كتبت أوغيت سلامة في مجلة “المسيرة” – العدد 1420:
شاب فتي من حدشيت، إقترن إسمه بالنضال الطالبي والجامعي طيلة زمن الظلم والسجن. لم يعرف الدكتور سمير جعجع إلا “حكاية مارد” فنذر لقضيته عمراً وأكثر. لولا “القوات” يقول “ما كان لحياتي قيمة، كنت لأكون مثل غيري آكل، أعمل، أجني المال، أنام… الفراغ تحدٍّ، حرب ضروس من دون سلاح”.
هو من جيل ما بعد الحرب، كبُر باكراً مع رفاقه بالنضال ليعيش كما يقول تجربة مقدسة إكتسب خلالها نضجاً إستثنائياً وصلابة مجبولة بإرادة المقاومة وتحدّي الموت.
رئيس جهاز النقابات في القوات اللبنانية اليوم ورئيس مصلحة الطلاب بالأمس، المحامي شربل عيد حين يتذكر يعود بك الى سنوات النضال كأنها… الآن.
هو من الذين تعرفوا الى “القوات اللبنانية” عن طريق القراءات والحلقات الحوارية الصغيرة لا سيما مع دورات الإعداد الفكري باشراف النائب ايلي كيروز عام 1993. بعدها طلب منه كيروز أن يؤسس خلية طلابية في منطقته حدشيت. في هذه المرحلة إعتقل الدكتور سمير جعجع وكان كما يقول قد تشرّب العقيدة القواتية وأدرك حجم الظلم الذي لحق بالدكتور جعجع و”القوات” رغم كل ما قدموه. لذا ومن اللحظة الأولى بدأ النضال من خلال الطلاب الشباب الذين لا يمكن أن تلفق عليهم ملفات. “قررنا عندئذ أن نعِد دورات إعداد فكري ليعرف الشباب ما هي القوات، وبدأنا من حدشيت الى كل القرى المجاورة الأخرى. وبدأ مشوار النضال”.
يتابع شربل وكأن الأحداث تدور الآن “في البدايات كانت أقصى إنجازاتنا توزيع بطاقة معايدة باسم القوات والدكتور جعجع وزوجته ستريدا إبان عيد الميلاد. أو أن نضيء شمعة في ذكرى الإعتقال… كان الهدف أولًا أن تبقى قضية الحكيم حيّة في أذهان القواتيين.وثانياً الا تكون مرحلة الإعتقال وقتاً ضائعاً منا، بل مرحلة نضال في سبيل تحرير الحكيم، نضال نثبت من خلاله للعالم ان القوات ليست ورقة يصدرها مجلس الوزراء ومن ثم يلغيها، بل هي نبض مجتمع حيّ ونضال لا ينتهي.
بعد أشهر صرنا على رأس اللائحة الأمنية لدى مخابرات الجيش حيث بدأوا باستدعائنا، وكنت أنا ورفاقي لم نبلغ سن الثامنة عشرة بعد. في كل التحقيقات معنا لم نكن لننكر أننا ناشطون في “القوات اللبنانية” وأننا لا نعترف بقرارهم حلّ “القوات” وأن الحكومة مأمورة من السوريين وأنهم غير دستوريين والورقة التي حلّت القوات قرار ساقط ولا قيمة لها”.
رد الفعل لم يكن ليرحمكم بالتأكيد بعد هذا التحدي بالكلام،فكيف طعم الفلقة؟!!
كل مرّة كنا نتعرض للضرب طبعاً، في المرة الأولى أذكر أن المحقق كان يركّعني ثم يوقفني ومع كل حركة كرباج على ساقي.بقي هذا “التمرين” مدة نصف ساعة حتى تورمت.
مع ذلك بعد إطلاق سراحي كان الرفاق يأتون عند منتصف الليل للإطمئنان عليّ خوفًا من التبليغ عنهم، وفي الوقت عينه كنا نخطّط للخطوات النضالية التالية. لم نكن نخاف الموت، إذا ضاع منا البلد ما نفع حياتنا؟ أذكر مرة أن الأستاذ إيلي كيروز أرسل بطلبنا فنزلنا من تحت الحاجز السوري قبل بشري والتقيناه. حينذاك طلب منا أن نؤلف لجان طالبية في كل قرى القضاء الـ21 ومسؤولين عنها بغية تعزيز الحركة الشبابية الضاغطة وإحياء قضية الدكتور جعجع وعقد لقاءات سرية للإطلاع على كل جديد خصوصًا وأننا كنا قطعنا الأمل بالمحاكمات وتأكد لنا وللجميع أن الدكتور جعجع دخل السجن بقرار سياسي ولن يخرج منه إلا بقرار مماثل.
وهكذا صرنا في أقل من 21 دقيقة قادرين على التواصل من طرزا الى بان باتصال هاتفي مع مسؤول كل بلدة، ما أزعج القوى الأمنية، فكبرت سُبحة الاعتقالات لكن هذه المرة من السوريين. أنا مثلًا اعتقلوني على حاجز قرب بشري، تمكن والدي بعلاقته الطيبة مع أحد نواب المنطقة السابقين من إطلاق سراحي بعد ثماني ساعات كنت أكلت خلالها نصيبي من الضرب والإذلال.
كل ذلك لم يثنكم أو يخيفكم؟
لا بل كان يقوينا. بعدها إلتحقت بكلية الحقوق في الجامعة اللبنانية الفرع الثاني في جل الديب حيث كانت القوات اللبنانية تشكل صفراً في الهيئة الطالبية مقابل 30 للعونيين. أتينا من خلفية أننا نحن والعونيين من تيار سيادي واحد، وعلينا أن نجد تسويات وتفاهمات توحّد جهودنا لكني لمست أن كرههم لنا أكبر وأعظم من كُرههم للسوريين ويمكن أن يتفاهموا مع أي كان حتى السوري إلا الإتفاق مع القوات. هنا التحقت بالخلية القواتية في الكلية وتعرفت بالشهيد رمزي عيراني رحمه الله وكان رئيس دائرة الجامعة اللبنانية. حاولنا إحداث نهضة تنظيمية في الخلية. أذكّر أن الناشطين جهارًا في القوات لم يكونوا أكثر من 4 أو 5 والباقي من المؤيدين أو المحازبين كانوا يصوّتون في أقصى الحالات لصالح القوات ويتوّسلوننا ألا نكشف أمرهم لأن العواقب لم تكن سهلة عليهم، فيما العونيون كانوا يتمتعون بهامش كبير من الحرية حتى أن الأمنيين كانوا يوعزون للطلاب بانتخاب العونيين، ما كان يطرح العديد من علامات الإستفهام.
اعتقلت 18 مرة من بينها 26 يوم سجن. ومع ذلك بقي طموحي بأن نربح إنتخابات الهيئة الطلابية في كلية الحقوق والعلوم السياسية لأن الحكيم كان سجينًا بقوة القانون وباسم الشعب اللبناني، فاعتبرت أن هذا الإنتصار سيكون أحلى هدية للدكتور سمير جعجع الذي لا يمكن لأي منا أن يفعل ما يفعله، لكن على الأقل انتصارنا سيكون رسالة تبرئة له من قبل حقوقيي الغد من الشباب وسياسييه. لم يكن بامكاننا ان نطلق سراح الدكتور جعجع لكن انتصارنا في كلية الحقوق كان ليكون أوكسجينًا له في سجنه وأغلى هدية.
وهكذا كانت فرحتنا عارمة عندما ربحنا الإنتخابات، للمرة الأولى ضحكنا وفرحنا، فيما كنا لا نعرف الا الوجع والبكاء والقلق والاعتقالات… كلنا كنا مسجونين فاقدين الأمل الى أن أنجزنا الفرحة الأولى وكأننا ربحنا إنتخابات الكونغرس الأميركي!! كاميرات المخابرات كانت تسجّل كل شيء بالطبع وأنا وقفت وخطبت حينذاك بين الشباب وقلت لهم هذا هو حكم الشعب اللبناني… في اليوم التالي دخلت ملالات الجيش الى الجامعة وباشرت حملة إعتقالات.
كنا إذا مرّت أيام عدة من دون أن نُعتقل، نشعر وكأننا مقصّرين في مكان ما!! وكلما إشتد الطوق كان الأمر يمنحنا شعوراً بالرضى وتأكيداً أننا أزعجناهم كفاية.
بعد ذلك إنسحب الإنتصار على كليات أخرى من بينها كلية التربية حيث خضنا إنتخابات طلابية وربحناها. صرت من دون أن أدرك بمثابة المسؤول الثاني في دائرة الجامعة اللبنانية بعد رمزي وكنت دائماً أطلب منه توخي الحذر أكثر لأنه متزوج وله ولدان بينما أنا لا شيء أخاف عليه!
هكذا كسرنا حاجز الخوف بين الشباب ولو لم يخرج الدكتور جعجع في السنة الـ 11 لكنا فعلنا أكثر بكثير لإطلاق سراحه في السنة الـ 12. كل الظروف السياسية والتحولات التي كان يشهدها البلد من نداء المطارنة الموارنة الى لقاء قرنة شهوان ووصول نواب لنا الى البرلمان، كلها حيثيات زادت من عزيمتنا وفكّت الخناق عنا. مع ذلك لم يتوقف الاضطهاد بل زادت وتيرته. في احدى المرات جاءت سيارة بيجو زرقاء الى الجامعة ونزل منها عسكريان يسألان عن شربل عيد فقلت لهما نعم أنا هو، فورًا أدخلاني الى السيارة وإنطلقوا بي مع رفاقهم في السيارة، لا تعتقدي أنني سألتهم لماذا والى أين يذهبون بي، ما عاد يهمني. عصبوا عيني ورموني بعد وقت على شاطىء البحر ناحية مرفأ الجميّل على الطريق البحرية. أرادوا تخويفي وليس قتلي لكنهم لم يفلحوا. ثم عادوا وأخذوني من الجامعة أمام كل الطلاب لتخويفهم، أنزلوني الى مركز المخابرات في الزلقا ومن بعدها الى وزارة الدفاع وتمحور التحقيق كله حول تهمة التعاطي مع حزب محظور. محظور؟ أنا رئيس خلية طلابية في حزب القوات اللبنانية. كان هذا ردي دائمًا ولم أوقع مرة على عدم التعاطي في السياسة كما أرغموا الشباب، أكلت كتير ضرب وما مضيت. كنت أفكر بالذين استشهدوا وأجد الضرب سهلًا! كما كنت أستعمل عقلي للتهرّب من أي توقيع وأقول لهم أنني لست عسكريًا في القوات كي أوقع على أي تعهّد.
في وزارة الدفاع جاء دور الإغراءات، عرضوا علي كل ما يمكن أن يغري شابًا في عمري من مال ومناصب ولم أقع في التجربة. في الزنزانة صرت أفكر كيف يمكن أن أستغل هذه التجربة لرفع معنويات الشباب، فكرت أنني اذا قلت لهم أني شاهدت الحكيم لن أكون صادقًا لأنهم لن يتركوني أراه، فلمعت في رأسي فكرة أن أقول لهم أنني كنت في زنزانة أسند رأسي على جهة من الحائط وعلى الجهة الأخرى كان الحكيم. هذا الشعور وحده، أن يكونوا بهذا القرب من القائد، كان كافيًا ليشد عصب الجميع. كانوا مستعدين حتى للسجن ولو فصل بينهم وبين الحكيم حيطان. المهم أن يتنشقوا الهواء نفسه. الى هذه الدرجة كنا نتوق اليه.
ضروري هنا أن أذكر أنني لا أعرف الحكيم شخصيًا ورفاقي كذلك، وعندما دخل السجن كنت يافعًا أقرأ له وعنه فقط ولا أعرفه.
كيف كان وقع إغتيال رمزي عيراني عليكم؟
كارثي، سحبوني الى وزارة الدفاع حيث مارسوا علي أقصى درجات الضغط حتى أجهشت بالبكاء للمرة الأولى رغم كل الاعتقالات السابقة لشدة الظلم، آلمني كثيرًا أنهم حاولوا أن يلصقوا التهمة بي وكانت الخطة أن أوّقع على إفادة تقول أننا كنا في نزاع على السلطة وأنني حاولت أن أقصيه لأتسلّم مكانه. لم أحتمل كل هذه الحقارة معقول؟ “جهنم الحمرا” ليست هكذا بالتأكيد!! بكيت وجعًا ورفضت أن أوقع على شيء، من سوء حظهم أنني كنت طالب حقوق وأعرف كيف يُستدرج المتهم الى إفادات تدينه.
عندما إستشهد رمزي كانت “آخر الدني”، بكل بساطة ووقاحة كان يتهمني بقتل نصفي الثاني في النضال!!
*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ 4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.