
هذه ليست جمهورية ولا هي ذاك الوطن الحلم، انتهى الشعر، انتهى من زمان، وكل اشارات النهاية صارت دلالات فاقعة، بصمات مدوّية على نهاية ذليلة مزرية فاحشة.
انتهى الشعر في الوطن الزاحف بجنون الى اللاوطن، وهذه المرّة الدلالات ليست من السياسة والسياسيين وحكم الميليشيا وتحكّم الاغراب واستعباد الاغبياء وأشباه الرجال، هذه المرّة المدخل من الثقافة، من رجالها، ممن تبقّى منهم في جمهورية اللاثقافة، جمهورية الجهل والجهلاء حيث صار المثقفون المبدعون فيها من التاريخ وهم بعد أحياء يرزقون، في قلب الحياة وينبضون موتاً، ريمون جبارة واحد منهم.
أكبرهم دلالة على موت وطن ريمون جبارة المخرج المسرحي المبدع، صاحب التاريخ الفني المشرّف، الاستثنائي الموهبة والثقافة والسخرية المرّة التي تتحاور فيها الضحكة العالية مع الدمعة السخية، ذاك الرجل الذي غرف من الثقافة العالمية ومن الادب العالمي بحوراً وحاول أن يجعلها رسالة مسرحية مبسّطة عابرة للثقافات وتقديمها لشعب، تبين لاحقا أن نصف هذا الوطن على الاقل لا يؤمن بالثقافة انما بالموت، لا يهمه لا مسرح ولا سينما ولا أدب ولا غناء ولا رقص، انما سياسة التدمير المعنوي المنهجي الثقافي الانساني لكل ما يسمى الجمهورية، لتحيا الانا فيه ولتحيا غير جمهوريات وليتحوّل ريمون جبارة وأمثاله، الى هوامش غير ضرورية في دفاتر الوطن، ومن يحتاج اساساً الى الهوامش أمام المصائر والاستحقاقات “الوطنية” الكبرى؟!
ريمون جبارة الذي ملأ المسرح من اسلوبه وثقافته وعلمه وحضوره وحركة ممثليه، أصبح منذ سنوات أسير كرسيه، ورغم صعوبة الكلام والحركة بقي مفعماً بالحياة، يواجهها، يتغلّب عليها، يتحايل على زمنه، يبتسم وهو يبكي، يصافح وهو ينسحب، يحضر ما أمكن له من نشاطات ثقافية محدودة لان ثمة متابعين له لا يريدون له الظلال، يذكرونه بكل خطوة مماثلة، ينشدون حضوره ليس لانهم كبار فقط، وان كانوا كذلك فعلا، لكن لان وجود ريمون جبارة اضافة لكل شخص، لكل مسؤول، لكل حدث، للوطن المغيّب الذي شاح وجهه بعنف عن وجه كباره وعن معاناتهم.
ريمون جبارة أنت الذي حوّلتك تلك الامة الى لا شيء في مفكّرتها، لست الاول، سبقك كثر ممن يشبهوك من الكبار، ولن تكون الاخير، لان مفكرة هذه الوطن الان تعجّ بالصغار، بالصغار أيها الكبير من بلادي، هؤلاء ما غيرهم الذين ينتدبون بالقوة علينا، يستعبدون أماكن الكرامة فينا، يدخلون الينا ثقافات الموت وبصمات النعيق، ويمشون فوق أرضنا برناجر الغرباء، انت حزين ونحن ندعوك الا تفعل، أنت أسير المكان تغبّ الدخان كمن يشرب الماء ونعرف جيدا انك تريد الانعتاق والرحيل من أرض الشياطين تلك، لا أحد يمكنه أن يمنعك ولا يستطيع لأن هنا فقط أنت تعيش الحرية، وهذا منطق غريب لكنه حقيقي.
نتمنى لك الشفاء؟ بسخرية نجيب بنعم ونعرف أن الجسد ولو شفي، كل ضمادات الارض لن تشفي روحك الجريحة، ليس بالضرورة أن نفقد عزيزاً لنعيش ألم الفراق، ثمة وجع أكبر بعد، أن تفقد الروح وأنت حي، هذا ما فعلوا بريمون جبارة وبكل كبار هذا الوطن.
ريمون جبارة على فراش المرض، زاره وزير الصحة وتولت الوزارة علاجه، عظيم، لكن عبَر الزمن على ذاك الاهتمام ولا علاقة للوزير الحالي بالامر بالطبع، يبقى أن يعبر الوطن في ابداع هؤلاء علّهم ينزلون عن رفّ الغبائر ويدخلون من الهامش الى قلب التاريخ، لانهم هم هم تاريخ الوطن وليس أنتم يا انذال التاريخ…
مقالات ذات صلة:
إلى قرنة شهوان يا صديقنا معالي وزير الصحة!
إلى قرنة شهوان صعد الوزير أبو فاعور في الليل
