
إفتتاحية “المسيرة” العدد 1497: ما يحصل للمسيحيين في المشرق، من الموصل وسهل نينوى مروراً بشاطئ طرابلس الغرب في ليبيا، وصولاً إلى الأشوريين في الحسكة السورية، لا يستدعي إدانة لـ”داعش” فحسب، بل إدانة للعالم المتفرّج على إلغاء، أو على الأقل، محاولة إلغاء مجموعات دينية بل حضارية من المنطقة التي ولد فيها المسيح وبشّر وصلب وقام، وشكّلت المهد الأول للمسيحية مع الرسل الإنجيليين.
والإدانة الثالثة للأنظمة القمعية الخبيثة التي استولدت وحضنت ورعت الإرهاب التكفيري، بتسلّطها وضربها الحريات واتباع نهج الإلغاء والتنكيل الدموي. وهذا يذكّرنا كيف تحوّلت فتح الإنتفاضة التابعة للنظام السوري فجأة إلى “فتح الإسلام”، وكيف جاء شاكر العبسي من إيران وعبر سوريا ليقود حرب نهر البارد في وجه الجيش اللبناني قبل أن يعود ثانية إلى سوريا، وكيف أن السيد حسن نصرالله اعتبر في حينه أن البارد خط أحمر!!!
أجل إن هذا “الداعش” من ذاك النظام!
وبعد.
لقد آن الأوان لوضع حد لهذا التعامي ولتحويل الحرب على “داعش” بالطائرات والمناظير، إلى حرب فعلية تقضي على السبب والمسبّب في آن واحد.
إن التفشي السرطاني لـ”داعش”، إن دلّ على شيء، فعلى نوع من التوافق الضمني على إبقائه بُعبعاً في خدمة المزيد من المذهبة للدولة في العراق، حيث الميليشيات الشيعية تخوض المعركة إلى جانب الجيش العراقي، بينما الحرس الوطني في خبر كان. كما يدلّ على أن النظام السوري هو المستفيد الأول، إذ إنه ينصرف عن مواجهة “داعش” بجدية لصالح قتال المعارضة المعتدلة أو الأقل تطرفاً من “داعش”.
وإذا كانت إسرائيل غير منزعجة كثيراً من المعادلة القائمة، والأميركيون بدورهم يرون في الصراع المذهبي ضمانة لاستمرار تخويف الحلفاء وبيعهم السلاح والمظلة الأمنية لاسترداد تكلفة استيراد النفط، فإن الإيرانيين ومعهم “حزب الله” يجدون في “داعش” أفضل مبرر للطموحات التوسعية الفارسية تحت عباءة الولي الفقيه وشعار التصدي للإرهاب، كما أن روسيا تجد نفسها أمام فرصة تثبيت حصة أكبر لها من قالب الحلوى في الشرق الأوسط.
وبعد.
الأشوريون في الحسكة بين مخطوفين ومذعورين ومنكوبين ونازحين. وهم في الأساس أبناء طائفة صغيرة نالها ما نالها في السابق من مجازر في الحرب العالمية الأولى وفي العام 1933 في العراق، وقبلها على مدى قرون طويلة.
بعد مذبحة الشبان الأقباط في ليبيا، الأشوريون المخطوفون أمام مصير مجهول، فإلى متى تستمر درب آلام المسيحيين في المشرق، وهل المطلوب أن يبقوا شهوداً على موتهم وإلغائهم؟!