.jpg)
احتفلت الكنيسة السريانية الكاثوليكية بافتتاح السنة اليوبيلية بمناسبة الذكرى المئوية الأولى لشهداء مجازر الإبادة بحق السريان “سيفو ـ السوقيات”، وبعيد مار أفرام السرياني، بقداس رسمي مساء يوم السبت 21 شباط 2015، في كاتدرائية سيّدة البشارة ـ المتحف ـ بيروت.
ترأس الإحتفال غبطة البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي، يعاونه رئيس أساقفة حلب مار ديونوسيوس أنطوان شهدا، ورئيس أساقفة بغداد ورئيس اللجنة البطريركية لإحياء ذكرى الشهداء مار أفرام يوسف عبّا، وأمين سرّ البطريركية الأب حبيب مراد، وكاهن الرعية الأب شارل مراد.
.jpg)
حضر القداس أصحاب القداسة والغبطة والنيافة: الكردينال مار بشارة بطرس الراعي بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للموارنة، وغريغوريوس الثالث لحّام بطريرك أنطاكية وسائر المشرق والإسكندرية وأورشليم للروم الملكيين الكاثوليك، ومار اغناطيوس أفرام الثاني بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للسريان الأرثوذكس، والسفير البابوي في لبنان المطران كبريالي كاتشا، وممثّل بطريرك أنطاكية للروم الأرثوذكس يوحنّا العاشر اليازجي، المطران الياس كفوري، وممثّل كاثوليكوس بيت كيليكيا للأرمن الأرثوذكس آرام الأوّل كيشيشيان، المطران شاهيه بانوسيان، وعدد كبير من الأساقفة والكهنة والشمامسة والرهبان والراهبات من مختلف الكنائس، وجموع غفيرة من المؤمنين.
ومن الحضور الرسمي: معالي الوزير ميشال فرعون ممثّلاً دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ تمّام سلام، والسفير الروسي في لبنان ألكسندر زاسيبكين، مارون مارون ممثّلاً رئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع، وتوماس واكيم ممثّلاً رئيس حزب “الكتائب” الرئيس أمين الجميّل، والنائب عاطف مجدلاني ممثّلاً رئيس تيار “المستقبل” الرئيس سعد الحريري، والنائب حكمت ديب ممثّلاً رئيس تكتل “التغيير والإصلاح” النائب ميشال عون، ، والعميد هادي أوسي ممثّلاً قائد الجيش العماد جان قهوجي، والعميد حاتم شحود ممثّلاً مدير المخابرات العميد الركن إدمون فاضل، والعميد بشارة جبّور ممثّلاً مدير عام الأمن العام اللواء عبّاس ابراهيم، والعميد جورج حدّاد ممثّلاً مدير عام قوى الأمن الداخلي اللواء ابراهيم بصبوص، والمقدّم بشارة الحدّاد ممثّلاً مدير عام أمن الدولة اللواء جورج قرعة، والنقيب غطاس موسى ممثّلاً قائد الدرك العميد الياس سعادة، وممثّلو سفراء، ورؤساء وأعضاء بلديات، وفعاليات.
.jpg)
وفي موعظته، تحدّث غبطة البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان عن “وطننا الحبيب لبنان، فليس من يجهل أو يتجاهل الأزمات السياسية والأمنية والإجتماعية والإقتصادية التي تعصف به من كلّ حدبٍ وصوب. فها هم المسؤولون يتهاونون بالدستور فلا ينتخبون رئيساً للجمهورية، والخاطفون لا يزالون يحتجزون جنودنا الأبطال، مهدّدين أهلهم يومياً بذبحهم. ناهيك عن تردّي الأوضاع على مختلف الصعد، وليس آخرها الفضائح المتنقّلة في الفساد الغذائي، ممّا يضعف ثفة المواطنين ويضرّ بسمعة لبنان حول العالم. ولا ننسى المآسي التي يعيشها الملايين من النازحين على أرضه، سيّما الأطفال الأبرياء، وذلك بسبب الصراعات المتفاقمة في سوريا والعراق. وما يزيد في الطين بلّة، التهديدات الإرهابية المتّشحة بلباس المذهبية المكفِّرة، والتي جاءت تهزّ كيان وطننا لبنان المميَّز بين بلدان المنطقة بالإنفتاح والتعدُّدية والمساواة والحرّية. نضمّ صوتنا إلى أصوات إخوتنا البطاركة، وندعو الجميع إلى رصّ الصفوف، للحفاظ على لبناننا الغالي صيغةً وميثاقاً ودستوراً، وندعم جيشه الأبي وقواه الأمنية دون قيدٍ أو شرط، مقدّرين تضحياتهم الجسام في سبيل الدفاع عن الوطن. عندئذ فقط يحق لنا أن نعترف بلبنان الرسالة الفريدة لمحيطه وللعالم، في العيش الواحد، وفي قبول الآخر دون تمييزٍ ديني أو مذهبي”.
وأشار يونان إلى “الأوضاع في شرقنا الرازح تحت وطأة الحروب والنزاعات والذي تتآكله المصالح والصراعات، نرى كم يشبه يومُنا الحاضر الأمسَ القريب والبعيد. فمن العراق إلى سوريا، ومن الأراضي المقدّسة إلى مصر، بلادنا المشرقية تنزف دماً ودماراً وخراباً”.
وتطرّق يونان إلى ما يجري في العراق حيث “المجموعات الإرهابية التكفيرية تعيث الفساد من حولها وتفتك بالبشر والحجر، وتعود بنا إلى عصر الظلمات، وتحكم بقتل الناس وذبحهم لمجرّد أنّهم لا يقرّون بما تؤمن به. هذه الجماعات غريبةٌ عن منطقتنا رغم تخلّف الأنظمة في غالبيتها القصوى عن اللحاق بركب التمدُّن ونشر مساواة المواطنة الكاملة بين الجميع، على اختلاف إنتماءاتهم الدينية والعرقية والمذهبية. وكان من حقّ المسيحيين أن يعيشوا بروح المواطنة العادلة، وقد تفاعلوا دون مركّب نقصٍ مع إخوتهم المنتمين إلى الأغلبية الدينية”.
.jpg)
ونوّه يونان بحزنٍ شديدٍ إلى اقتلاع أبناء الموصل وسهل نينوى من أراضيهم وتهجيرهم”إثرَ غزواتٍ بربريةٍ في حزيران وآب المنصرمين، فساحوا هائمين على وجوهم تحت كل سماء… بسبب همجية الإرهابيين التكفيريين، التي صبّت زيتاً على نار الصراعات المذهبية العبثية في بلاد الرافدين، والتي لا تزال تلقى الدعم من أنظمةٍ إقليميةٍ ودوليةٍ تستغبي شعوبنا باستنكاراتٍ جوفاء!”.
وكرّرالبطريرك يونان باسمه وباسم البطاركة دعوة “المسؤولين من ذوي الإرادات الصالحة محلّياً وإقليمياً وعالمياً، للعمل الجادّ والدؤوب بغية تحرير مناطق شعبنا المغتصَبة، ليعود المهجَّرون قسراًدون ذنبَ، إلى قراهم وبلداتهم وكنائسهم.وندعو الحكومات المعنيّة إلى إحقاق العدل بالتعويض عن نتائج الغزو والسرقات والدمار، وتفعيلٍجديّ للمصالحة بين المكوّنات المظلومة والجيران المعتدين”.
وتناول يونان ما يصيب سوريا من “نزاعاتٍ وخضّات عنفٍ وحربٍ مدمّرةٍ منذ أربع سنوات. صراعاتٌ بين الأشقّاء غذّاها الحاقدون، دماراً للحجر وتنكيلاً بالبشر. والعالم إمّا متغافلٌ وغارقٌ في سُباتٍ عميقٍ، وإمّا متآمرٌ وساعٍ لزرع بذار الشقاق وتأجيج نار الفتن المذهبية، بحجّة البلوغ إلى أنظمة ما تسمّى “اليمقراطية العددية”، حيث هدف الأغلبية أن تسود ديناً وقانوناً وفعلاً، دون الإعتراف بحقوق المكوّنات الصغرى وتطمينها. هل من عاقلٍ يقرّ بأنّ ما تسمّيه قوى المعارضة ثورةً شعبيةً سلميةً، يبشّر بإطلالة سوريا حرّة أبية وديمقراطية بعد هذا الدمار والقتل والإجرام؟ ألم يحن الوقت كي يتحرّك المجتمع الدولي ويقوم بمبادراتٍ إيجابيةٍ تنهي مأساة هذا الشعب؟!”، مطالباً السوريين أن”يحكّموا العقل والضمير، فيتواكبوا مع ذوي النيّات الحسنة والإرادات الصالحة في مسيرة المصالحة والحوار والتآخي رحمةً ببلدهم وبحضارته الإنسانية العريقة”. وناشد يونان “الضمير العالمي، ببذل الجهود الحثيثة لإطلاق سراح جميع المخطوفين، وبخاصّةٍ أخوينا المطرانَين يوحنّا ابراهيم وبولس اليازجي،والكهنة، وكلّ المخطوفين”.
.jpg)
وجدّد يونان”استنكارنا وإدانتنا للعمل الإرهابي الهمجي الذي أدّى إلى استشهاد 21 مؤمناً من الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وقد عزّينا رئيسها قداسة البابا تواضروس الثاني وشعب مصر بكل أطيافه”.
وتكلّم يونان عن مجازر “الإبادة ـ المجزرة الذي نكّلت بشعبنا بجناحيه الأرثوذكسي والكاثوليكي، في جنوب شرق الدولة العثمانية، لم تقم به شعوبٌ تتصارع فيما بينها في غياهب أزمنة الجهل، بل تمّ في العصور الحديثة على مرأى من العالم المعروف آنذاك. تلك مجازرٌ يندى لها جبين الإنسانية المتلهّية آنذاك بصراعات بسط النفوذ واكتساب الغنائم. فهناك المجرمون الذين خطّطوا لها والبرابرة الهمجيون الذين نفّذوها، هناك من شارك بالتحريض أو بالفعل أو بالصمت المطبَق”.
وأكّد يونان أنّ “هذا الشعب البريء والمسالم لم يحمل سلاحاً ليعتدي به على أحد أو لينتقم من الذين ينوون له شرّاً. وما اتُّهم بجرمٍ أو جريرة، بثورةٍ أو خيانةٍ إلا كذباً وتلفيقاً..! جريمته الوحيدة بل خطيئته التي لا تُغتفر، أنه لم يكن يدين بدين الأغلبية التي أعمى قلبها الحقد والتكفير”، منوّهاً إلى “أنّنا نصلّي اليوم في ذكرى شهدائنا، الذين بذلوا كلّ شيءٍ شهادةً لإيمانهم البطولي حتى سفك الدم على خطى الرب يسوع مثالنا في الحب والفداء”، مطالباً “باستعادة ما اغتُصب من أملاك كنيستنا، وهذا من أبسط حقوقنا، وفي مقدّمة هذه كلّها مقرّ كرسينا البطريركي في ماردين الذي تحوّل الآن إلى متحف حكومي”.
.jpg)
وذكّر يونان الجميع “بأنّنا، نحن السريان، إنطلاقاً من هذا المشرق المعذَّب عبرَ تاريخه القديم والحديث والمعاصر، أنرنا العالم بالعلم والمعرفة، ونثرنا مواهبنا شعراً وفكراً وترجمة. وقد جاءت شهادتنا لإنجيل المحبّة والسلام، معمَّدةً بالدم ومكلَّلةً بغار الإستشهاد… أهدينا الشعوب حضارةً ورُقيّاً، ولم نسلب أحداً، ولم نعتدِ على غيرنا، ولا طمعنا بسلطةٍ وحكمٍ، ولا اغتصبنا أرضاً، ولا شرّدنا شعباً، وستبقى حضارتنا السريانية الآرامية الأمّ نبراساً لتلاقي الأمم والأعراق والديانات”.
ونوّه يونان إلى أنّ السريان ليسوا “دعاة عنفٍ أو انتقام، إنّما دعاة سلامٍ ومحبّةٍ وتسامُح. نستذكر شهداءنا للعبرة والصلاة والتشجيع على التمسّك بالإيمان، إذ أضحت دماؤهم الزكية بذاراً لإيمان الخلاص وشهادةً لإنجيل المحبّة والسلام في منطقةٍ مشرقيةٍ لا تزال ترزح تحت ثقل الإرهاب والتطرّف والتعصّب الديني الهمجي والأعمى. نذكُرهم طالبين شفاعتهم كي نتطلّع نحو مستقبلٍ أفضل، برجاءٍ ثابتٍ بربّنا الفادي إله السلام، آملين أن يقتنع جميع المواطنين في بلدان الشرق الأوسط بهذه المقولة التي تردّدها غالبيتهم: الدين لله والوطن للجميع!”.
وختم البطريرك يونان بالتوجّه إلىأبناء الكنيسة السريانية في بلاد الشرق وعالم الإنتشار، في أوروبا وأميركا وأستراليا، قائلاً: “أنتم أولاد الشهداء والشهيدات وأحفادهم، حافظوا على مَعين الرجاء تستقونه من إيمانكم. وتمسّكوا بكنيستكم الأمّ ولغتها السريانية التي باركها الرب والعذراء مريم والدته والرسل والعديدون من الآباء والقديسين والقديسات. لا تنسوا جذوركم في أرض شرقنا ذي الحضارة العريقة. عهدُنا لكم أنّنا معكم سنحافظ على الأمانة لهويتنا ورسالتنا. والله نسأل أن يؤهّلنا لنكون شهوداً لمحبّته، ومبشّرين بسلامه على الدوام. آمين”.
وكان المطران مار أفرام يوسف عبّا رئيس اللجنة البطريركية المكلّفة إعداد احتفالات الذكرى المئوية، قد ألقى كلمة في بداية القداس، تحدّث فيها ذكرى شهداء الإبادة، داعياً في ختامها غبطةَ البطريرك يونان إلى إيقاد الشعلة إعلاناً عن بدء احتفالات الذكرى المئوية.