
تكثر النظريات والمناظرات في الايام القليلة الاخيرة عن الدستور والعودة الى الدستور لتسوية اشكاليات صلاحيات الحكومة وآلية ممارسة صلاحيات رئيس الجمهورية – وتتراوح الصيغ وتعقد المؤتمرات واللقاءات والحلقات التشاورية – واخرها بالامس لقاء الاربعاء النيابي المعتاد لدى رئيس مجلس النواب الاستاذ نبيه بري الذي شدد امام زواره على ضرورة تطبيق الدستور ولا سيما المادة 65 منه.
اولاً: اننا مع تطبيق المادة 65 واي مادة من مواد الدستور – ذلك الكتاب (كما وصفه يوما الرئيس الراحل فؤاد شهاب) يبقى هو الفيصل بين اللبنانيين كما بين المؤسسات وهو ضمانة النظام برمته. فأمام صراحة النص لا مجال للاجتهاد على ما يقوله المبدأ القانوني الشهير، فأول ما هو مطلوب من البعض ان يعيد الى الدستور حرمته و عود عن اعتباره وجهة نظر. وقد حفلت ممارسات قوى “8 اذار” مع الاسف طوال الاعوام الماضية ولا سيما منذ العام 2005 بالعديد من الممارسات التي ضربت عرض الحائط بالدستور والنظام الدستوري والمبادىء الدستورية .
ثانياً: ان الدستور واضح في العديد من المفاصل الوطنية والمؤسساتية، وبالتالي هل نذكر السادة نواب قوى “8 اذار” ولا سيما نواب “حزب الله” بمقدمة الدستور بكون لبنان وطناً سيداً حراً ومستقلاً ونهائياً لجميع ابنائه، وبأن لبنان عربي الهوية والانتماء وجمهورية ديمقراطية برلمانية يكون فيها الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة لا حزباً ولا مذهباً ولا طائفة ولا اجندة خارجية اقليمية او دولية، وان الغاء الطائفية السياسية – الذي كان اساسا موجها ضد الموارنة – استبدل بطائفية سياسية افظع باتت تعرف بالحالة الشيعية السياسية التي باتت تحمل في طياتها ليس فقط مجرد صلاحيات دستورية فائقة بل واكثر من ذلك صلاحيات عسكرية وامنية وحربية وسيادية ضمن الدولة وعلى حساب امنها وسيادتها وعسكرها…
وماذا نقول عن المادة 7 من الدستور حول مساواة اللبنانيين في الحقوق والواجيات وامام القانون وفريق “8 اذار” مدعوماً من “حزب الله” لطالما مارس و يمارس السوبر قانون والسوبر مواطنية ويفرض بالنهاية ما يريده، حتى بالقوة اذا اقتضى الامر …
ثالثاً: ان الدستور واضح في مادته 49 لجهة ضرورة انتخاب رئيس للجمهورية بالاقتراع السري كل ست سنوات… فماذا فعل الحزب وحلفاؤه الى الآن لتطبيق هذه المادة؟ يا ليتهم ينكبون على دراسة آلية تطبيق هذه المادة بدل التلهي بايجاد آليات للتحايل على المادة 65 التي لا تحتاج الى اليات وهي واضحة تمام الوضوح متى ما صفت النوايا والمقاصد الوطنية وارتقت المسؤولية الوطنية الى ارقى درجاتها…
ان ارادوا تطبيق الدستور فليبدأوا بتطبيقه بانتخاب رئيس للجمهورية ولا نقول تعيين رئيس للجمهورية لان رأس الدولة يختاره الشعب بالانتخاب البرلماني له لا المسؤولون والسياسيون ورؤوساء الكتل – مهما تعاظم شأنهم… افليس غريباً في زمن الكلام عن تطبيق مواد الدستور ان يستمر تغييب الرئيس الذي يوليه الدستور مهام السهر على احترامه؟
رابعاً: ان الدستور كل لا يتجزأ ووحدة قانونية وسياسية غير قابلة للتجزئة ولا للتفسيرات المتناسبة مع قياسات المصالح الفئوية والحزبية والطائفية والمذهبية… فالكتاب واجب التطبيق والاحترام كما هو وكما نص عليه – واذا كانت المادة (62) قد اناطت بمجلس الوزراء وكالة – صلاحيات رئيس الجمهورية في حالة خلو السدة الاولى. فإن النص الدستوري لم يقصد جعل الخلو سبباً لقلب الدستور والنظام وتغييب رئيس الدولة – والاستغناء عن الرئاسة الاولى – بل ارادها مرحلة انتقالية غير طبيعية واستثنائية – لا يجوز ان تبنى عليها صيغ وطروحات من شأن اعتمادها القضاء على دور واهمية ومفصلية وميثاقية مركز رئاسة الجمهورية…
فالكتاب واحد مفترض لشعب واحد ودولة واحدة… فمن يريد تطبيق مادة من مواد الدستور عليه في المقابل ان يقبل تطبيق سائر المواد … وما اكثرها احتواء على قيم ومبادئ غنية في صون وحدة واستقلال وسيادة الدولة والديمقراطية وقرارات الحرب والسلم والسياسة الخارجية والحياة المؤسساتية المعطلة اليوم بفضل من يتكلم عن الدستور وعن تطبيق مادة من مواده…
