
هي الحياة دائماً بحضرة الموت دائماً وأبداً، مات المطران فرنسيس البيسري، وقف أسير سياسي سابق بإجلال لذكرى الرجل، لم يقل فيه الكثير، انما القليل الكثير الكافي من لغة القلب ومعنى الوفاء لرجل دين ورجل موقف في زمن كان الموقف الحق حكماً بالاعدام، والكلام في الحرية جريمة، والاحرار آفة المجتمع، وكاد أن يكون الدين أكبر تهمة بالعمالة ليسوع!
“دكتور سمير جعجع بريء وأنتم مذنبون باعتقاله”، قالها مرّة المطران علناً وعلى مسامع الاجهزة الامنية التي كانت الحاكمة المتحكمة بلبنان وشبابه، ولم يخش يوماً لا اعتقالاً ولا موتاً، حسبه الحق والحقيقة وكرامة شعبه، وكان يزور سمير جعجع في زنزانته مرة كل شهر، متخطياً كل العقبات والمراقبة والنظرات الحادة التي كانت تواكب زيارته للحكيم، ولكنه ورغم كل ذلك، كان يصرّ على “ارتكاب” الزيارة ليطمئن الى أحوال الأسير انطلاقاً من ايمانه ببراءته وبحقية قضيته وقضية الشعب المسيحي عموما في ظل ذاك الاحتلال الاسود.
كان عندما يجالس الحكيم، مكبّل الكلام وممنوع عليه التفوّه الا بالصلاة وما شابه، لكنه كان يوصل رسائله كاملة على طريقته، ويتلقاها الأسير بعينيه وقلبه وايمانه. تحرر الاسير بعدما كان أسر الاحتلال في زنزانته، ورحل المطران البيسري، وقف الأسير الذي صار مرشحاً لرئاسة الجمهورية لكنه لم ينس لحظة شعباً وقف خلفه ينده على حريته ومطران نقل له اشعاع الحرية والامل وهو بالكاد يتكلم، قال الحكيم للمطران: “كنت إنطر الموعد الشهري معو بالزنزانة، كانوا ينبهوه حتى ما يحكي شي من خارج اطار هدف الزيارة، أي الصلاة والمناولة والى ما هنالك، بس دايما بوجّو وبعيونو كان يحكي كل شي وكنت أقرا بوجهه ما هو أبعد بكتير من الكلمات. كنت حسّ بمحبتو وعاطفتو وبتأثره وبتعاطفه، كنت حسّ بس يجي لعندي بجرعة كبيرة من التفاؤل والامل والمستقبل، وكل هالشي من دون حكي ولا أي كلام. أقصى تمنياتي انو يكون الان حيث يجب أن يكون بين إيدين ربّو مستريحاً فائقاً في النعمة متل ما كان يتمنى كل حياتو. الله يرحمك سيدنا لأنك بتستاهل كل رحمة، وما تنسى تضلّ تطل علينا خصوصاً هلأ لان ما بقى في عنّا حرّاس وانت هلأ حر وإيديك مطلقتين وفيك تحكينا يللي بدك اياه وتسمّعنا كل الوقت كلمات… مش متل باقي الكلمات”…
.jpg)
تلقى المطران كلمات الحب تلك، ابتسم ولم يتكلّم كعادته، قلبه عيناه صلاته هم كل الابجدية، هو من وقف ذات مرة عل باب بشري وصرخ في وجه الرئيس الياس الهراوي على مسامع الضباط السوريين الذين كانوا برفقته: “إخلع نعليك من رجليك فالأرض التي تطأها مقدّسة وما حملت السلاح إلى زوداً عن الحرية ولا قاتلت إلاّ دفاعا عن لبنان”…
وكما قال الحكيم، أنت الآن مطلق اليدين ووطننا من دون حرّاس، علّك تتوسّط فوق لمن يطلق لبنان من أسره ويأتمن عليه حارساً فيه ما يكفي من عبق الله والكرامة، فيه ما يكفي بعضاً من حرّاس السماء يا سيدنا.
