#adsense

“سجون وساحات”: بين المطران البيسري والحكيم… “إبقَ كما أنت”

حجم الخط

من أرشيف “المسيرة” العدد 1415: كان الجليس الاول والدائم للحكيم هو الرب يسوع في سرّ القربان ومن بعده كان سيادة المطران فرنسيس البيسري. هكذا عرّف المطران بتجربته الفريدة مع السجين السياسي الوحيد في لبنان والذي جعل من زنزانته سماء، ومن اعتقاله سلطة وسطوة، افقدت السجّان صوابه.

وحده تمكّن ومنذ اليوم الأول والمواجهة الأولى ان يلتقيه وجهًا لوجه من دون حاجز زجاجي. وحده تمكن من مصافحته وتقبيله قبل ان يباشرا طقوس الزيارة المقدسة: بداية الإعتراف ثم المناولة ثم الحديث والارشاد، وبعد 20 دقيقة الى نصف ساعة بحسب مزاج السجّان يحين وقت تحميل السلامات والتحيات الى الأحباء في السجن المفتوح، حيث كان اللبنانيون يعيشون وهم الحرية في ظل الوصاية السورية… وما زالوا يتوهمون.

عن عمر أمضاه معه في نحو 66 ساعة تحدث المطران البيسري وكشف ما كان من أسرار بين مطران وحكيم.

            *********************************************************

 

كتبت أوغيت سلامة:

 بمعدل نصف ساعة كل شهر وطيلة 11 عامًا ونيف، خاضا معًا جولات في الايمان، في الفلسفة، في أمور الكنيسة وهموم الرعية وتفاحات بشري وموسم الكرز والاجاص… في مواضيع كثيرة الا السياسة،  “ففي كل زيارة  كان يقف عسكري يراقبنا ماذا نفعل. يرصد حركتنا. سألني مرة مدير السجن “قل لي بماذا تتكلمان انت والدكتور؟” فقلت له “ولوّ كل شي في آلات تنصّت علينا وعم تسألني شو منحكي؟”.

هكذا هو، يقول كل شيء حتى المُحرِج والجارح من دون أن يزعل منه أحد. “كنا حذرين  لا نتناقش الا بالعموميات” من دون حتى ان يحاولا تضمين العموميات رسائل مشفّرة كي لا تستعمل ذرائع ضدهما لوقف الزيارات الشهرية، زيارات كان يستمتع بها المطران بقدر ما كانت تعني الكثير للسجين التوّاق الى جسد الرب ورُعاته الصالحين كما المطران البيسري. فالدكتور سمير جعجع هو ابن رعية البيسري، اي بشري التي امضت طيلة اعوام المحنة جاثية تحت أرز الرب تصلي لابنها البار ان يصمد. فوق السماء قريبة، والصلوات تُسمع… وتُستجاب.

  21 نيسان نفّذ الأمر واعتقلوا الدكتور جعجع يروي المطران ” كان الظلام يخيّم مع ان المسيح قام من بين الأموات واحتفلنا بذكراه.. نودع الشتاء والثلج والبرد… فاذا بخبر ينتشر في جبة بشري كلها، يحاصرون الحكيم يهمّون باعتقاله… الكل كان مرتبكاً والوجَل يسيطر اما انا فكنت أردّد “إضرب الراعي تتبدّد الرعية”.

وأنا أراقب وأسمع الوشوشات رحت أقرأ هذه الكلمات: ساعات معدودة ويلقى القبض على يسوع. تصميم سري مدبر باعتناء… لقد علم ان كلماته واعماله أثارت سخط رؤساء الشعب وشكّهم… هو شخص يقوِّض سلطتهم يجب العمل على موته.

إجتمع الكل في أحد بيوت بشري وقررّنا الا نتركه. حينذاك كثر نزلوا الى بيروت وعدت أنا الى الكرسي البطريركي في الديمان.

لكن هل كنت تعرف الدكتور جعجع ام واجب الرعية هو الذي وضعك في طريقه الجلجلة؟

 يرد المطران “سمعت عنه قبل أن التقيه وأعجبت به عندما قرأت له مقابلة في صحيفة “العمل” فوجئت بكمّ المضمون الفكري فيها، وعرفت أنه متأثر بتيار دوشاردان فأكبرت عند رجل السياسة هذه الثقافة. بعدها قصدته ذات يوم الى القطارة فوجدت أنه حوّل مكتب قيادته العسكرية الى مكتبة وأنه زوّد معسكره بأحد الرهبان الفاضلين لإرشاد الشبان ومواكبتهم روحيًا. تفاصيل لا يتوقعها المرء وهو في طريقه للقاء رجل حرب!

“كنت محبوسًا فزرتموني”، جملة يرددها المطران كلما تذكر السجن، لكن لماذا كلف هو بالزيارة ؟ لا يكفي أن يكون راعي أبرشية الأرز والجبة وبشري ليحمل صليبه كل شهر وينزل بسنينه الوقرة الى وزارة الدفاع وينتظر في مكتب السجّان ليسمح له بمواجهة إبن رعيته. اي كاهن كان يمكن أن يؤدي هذه المهمة.

 

ينشرح صدر البيسري عندما يروي الأحداث تلك اللحظة. “في أول اجتماع للمطارنة برئاسة السيد البطريرك عولجت قضية الدكتور سمير جعجع . وافق الجميع السيد البطريرك والسادة الأساقفة على أن زمرة قيافا… ساقوه وسلموه الى الحاكم وحكم عليه. وهل جعجع وحده الذي كانت له ميليشيا؟ وهل هو العدل أن يكون أمثاله في الحكم وهو في ظلمة السجن؟”.

ووقعت القرعة عليّ أن أزوره وأسهّل ليسوع أن يزوره مرة في الشهر. وكانت الزيارة الأولى في يوم من أيام تشرين كالراعي الذي يزور خرافه.

الزيارات كانت تقويه، يسوع في سرّ القربان، وزيارة الشخص الأحب على قلبه زوجته ستريدا. قلت لها مرة وهي تتحضر للانطلاق الى الوزارة للقاء الحكيم ” قبّليه عني؟” فدمعت عيناها وقالت “يا ريت فيي”. نسيت حينها انني الوحيد الذي التقيه من دون الحاجز الزجاجي.

أشكر الرب أنه أعطاني نعمة هذه الرسالة طيلة تلك السنوات، حققت معها شعار أسقفيتي أن أذهب الى المؤمنين حيث هُم.

على مدى عشر سنوات عبدو ابن اختي كان يقود بي الى اليرزة، ندخل بوابة الوزارة، نمشي خلف العسكري، أدخل لزيارة مدير المخابرات أرتشف فنجان القهوة ثم أجتاز السلالم كالغزال. بعد السنوات العشر زودوا المقرّ بمصعد وكنت أحتاجه فعلًا بعدما أثقلت السنين كاهلي.

 كان معي أينما سافرت وحللت في رعايانا في بقاع الأرض، من أستراليا الى أوروبا وأميركا، أنى ذهبت كان الشباب القواتيون يلتمون من حولي يسألون” كيف الحكيم؟ كيف تجده كل مرة؟ قوي؟ صامد؟ صحته كيف؟… وكان هذا يحملني مسؤولية أكبر بعد لأن الشباب يعتبرونني جسر عبور لهم اليه. فالشباب هم بؤبؤ عينه هو ايضا يسأل عنهم هل يجدون أعمالا؟ هل ما زالوا يهاجرون؟.. سنرى، تُفرج!!”.

وغبطة البطريرك صفير هل كنت تلاحظ تعاطفا خاصًا منه تجاه قضية الدكتور جعجع؟

 غبطته لا يتعامل بالعاطفة بل بالعقل والفكر، وفي كل مرة كنت اعود من وزارة الدفاع أقابل غبطته لأنقل خضوع الحكيم البنوي لغبطته وشكره على حمل قضيته واهتمامه بأحواله.

بعد الزيارة الأولى سألني غبطته عن غرفة الحكيم وهو سؤال موّحد لكل من كان يلتقيني. فقلت له اني اقابله في غرفة غير غرفة سجنه لكني لم أره مرة مغلل اليدين بل حرًا طليقا كما النسر. فرد غبطته وأخبرني هذه الرواية: تماما كما كنا في الأكليريكية نقابل أهلنا في قاعة الانتظار ولا يعلمون كيف نعيش في الداخل. عندما أوصلني والدي الى الاكليريكية بات فيها وودعني في اليوم التالي والدمع في عينيه. بعد سنوات سألته لماذا بكيت يومها؟ قال: شوربة العشاء كانت شفافة كالماء العذب فقلت في نفسي يا ولدي كيف ستعيش هنا؟

أنت رافقته من بداية الطريق هل لاحظت تبدلا لدى الحكيم خلال السجن؟

    الشجاعة هي عنوان الحكيم والصمود هو ان أن تقف متحديًا العاصفة، الهروب ممنوع وهذا ما فعله هو.  قال لي منذ التقيته ” دخلت السجن واعتبرت في تلك اللحظة ان هذه الزنزانة هي بيتي وعالمي الفسيح”. ليس سهلا ان يعيش انسان وحده وحده طيلة 11 عاما!! مع ذلك عندما سألته والدته ماري مرة: كيف تمضي وقتك؟ رد عليها: الوقت لا يكفيني. بالفعل كان تفكيره يأخذ كل الوقت المتبقي بين زيارات المحامين وزوجته ستريدا والرياضة. فالوقت خلق له وهو يتحكم به. غريب هذا الانسان مذهل!!!

عشت معه كل الاوقات العصيبة هل كنت لتفكر انذاك انه يمكن لهذا الرجل ان يعود ويلعب هذا الدور؟

حقيقة أمر هذا الرجل غريب. لم اكن افكر ولا للحظة بهذه النهاية.

 

بأي قوة إنتصر على سجّانه؟

 بقوة الذي يقويني. بقوة يسوع. هكذا كان يردد وهو في أسره.  حتى بالسياسة يتعاطى سمير بطوباوية غير مقبولة في السياسة.

قربك من الحكيم هل كان يحرجك أمام المطارنة والاصدقاء؟

لا لا ابدًا. لا بل ان قربي منه ساعدني بالتواصل مع البشرانيين فهم “صعبين” وربما الله سمح أن أكون قرب الحكيم في سجنه حتى يكونوا هم بالتالي قريبين ومتعاونين معي كراع للابرشية. كل المنطقة قوات وهذا ما ساعدني وسهّل مهمتي الكهنوتية.

إذا طلبنا منك اليوم كلمة للدكتور سمير جعجع ماذا تقول؟

أقول له إبقَ على ما أنت وقوّي ثقتك بربنا وبالناس.


*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ 4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية. 

 مقالات ذات صلة

إلى قرنة شهوان يا صديقنا معالي وزير الصحة!

إلى قرنة شهوان صعد الوزير أبو فاعور في الليل

 

مسيرة المطران البيسري من القنات إلى الديمان

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل