكون أكثر  منه على المسلمين من غيرهم. المطلوب  منكم ان تبحثوا في السبب، وليس في النّتيجة. يكفي فقط أن نعود الى التّاريخ لنأخذ العبر.

 

قد يلتقي المشروع الداعشي مع المشروع الصهيوني، لكن لماذا نساهم في هذا الالتقاء من حيث ابقاء الصراع خارج أطر الشرعيّة؟ لماذا عندما ضرب الطيران الأردني والمصري لم تلاقي ردّة فعلهم استنكاراً؟ لأنّ من يدافع عن الحقّ يحمل الصّفة الشرعيّة. عبثًا تحاولون تشريع صراعكم واقحام ذاتكم في هذا الصراع بحجّة الدين وحتّى أهل البيت، لكنّكم لن تتمكّنوا من العيش دائمًا في حالة الحرب، ماذا والا تصبحون الوجه الآخر لمن يعيش على حساب الحرب.

 

مع الاشارة اليوم كما دائما الى تقسيمكم المعارضة السوريّة الى جزأين، تكفيري وغير تكفيري. في سوريا هناك معارضة حدودها الدولة السوريّة، وهنالك قوى ارهابيّة باعترافكم حدودها لا تقف عند حدود الدولة السوريّة بل تتعدّاها الى مكّة والمدينة. ونحن معكم في محاربة هذه الأخيرة. ولا نراهن لا على مجتمع دولي ولا حتّى على قوّتكم الذاتيّة ومن ورائها الاقليميّة، بل رهاننا الوحيد على ارادة الحريّة الموجودة عند شعب يذبح أطفاله وتدمّر مدنه  بالبراميل وما زال يطالب بالحريّة.

 

أمّا فيما يتعلّق بالتّنسيق مع ما تعتبرونه دولة سوريّة وجيش سوريّ لمحاربة الارهاب، فاحتفظوا بها لأنفسكم ونسّقوا ما شئتم مع القاتل الذي سيبشَّر بالقتل لو بعد حين. فمصيره لن يكون أرحم من مصير صدّام حسين او القذّافي أو حتّى هتلر وموسوليني. فبالنّهاية المسار الطبيعي للتّاريخ وحده سينتصر ومهما تعدّل فيه لن يصح الا الصحيح، والا لكانت اليوم ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشيّة وروسيا السوفياتيّة واليابان الدكتاتوريّة هي تقود العالم. تكرّرون الأزمات والنتائج والسلاح لن يكون حاجة وجوديّة الا للدّولة القادرة القويّة، ولن يبقى في يدكم الى ما لا نهاية. إتّعظوا من التّاريخ.

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل