تعكف بعص الصحف التي تدور في فلك “8 آذار” ومخابرات بشار الأسد الى نشر تقارير دورية عن خطر “داعش” على المسيحيين في لبنان وأن الوجود المسيحي في لبنان والعالم العربي لم يكن يوماً مهدداً كما اليوم وأن المخاطر الداهمة التي تتهدد المسيحيين ووجودهم ومستقبلهم في لبنان هي في ذروتها ويمرون في اشد المراحل صعوبة في تاريخهم، خصوصاً أن المشهد الذي وصل إليه المسيحيون في المحيط والجوار بفعل تنامي الإسلام المتطرف لا يبشر أبدا بالخير… وأن ذبح المسيحيين في ليبيا ومطالبة أحد النواب بإزالة تمثال يسوع الملك في جونية، هي برهان قاطع على مدى الخطر الكبير المحدق بمسيحيي لبنان وكل المنطقة العربية!!!
بغض النظر عن التحاليل البعيدة عن كل منطق الواردة في تلك التقارير وهي منسوبة الى مصادر استخباراتية وأمنية، وبغض النظر عن الهدف الواضح منها وهو دفع المسيحيين الى الإحتماء بمن كان السبب في ظهور هذه الجماعات المتطرفة، بتسهيل من مخابراته أولاً، وبالبطش والظلم الذي يلحق بالسنة في سوريا ثانياً، سنوضح بعض النقاط الواجب الإضاءة عليها كي لا تتأثر النفوس الضعيفة بهكذا تحاليل وتقارير تفوح منها رائحة المخابرات الأسدية النتنة التي لم ننس رائحتها بعد.
الى هؤلاء الخائفين والضنينين على المسيحيين ووجودهم في لبنان، وإستطراداً العالم العربي، هل نسي هؤلاء أنه في العام 1975، وقفت كل المجموعات اللبنانية مع الفلسطيني في سعيه لإقامة وطن بديل عن فلسطين وطرد المسيحيين منه؟!! هل نسيوا أيضاً أن كل الدول العربية من دون إستثناء كانت تقف أيضاً صفاً واحداً مع الفلسطينيين وكانت المرتزقة تأتي للقتال من كل تلك الدول وغيرها؟! حتى دول العالم كلها كانت تدعم، أو تتفرج على ما يحصل، وكل منها لأسبابها الخاصة.
لكن ماذا حصل؟! وقف المسيحيون بوجه كل العالم وقاوموا منظمة التحرير والفصائل الأخرى مدعومة بالحركة الوطنية التي كانت تضم كل الطوائف اللبنانية الأخرى، تقريباً، ومنعوا المخطط الرامي الى تحويل لبنان الوطن البديل، ولولا خيانة وعمالة بعض المسيحيين، لكان الوضع الآن مختلف كلياً عما هو اليوم.
كل ذلك حصل بتخطيط وإشراف حافظ الأسد الذي كان يسعى للسيطرة على لبنان، وهذا ما عاد وحصل لاحقاً، لكن زمن القتل والإجرام والبطش مهما طال لا بُدّ أن ينتهي، وها هو النظام المجرم يحصد اليوم ما زرعه على مرّ السنين.
أما اليوم، فالمسيحيون هم آخر مَن يتهددهم الخطر، وفي كل الأحوال، مَن واجه جيوشاً منظمة بكل ترساناتها، ومنظمات فدائية وميليشيات محلية، هل سيخاف اليوم من هؤلاء الحثالة أشباه البشر الذي يجتمع العالم كله ضدّهم؟!
هل الخطر هو فعلاً على المسيحيين، أم على المسلمين قبل أي أحد آخر؟! هل السنة في لبنان مستعدون للعيش في ظل حكم “داعش”، أم سيكونون أول مَن سيقاوم هذا السرطان الآتي من مجاهل التاريخ؟! وماذا عن الشيعة الذين وضعوا أنفسهم في الواجهة وذهبوا الى عقر دارهم ليحاربوهم هناك ليمنعوهم من أن يأتوا الى لبنان؟! أم نسينا تلك الحجج الواهية؟! ألن يكونوا هم أكثر مَن عليه الخوف من حال إجتاحت تلك المجموعات لبنان، بحسب تلك التحاليل؟!
لذلك، فليطمئن هؤلاء الغيارى الجدد على المسيحيين ومستقبلهم، في حين كانوا مساعدي جلادهم في ما مضى، وما زالوا، ويهتمون بإعادة النظر في الإستراتيجيات القاتلة والتحالفات والتبعيات الإيديولوجية التي لن تؤدي بهم إلا إلى الهلاك المُحتم. أما نحن، فكنا وما زلنا وسنبقى في هذه الأرض، رغماً عن كل الأنوف، مهما كثرت الدواعش وتغيرت أسماؤها وأشكالها.