#adsense

“14 آذار”… متى؟

حجم الخط

كتبت نوال نصر في مجلة “المسيرة”:

هو عاشرُ رابع عشر من آذار، هو عمرٌ في عمرِ الزمن، هو عمرٌ في عمرِنا نحن من “دحرجنا” الحجر السوري عن قلبِ لبنان وأصنام سوريا الأسد في لبنان. عشرُ سنوات. عقدٌ. عمرٌ وسيولٌ من الأحداث. عشرُ مراتٍ مرّ 14 شباط وعشر مرات يمر 14 آذار. دوامة؟ لا، هي حقيقة. 14 آذار كانت حقيقة كرسناها نحن، صنعناها نحن، ونحن من أبقيناها حيّة تنبض. هو الإيمان العميق بالشيء، بالقيامة، بالمسيرة، بالقضية، بالثورة المجدية يفعل في كلِ مرة فعله… ولكن، كما في كلِ مرة، من حقِنا أن نسأل بعد كل الخناجر التي طُعنت بها الثورة في عشرة أعوام وبعد بذور الشرذمة في أكثر من محطة وبعد الإنسحابات المتتالية من هنا ومن هناك وبعد كل الكلل والملل الذي اجتاح الكثيرين: ما جدوى إبقاء 14 آذار حية؟ وهل لدى 14 آذار خطة مدروسة، منهجية، واعية تؤهلها للبقاء؟

مرّ 14 شباط. و14 آذار سيأتي. الزمن يسير بسرعة. الأحداث تكر بسرعة. ماذا عن 14 آذار 2015؟ هل بدأت التحضيرات؟ هل انتهت التحضيرات؟ وهل سيمر التاريخ مرور الكرام بلا روح ولا أفق أم هناك، في جعبة ثوار الأرز، ما يُعيد تدفق الأوكسيجين والثبات في روايا من نادوا كثيرا: حرية وسيادة واستقلال؟

أسئلة مفتوحة…

سألنا كارلوس إده ذات مرة: لماذا انسحبت من ثورة الأرز أجاب: “لأن فيها أفضل قضية لكن أسوأ إدارة”. جوابٌ يعترف به كل الآذاريين، ثوار الأرز، وهذا ما قد يُطمئن إنطلاقا من مقولة: الإعتراف بالخطأ فضيلة. وأكثر من يعترف بهذا ربما هي الأمانة العامة لقوى الرابع عشر من آذار التي سبق ووجهت قبل شهرين سؤالا الى “الأصدقاء”: ما هو 14 آذار الذي نريد؟ فهل لنا في 14 آذار العاشر أن نقلب بين الإجابات ونقرأ فيها؟

الدكتور فارس سعيد، منسق الأمانة العامة في قوى 14 آذار، هو طبيب قلب وقادر أن يداوي الجراح حتى ولو نُخرت من الداخل وأكثر من يفقه ربما مسار الثورة من ألفِها الى اللحظة ولديه كثير من الأسرار والمعلومات والإجابات… فهل له بالإجابة عن محورية الإجابات التي تتالت من “الأصدقاء”؟ طبيب الأمانة وأمينها العام يتحدث عن مسار دخلت فيه ثورة الأرز في 2015، يسبق يوم 14 آذار وسيتبع بالتأكيد يوم 14 آذار ويقول: “كل حركة أو ثورة يكون قد مضى عليها عشرة أعوام تُصبح في حاجة الى إعادة ترتيب ذاتي وها هي ثورتنا قد دخلت في مسار من ثلاث مراحل: مرحلة ترتيب الذاكرة، تليها مرحلة القراءة السياسية، ثم مرحلة الخطوات السياسية”. ممتاز. أين نحن اليوم من تلك المراحل الثلاث؟ يجيب: “باشرنا بالمرحلة الأولى مراجعة التواريخ والأيام واللحظات وعلى أساسها تم التوقف عند محطتين: الإنتفاضة التي أدت الى الخروج السوري وحجم الإنتفاضة المضادة التي حاولت الإنقضاض على الإنتفاضة الأولى. بدأت إذا المرحلة الأولى التي وضعت فيها جردة بالأحداث التي جرت منذ لحظة 14 آذار 2005 الى اللحظة وهذه الورقة يجري التداول بها حاليا من أجل الإنتقال الى المرحلة التالية”.

