
أسهل التهم وأكثرها اسفافاً وشعبوية في إعلام “حزب الله” هي “العمالة لاسرائيل”، هؤلاء الصهاينة، هؤلاء المتصهينين، عملاء شارون وبيغين و… و… وما شابه من عبارت بائدة باللغة الخشبية إياها، والخطاب البدائي اياه!!!
لم يتحمل إعلام “حزب الله” ما نُشر عبر صحيفة “نيويورك تايمز” من تفاصيل عن تورّط عناصر من “الحزب” في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، بقلم صحافي اسرائيلي الاصل وهو رونن برغمان، الذي يعمل في صحيفة “ايدعوت احرونوت” الاسرائيلية، لم يتحمّل ان يتناقل المقال الاعلام العالمي الموالي والمناهض لاسرائيل، لما تضمّن من معلومات وتفاصيل تُنشر للمرة الاولى عن جريمة وصفت آنذاك بجريمة العصر، فلم يستوقفه أي من ذاك الاعلام الا موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني، فصبّ جام غضبه عليه، وطبعاً متهماً اياه بأن “الطبع يغلب التطبّع” وبأن الموقع “يعود في أدبياته ومصطلحاته الاعلامية الى أصله الذي يربط حزب “القوات اللبنانية” بالمشغّل الاسرائيلي”!!
ما أثار غضب إعلام الحزب تحديداً، أن المقال الطويل نُشر على مرحلتين، أي انه تُرجم ونُشر بالكامل من دون اقتطاع، وكأنها المرة الاولى التي يحصل فيها أن يُترجم مقال بلسان أو قلم اسرائيلي أو صهيوني، كما يحب “المقاومون” أن يقولوا، الى اللغة العربية وينشر على صفحات الاعلام اللبناني المتلفز والمكتوب!! والمفارقة أن تلفزيون “المنار” بذاته يخصص يومياً فقرة كاملة في أحد برامجه السياسية، للاطلاع ولقراءة ما تضمنه الاعلام الاسرائيلي بشكل خاص من منطلق معرفة لسان حال العدو، وهذا أمر بغاية الاحتراف والاهمية في عالم الصحافة. وكذلك يستشهد امين عام “الحزب” في أكثر من إطلالة بالاعلام الاسرائيلي.
ولكن لحظة، هذا أمر مسموح به في إعلام “حزب الله” وحده، أو للتصحيح، في اعلام “ميليشيا حزب الله”، وغير مسموح به لغير إعلام أو غير اعلاميين، فلنكن واضحين! فاذا كتبت أو نشرت أو ترجمت أقلام الحزب أقلام العدو، فهذا من ضمن العمل المقاوماتي الجهادي الصِرف، أما أن يفعلها آخرون فهذه عمالة وعمالة فاقعة غير مقبولة!!!
تقول كاتبة المقال ان “الوقاحة هي في تبنّي الموقع لرواية الكاتب الاسرائيلي. حيث اعتبر في مقدّمة التعريب أن المقال ذكر معلومات دقيقة ومفصلة تنشر للمرة الأولى”!!! بالنسبة لكاتبة المقال الاشارة الى ان المعلومات الدقيقة التي نشرت فعلاً للمرة الاولى، يعني تبنّي رواية الصحيفة بالكامل! وتذهب بعيداً أكثر في الموقف البالغ العصبية الى درجة اعتبار انتقاد الموقع لسياسية “حزب الله” في سوريا وقتاله هناك هو بحد ذاته عمالة لاسرائيل لانه يتبنى موقف الاسرائيليين من هذه الناحية!!!
اذن وبناء عليه، فإن كل اللبنانيين المناهضين المعارضين وبشدة لقتال الحزب في سوريا هم عملاء لاسرائيل ومن بينهم، سنّة لبنان جميعاً، البطريرك الماروني ورجال الدين من غير المنتمين الى الحزب ومن الطوائف كافة، والدروز كافة و…و… وغالبية الشعب اللبناني حتى الذين هم من بيئة الحزب الذين ترتفع أصواتهم من هناك وهنالك إحتجاجاً على موت أبنائهم في غير أرضهم!!
هؤلاء اذن كلهم عملاء لاسرائيل وطبعاً لن نتكلم هنا عن البيئة الحاضنة اياها ما غيرها ولم يعد أشهر منها على الساحة اللبنانية التي تخرّج تباعاً ويخرج منها تباعاً ويكتشف فيها تباعاً، عشرات العملاء لاسرائيل وآخرهم رئيس وحدة العمليات الخارجية في “الحزب الله” محمد شوربة، فماذا يُطلق إعلام الحزب يا ترى على هؤلاء؟ أي صفات ونعوت؟ المظلومون؟ المقاومون؟ الجهاديون؟!!
لا يحتمل إعلام “الحزب” أن تتساوى نظرة العالم اليه مع النظرة ذاتها الى تنظيم “داعش” الارهابي، يريد ان يقنع الناس وبالقوة أن ما يفعله في شعب سوريا وأطفالها ونسائها وشبابها هو عمل بطولي انساني جبّار، وان دعمه لديكتاتور قاتل لشعبه هو من صلب مقاومته وبطولاته التي لا تعد ولا تحصى لا في الجنوب ولا في بيروت ولا في العراق وقريباً جداً في البحرين وما شابه، ومن ينتقد هذه الحرك” البطولية” هو اذن شارون ثاني فكيف اذا كان شخص مثل الدكتور سمير جعجع؟!
الويل ثم الويل ثم الويل، فحتى الساعة لم يتحمل “الحزب” خروجه من الاسر، ولا عودته الى الساحة السياسية بهذه القوة ولا، وهنا الاصعب والاهم، ولا ترشحه الى رئاسة الجمهورية وها هو يفعل المستحيل لتعطيل الاستحقاق لتمرير الاجندة التي يريد والرئيس الذي ينشد، كل هذا ليس عمالة انما وطنية لبنانية عابرة لجبال الارز وكل ما عدا ذلك عمالة لاسرئيل وصهينة وشارونية لا تقارب!!!
وقمة العصبية بالنسبة للاعلام إياه وكاتبة المقال تحديداً، اعتبار جيش بشار الاسد “الجيش السوري العدو” أو تسميته بـ”قوات النظام السوري”!!! طبعاً كان يفضّل ذاك الاعلام أن نرشّ الورود على من رشّ أرض لبنان بالمتفجرات والقذائف، وزرع دروبه شهداء ودماء باسم “الاخوة” الكاذبة والجيرة المدمّرة، كي يكون هو سعيداً مكتفياً راضياً هانئاً!!
وسؤال، من هو العميل بيننا، موقع “القوات” وكاتبوه ورئيسه، أم أنتم من تكيلون الانسانية بمكيالين، والوطنية الحقّة بمكيالين، والمقاومة بمكيالين والانتماء للارض، للبنان، للعزّة، للحياة، للمحبة، للانسان بألف مكيال ومكيال؟!
لا يهمنا ما تكتبون، يهمنا ما نرى، ونرى أطفال سوريا يحترقون بنيرانكم بكيمياء من تحمون وتساعدون وعنه تقاتلون. لا يهمنا ما تتهمون، حسبنا تاريخنا هو الشرف، وحاضرنا هو لبنان وشرف لبنان، ومستقبلنا لن يكون الا لبنان، معكم أو من دونكم هذا شأنكم، شأننا هذه الارض وهذه الارض تلفظ تلقائياً العملاء فيها بعد أن تصنّفهم وتغربلهم، ومنذ الآن واضح ما سيبقى في الغربال ومن سيذهب الى لعنة الدماء.