
يحاول اليوم “حزب الله” ومن ورائه إيران وسوريا، ربط مصير لبنان بمصيريهما، مهما اختلفت طرق هذه المقاربة، الا أنّ ما يهم هذان الرّكنان الاقليميّان ألا يخرج لبنان من دائرة نفوذهما في منطقة الشرق الأوسط لأنّه بحدّ ذاته، ولأسباب جيوبوليتيكيّة، هو مركز هذا النّفوذ وليس سوريا البعيدة عن المواجهة العربيّة – الاسرائيليّة على جبهة الجولان التي لم تعرف خرقًا الا بعد اثنين وأربعين عاماً عندما وضع “حزب الله” يده في حادثة القنيطرة الأخيرة. لكن في ظلّ هذه المعادلة، هل يجمع اللبنانيّون على الخروج من الخيارات الفئويّة والمذهبيّة؟ وهل يرتقون إلى مستوى الدّولة الجامعة والحاملة رسالة الحرّيّة والديمقراطيّة والسّلام؟
لقد دعا الأمين العام لحزب الله في اليومين المنصرمين كلّ اللبنانيين الى البحث في استراتيجيّة لمحاربة الارهاب، نسأله: هل انتهى من استراتيجيّة الدفاع عن لبنان بوجه العدوّ الإسرائيليّ؟ أمّ أنّه يريد لكلّ حالة استراتيجيّة مختلفة، وفق مصالحه الاستراتيجيّة الخاصّة في المنطقة، بحسب الأجندة الايرانيّة النّوويّة وما تبقّى من الأجندة البعثيّة السوريّة؟
إنّ اللبنانيين اليوم يتّفقون على إرادتهم التي لا تقبل النّقاش حول الدّولة، فالكلّ يريد الدّولة، وهذا الاستنتاج مبنيّ على الحوارات الدّائرة اليوم بين مختلف أطراف النّزاع في البلد. لكن هل الدّولة التي يريدها “المستقبل” و”القوّات” هي نفسها التي يريدها “حزب الله” و”التيّار”؟ على الأقلّ نستبشر خيراً بأنّ المجتمع المسيحيّ بات على قاب قوسين من الخروج من الخيارات الفئوية والمذهبيّة، لكن ما لا نراه قريباً، هو خروج مجتمع “حزب الله” من خياراته الفئويّة والمذهبيّة. فهو ما زال حتّى هذه اللحظة يدعو اللبنانيين إلى مشاركته القتال في سوريا.
إنّ كلّ اللبنانيين يتوافقون على العداء لإسرائيل حتّى لو أنّ سماحته في كلّ خطبه يغمز من قناة بعض اللبنانيّين بأنّهم ليسوا أعداء إسرائيل، بينما هذه المسألة منتهية عند الكلّ وهو يرفض أن يصدّق ذلك إذ ما زال مجتمعهم يدعو كلّ من يخالفهم رأي أو حتّى مجرّد وجهة نظر بالخائن والعميل، رحمة الله الشّهيد اللواء وسام الحسن الذي أوقف أكثر من ثلاثين شبكة تجسّس معظمها من بيئة “حزب الله” الحاضنة، هذا طبعًا إذا ما استثنينا ملفّ العميد فايز كرم.
ندعو “الحزب” اليوم ومن يلفّ لفيفه، إلى العودة الآن وليس غدا، إلى حضن الدّولة، ندعوهم الى التصدي لكلّ من يمنع قيام دولة قويّة قادرة تضمن رسالة الحريّة والديمقراطيّة والسلام لكلّ أبنائها. على الأقلّ نصف اللبنانيين وأكثر يؤيّدون هذا الخيار، وحتّى مجتمعه بات تعبًا من الخسائر التي يتكبّدها الحزب يومًا بعد يوم في معاركه العابرة الحدود. مجتمعه يئن من النقص في الأموال التي كانت تغدقها إيران عليه في سنينه الذّهبيّة أيّام الرّئيس لحّود، ويئنّ من فقدانه المتكرّر لخيرة شبابه في قتال لا ناقة ولا جمل لهم فيه. عبثًا يحاول الحزب إظهار انتصارات وهميّة له في إعلامه، الا أنّ الحقائق أقوى من أن تُخفى، أسرٌ وقتلٌ وإصاباتٌ تغصّ بها المستشفيات التي لم تعد قادرة على إخفائها.
اليوم نعيش أزمة معاً، أزمة بين فئتين من اللبنانيّين. اليوم وليس غداً الكلّ مدعوّ إلى دولة الرّسالة، دولة السلام والديمقراطيّة، دولة الـ 10452، الدولة التي تملك حصريّة قرار الحرب والسّلم، والدّولة التي لا يكون فيها ازدواجيّة وتنسيق بين قوّة رديفة وقوّتها.
بدأنا نسمع همساً كلاماً يدعو إلى التّنسيق بين القوّتين الموجودتين، ما يعني العودة إلى المعادلة الخشبيّة. فحذار، هذا مرفوض كليّا الدّولة تعني الدّولة وحدها ولا تنسيق مع أي قوّة رديفة. وحدها الدّولة تملك حصريّة القرار، ولا ولن تنسّق مع أحد، كائن من يكون، لا “حزب الله” ولا حتّى غيره… ماذا وإلا ؟؟؟ لا دولة، ولا حصريّة قرار، وعندها نعود إلى الحكومات المبتورة والقرارات الاستنسابيّة وفقًا للمصالح الاقليميّة، وما لم نقبله في الماضي البعيد والقريب، لن نقبل به لا في الحاضر ولا في المستقبل، لا القريب ولا حتّى البعيد.