المسار إذا بدأ، ومراجعة الذات والأحداث مستمرة وهناك تأكيد، من هذه القوى، بأنه إذا كان حزب الله يساهم مع “داعش” في صناعة العنف فإن كل 14 آذار عازمة على صناعة السلام وعليها في سبيل هذا توحيد خطواتها. رائع،  لكن ألا يشعر منسق الأمانة العامة بأن الكلام عن السلام كما الكلام عن لبن العصفور: مفقود؟ ألم يسمع بالتالي كلام السيد حسن نصرالله وهو يرسم حدود المعركة قائلا: من يريد أن يقرر مصير لبنان يجب عليه أن يكون حاضرا في صناعة مصير المنطقة؟ ألا يُنهي هذا الكلام بالتالي كل دعوات 14 آذار الى النأي بالنفس عن أحداث المنطقة؟ يجيب سعيد: “هذا كلام صحيح وبات ضروريا على 14 آذار اللبنانية أن تتكامل مع 14 آذار العربية. واجبنا أن نتكامل مع كل حالات السلام في المنطقة. أما الفارق بيننا وبين سوانا أننا صناع سلام بينما هم صناع حرب. نحن نطالب بالطائف بينما هم يطالبون بمؤتمر تأسيسي. نحن نطالب بالعيش المشترك بينما هم يعملون على تحقيق مذهبية الطوائف. نحن صنعنا القرار 1701 بينما هم صنعوا حرب تموز”.

هذا هو الفارق “بيننا” و”بينهم” وهذا ليس بجديد فثمة فارق هائل كان منذ نادوا هم بسوريا الأسد بينما نادى من هم هنا: فليرحل جزار سوريا. وأدى ما كان الى ولادة ثورة الأرز وطرد الجزار وتكوين قوى الرابع عشر من آذار وإنتاج يوم الرابع عشر منه الذي بات ذكرى مجيدة لنا ووضيعة لهم والسؤال: ماذا لو قرر حزب الله التخلي عن سلاحه والخروج من سوريا والإنضواء في قلب الدولة؟ هل ينتهي مبرر وجود 14 آذار؟

إننا نحلم. مشروع “حزب الله” أكبر من لبنان ومن الدولة اللبنانية. والملل الذي قد نشعر به قد يكون طبيعيا نظرا لكثرة الأحداث التي تمر أمامنا، وحين يكثر الحراك قد تكثر الأخطاء. ثمة أخطاء ارتكبتها قوى 14 آذار. ثمة عشرة أعوام يا عالم مرّت. ثمة زمن. ومن يعترف بآثار الزمن وبلحظات الإنكسار وبالأخطاء المتتالية يخسر. وواجب 14 آذار اليوم التعامل مع الزمن، مع تفاصيل عشر سنوات، وضخّ ما يُشبه إبرة الإنعاش في رئات شعب الثورة… فماذا في ترتيباتها ليوم 14 آذار؟

الياس أبو عاصي، أمين عام حزب الوطنيين الأحرار وعضو الأمانة العامة في قوى 14 آذار، يتكلم عن تمسك ثوار الأرز بمسلّمة، لم ينزاحوا عنها يوما ولن ينزاحوا: “العبور الى الدولة” وهو مدرك أن دون تحقيقها عقبات كثيرة ويشرح: “ثمة مشروع خطير يواجهنا هو مشروع الدويلة معطوفا على مشروع إقليمي بزعامة إيران والنظام السوري. ورهاننا في 2015 سيبقى: الدولة”.

الدولة ثم الدولة ثم الدولة. هذا هو نداء ثوار الأرز لكن، في المقابل، هناك من ينجح دائما، من الميل الآخر، في تقويض أسس الدولة ونسف ركائزها، وهذا قد يكون سببا في ذاك الشعور بالوهن الذي بدأ يُصيب الكثيرين ممن صنعوا الثورة ميدانيا. والحل؟ هل من حل؟ يجيب الياس أبو عاصي: “السياسة فن الممكن و14 آذار لم تُقصر يوما بالنسبة لثوابتها وأهم ما يمكن أن تفعله وتجدد به العهد في 2015 هو أن لا تترك المغامرين ومن يراهنون على متغيرات إقليمية ينفذون مشاريعهم” ويستطرد: “الإستحقاقات في 2015 باتت كثيرة. طواحين الموت في المنطقة تتسع. ونحن مؤمنون اليوم أكثر من أي يوم أن لبنان لا يمكن أن يكون إلا بإرادة كل اللبنانيين، لهذا نناشد “حزب الله” دائما العودة الى الداخل اللبناني”.

في كل مرة نتكلم فيها عن 14 آذار يأخذنا الكلام الى لبنان- الدولة- الوطن- الغد. يمكننا إذا أن نقول أن 14 آذار تعادل لبنان الدولة وغيرها يعادلون الدويلات؟ سؤالٌ جوابه فيه. سؤالٌ آخر يطرح: هل قرأ الدكتور أبو عاصي في اقتراحات “أصدقاء” الأمانة العامة لقوى 14 آذار ردا على سؤال: ما هو 14 آذار الذي يريدون؟ يجيب: “وردتنا اقتراحات كثيرة، أكثر بكثير مما تتصورين، ونحن بدأنا في تنظيم ورش عمل تؤكد على ضرورة تفعيل 14 آذار. في كل حال كان هناك ما يُشبه الإجماع، بين الإقتراحات، على اعتبار 14 آذار ضرورة ووجوب تقوية التنسيق والتعاون بين كل أعضائها”.

كل الهيئات مدعوة إذا للمشاركة طوال الأسابيع المقبلة في ورش العمل التي تنظمها 14 آذار. لكن ماذا عن الإحتفال الكبير، في اليوم الكبير، في 14 آذار؟ هل سيعقد في البيال؟ في البريستول؟ في ساحة الشهداء؟ لا شيء نهائيا بعد في هذا الخصوص، لكن ثمة ترجيحات تشير الى إمكانية أن ينعقد هذه السنة في البريستول نظرا الى رمزية المكان. ماذا عن التفاصيل المحيطة؟ ماذا في التفاصيل التي لا تُحكى رسميا؟ مصدر مقرب من 14 آذار يتوقف عند مدلولات المؤتمر الدائم للسلام الذي سيسبق 14 آذار، في السابع من الشهر، برئاسة سمير فرنجية، أستاذ الأمانة وعقلها، مرفقا هذا الأمر بسؤال: هل هو إخفاق 14 آذار ما جعل سمير فرنجية يعيد إحياء هذا المؤتمر الذي ولد قبل قرنة شهوان؟ هل هو عجز 14 آذار عن مواكبة تطلعات من صنعوا الثورة سبب إحياء هذا المؤتمر؟ سمير فرنجية طالما ردد في الآونة الأخيرة: “يفترض بنا أن نضع وبسرعة رؤية للبنان السلام. قوة لبنان في هذا. وعلينا أن نبادر اليوم مثلما فعلنا أمس، في العام 2005، يوم استعدنا بالقوة إستقلالنا”. هذا دور 14 آذار كما يراه سمير فرنجية. في كل حال من يتابع سمير فرنجية داخل أبواب الحوار المغلقة يعلم مقدار الثورة التي تعوم في داخل هذا الرجل. وهو، بحراكه الجديد، يريد أن يُثبت أن السلام يبقى أولوية.

ثورة الأرز ترفع من زمان الشارة البيضاء، شارة السلام، لكن من دون أن تتنازل. هو السلام المشروط إذا بالحق والعدل.

نعود لنسأل: ماذا عن تفاصيل التحضيرات ليوم 14 آذار 2015؟ يجيب المصدر: “أرسل الدكتور فارس سعيد كتابا الى القوى السياسية المنضوية في إطار ثورة الأرز من أجل إعداد ورشتين تحضيريتين يُبنى على أساسهما فحوى مؤتمر 14 آذار على أن يكون من شقين: وثيقة سياسية تؤكد على الثوابت. وشق آخر يتعلق بإمكانية الإتفاق على الخروج بتصوّر عملاني. وفي هذا الإطار ثمة سعي من أجل انتزاع إنشاء مجلس وطني. ومن شأن هذا إعادة تفعيل دينامية داخل 14 آذار”.

منذ لحظة إنسدال ستارة ذكرى 14 شباط بدأ العد العكسي ليوم 14 آذار، والكل، في هذا، على يقين أن الإكتفاء ببيانات ما عاد مقبولا. ثمة ضرورة بالغة اليوم من أجل إعادة وإنتاج وتطوير وضعية سياسية مختلفة عن 2005. في كل حال بدأت سلسلة “خلوات” مذيلة بتوقيع أمانة 14 آذار العامة هي استباق تمهيدي لليوم الكبير.

هو يومٌ حقا كبير لكنه يحتاج الى أكثر من “جمهرة” و”لقاء”. إنه يحتاج الى حثّ شعبي مقترن بخطوات تطبيقية والى هدير القادة من جديد يحثهم على الثبات في الموقف وعدم القلق من كل التهديدات بداعش وحالش. إنهم بحاجة أن يسمعوا كلاما يُشبه ذاك الذي قاله سمير جعجع وفيه:  “يا أبناء ثورة الأرز كونوا دائما مستعدين، متأهبين، إن ثورة أرز جديدة بانتظاركم. كونوا مستعدين لأنكم الصخرة التي يُبنى عليها لبنان الجديد”.

يبقى أنه في 14 آذار 2015 علينا أن نتذكر ما أنجزناه منذ آذار 2005. تتذكرون؟ ثمة من يهز برأسِهِ الآن، في هذه اللحظة، مرددا: نريد ما هو جديد. صحيح، نريد خطوات جديدة وحراكاً جديدًا مستمرًا، لكن لا ضير أن نستذكر في ذكرى عاشرة ما تحقق بفعل التضافر: حققت 14 آذار خروج الجيش السوري من لبنان. وتأمين دعم المجتمع الدولي لاستقلال لبنان. وتكريس الديموقراطية كفكرة وممارسة من خلال ثورة سلمية لم تعرف كل المنطقة مثلها. وتعبيد الطريق أمام قيام المحكمة الدولية. وتصحيح العلاقات الدبلوماسية بين لبنان وسوريا لأول مرة منذ الإستقلال. إنجازات بالجملة يتربع عليها واحد: يقيننا نحن أننا قادرون على التغيير الكبير وتحقيق الإنجازات الهائلة إذا تحلينا بالثقة ببعضنا أولا وبأنفسنا.

لا نتكلم على نسق “أبو ملحم” لكننا نسرد التجربة الرائعة التي أنجزناها في 2005. كانت حقا رائعة. وفي عشرة أعوام شعرنا، نعترف، بكثير من الوهن، وهذا طبيعي، لكننا مثابرون، مستمرون، متابعون، فشعب ثورة الأرز لم يعتد على التراجع في نصف الطريق. أتراهنون؟ نراهن…

14 آذار متى؟

في 14 آذار 2005 لم يكن أحد يتوقع أن يحصل 14 آذار. ثمة 14 آذار جديد سيولد من رحم التجربة المستمرة في لحظة غضب جديدة وثورة متجددة.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل