
في الورد الأحمر التقينا مع نانسي. في الحب. يوم إثنين الرماد، في بدء زمن الصوم. كنا نريد لقاء، اشتقنا اليها، ما عدنا نستطيع أن نراها الا في الصلاة، صارت حالة، صارت صورة جميلة لا تفارق قلباً رقيقاً، صارت طيفاً، صارت وجعاً، صارت صلاة.
ساعة سجود في كنيسة مار يوحنا الحبيب جونيه، تناهى صوت يسوع في التراتيل الحنونة المتدفقة حنينا الى قلب أب وحبيب وأقارب وأصدقاء. ضوء الشموع كان يتمايل وكأن نانسي تسرح بقوة النسيم في المكان، تمر على وجه رؤوف تلفحه بالحب، تخبره انها سعيدة، انها ما رحلت بعد ولن تفعل فلا داعي لان يحزن حتى لو اشتاق اليها عمراً…
الورد الاحمر المدروز مطراً في قلب أدماه الغياب، يرسم صورة نانسي طيفاً من روح يسوع، كأن العذراء أودعتنا اياها لدقائق، وضعتها في الحضور وقالت لهم “هذه نانسي صلوا معها لها، تحاوروا وقلبها المفعم بالحب، أعرف لن ترتووا من الحضور الوامض، لكن حسبكم أن تكونوا معها في حضور القربان، في جسد ابني، في الأعجوبة التي تجسّدت دماء وجسداً حياً… ورأت نانسي وتأثرت وحملت معها الشهادة اليكم وهي تعيش بقلب تلك الشهادة الان هنا معنا في السماء”، كان صوت العذراء قوياً، وجسد يسوع يركن الى زوايا الضوء يبعث من عمق اليأس والحزن أملاً لا يقارب، حباً لا يضاهى، نوراً لا تسعه أرض ولا زمان ولا مكان.
في ساعة سجود حضرت نانسي، كانت الضيفة والمضيفة في آن، في القربان حامت حولنا، في تمايل الشموع تراقص طيفها، في الدمع المكبوت سكنت، في حزن العيون انتفضت صرخت “لا تحزنوا لست في الغياب من يسكن يسوع يعيش ألف سنة، آلاف الأعوام، ولا يموت”.
في كل قلب كان لها نيّة رجاء، في كل صلاة تُليت كانت هي البطلة المطلقة، أخبرناها اننا لم ننس انها ما عادت تأتي كل صباح الى عملها وتصبّح على الجميع، أن مكانها ما زال محتلاً من ذكراها في صورتها وتلك الشمعة المضاءة وآخر أوراقها هنا، اننا نغضب أحياناً لأنها رحلت على غفلة ونحن نعرف ان الرحيل لا يأتي الا غفلة، وان لا قلباً يقبل رحيلاً مهما عظمت مصائب الارض…
أخبرناها في ساعة كم نحن نحبها ونشتاقها أكثر، وان الغياب لا يحفر ألمه في اللحظة انما في تفاصيل الايام الآتية من دون من نحب، أخبرناها وأخبرناها وأخبرناها في ساعة ما يمكن أن نقوله في لغة الصلاة، في حروف القلب في الدمع المتجمّد، وقبل أن نجعلها وردة حمراء يعانقها كل من اشتاق للقائها، تعمّدنا الا نقول لها هذا التفصيل الصغير الكبير، نانسي ورغم عمق الصلاة وقوة الايمان ويسوع الذي قربه تسكنين والامل بالقيامة والرجاء، نسأله دائما في السر همساً في اذنيه من قلبنا اليه “الم يكن أفضل لو تركتها لنا هنا؟ اليست صغيرة بعد على الغياب؟”.
يبتسم يسوع، يمرر يديه الدافئتين فوق قلوب جريحة وبحنان العالم يدنو الينا ويقول “أتفهمكم وأتذكر حالي في بستان الزينون تلك الليلة حين سألت الاب أن يبعد عني ذاك الكأس، ثم إستسلمت لمشيئته”… ويضيف: “لمَ انتم حزانى مهمومون، لا تخافوا من آمن بي وان مات فسيحيا”. ونحن نصدق يسوع ونغمرك بفيض القبلات، أنت حيّة في قلوب لا تنسى الا اذا صارت عندك في اللقاء….هذه كانت ساعة السجود لأجل نانسي….
للإطلاع على مزيد من الصور بعدسة الزميل ابراهيم نصر: سهرة مع نانسي أمام المصلوب