.jpg)
أجتاح تنظيم “الدولة الاسلامية” مساحات اكبر من بعض مساحات دول المنطقة وبوقت قصير نسبياً وذلك بأعتماده على الحرب النفسية التي اتقنها اكثر من الحرب العسكرية للتأثير على أعدائه وضرب معنويات الدول والجيوش والافراد.
الحرب النفسية هي الأداة التي تستعمل مخطط ممنهج للدعاية والتأثير على اراء وسلوكيات “العدو” للوصول الى الأهداف المرسومة لتحقيق النصر. تستعمل خلال الحروب وزمن السلم على السواء وتستخدم فيها كل الامكانيات المتاحة من التنظيم او الدولة او المؤسسة من اعلام ومال وعسكر حيث تتفاعل هذه الامكانيات وتؤلف قوة ضاغطة على الخصم و تستمر حتى اسقاطه.
لقد عرف التاريخ الانساني منذ القدم اشكال عدة من هذه الحروب وعلى سبيل المثال لا الحصر، إن جنكيزخان استخدم أعداداً هائلة من المقاتلين واجتاح بهم أغلب مناطق العالم، إلا أن الدراسات الحديثة أثبتت أن أراضي وسط آسيا لا يمكن أن تعيل أعداداً كبيرة من السكان في ذلك الوقت والذين بإمكانهم غلبة سكان المناطق المجاورة المكتظة بالسكان، فأمبراطورية المغول بنيت بإبداع عسكري ليس إلا، باستخدام قوات مدربة سريعة الحركة واستخدام العملاء والجواسيس مع الاستخدام الصحيح للدعاية، فقد أشاع المغول أن أعدادهم خرافية وأن طباعهم شرسة وقاسية بغرض إخافة أعدائهم وخفض معنوياتهم. بالرجوع للتاريخ لا يمكننا معرفة من هو أول من عرف التعذيب النفسي ولكن يمكن القول إنه ظهر بصورة مشتّتة. كما ايضاً استخدم نابوليون الحرب النفسية على اهالي مصر إبان حملته عليها حيث استخدم المكر والخداع والارهاب وارسال الرسائل التهديدية.

كما ايضاً نرى القبائل الافريقية القديمة تضع الاقنعة المخيفة خلال مهاجمتها اعدائها وليس من سبب سوى بث الرعب وخلق واقع نفسي يسهّل الانقضاض على العدو بكسر معنوياته اولاً.
كما ايضاً نلاحظ القوات الخاصة تضع الاقنعة السوداء وهو نوع من الحرب النفسية حيث تبث الخوف في عقول العدو الذي تهاجمه، وذلك عبر جهل العدو من هو هذا العسكري وراء القناع وهذا الشيء يؤثر نفسياً في عقل الانسان الذي يتعرض للهجوم.
إن ما سبق ذكره من توصيف للحالة وتاريخ الحرب النفسية بأنها قديمة قدم وجود البشرية في مجتمعات، كل هذه الامور جعلت تنظيم “الدولة الاسلامية” يستعمل هذه الحرب للتأثير على اعدائه ونشرها على نطاق واسع وخصوصاً بوجود مواقع التواصل الاجتماعي التي تنشر الخبر كما تنتشر النار في الهشيم. وهذه الحرب لم تكن ممكنة قبل عشرين عاماً حيث كانت مواقع التواصل الاجتماعي غير موجودة وكان بأمكان أي وسيلة اعلامية ان لا تذيع هذه المواد التي تبثها الفئة المخربة.

أراد تنظيم الدولة أن يوصل الرسالة التالية الى كل الاعداء الذين يهاجمهم قبل الهجوم عليهم ويجعلهم بين خيارين: الموت او الرحيل، وفكرة الاستسلام لم يحددها كهدف انما كإضافة يحصل عليها تلقائياً وهو يحدد إذا كان بحاجة اليها ام لا.
فبدأ بث الافلام التي تصور المشاهد الرهيبة من ذبح وحرق ورجم وصلب وشنق وقطع رؤوس واجبار على القفز من مناطق عالية واعدام بالرصاص ودفن الأعداء أحياء. مما خلق دعاية نفسية اساسها الرعب على كل شعوب المنطقة المحاذية لأماكن الاجتياحات التي يقوم بها تنظيم الدولة. حيث اجتاح في وقت قليل نسبياً مساحات شاسعة في العراق بألاضافة الى عوامل أخرى، ولكن هناك جزء من الحرب النفسية سهّل على “تنظيم الدولة الاسلامية” انهيار مجموعات كبيرة عسكرية وقبلية والفرار من وجه “جنكيزخان” الجديد.
ساهمت الحرب النفسية بترسيخ فكرة “داعش” وانهم المغول الجدد مما دفع المجتمع الدولي ولو متأخراً الى الوقوف بخجل في وجه هذا المد الاجرامي.

أحد الاصدقاء في كندا كتب اليَّ رسالة يخبرني فيها أن ابنته ذات العشر سنوات تعاني من مشاكل في النوم والارق. وبعد استفساره من الابنة لماذا هذا التغيير السلوكي في نظام النوم، أجابته انها بعد مشاهدة فيلم أحراق الطيار الاردني “معاذ الكساسبة” حياً انتابتها هذه الاعراض، فما كان من الوالدة إلا أن اتصلت بالمدرسة واستفسرت إذا كان هناك طلاب آخرون يعانون من ذات المشكلة. وكم كانت دهشة الوالدة عندما علمت أن هناك طلاب تشبه حالتهم حالة ابنتها. أزاء هذا الوضع دفعت إدارة المدرسة الطلاب المتأثرين نفسياً من ارهاب تنظيم “الدولة الاسلامية” الى مراجعة طبيب نفسي مختص.
هذه القصة جرت احداثها في كندا البعيدة كل البعد عن مناطق النزاع في الشرق الاوسط فكيف بالحري هنا في الشرق وعلى مرمى حجر من مناطق العمليات يكون الوضع النفسي لسكان هذه الدول؟
المجتمع الدولي هو مسؤول عن مكافحة هذه الظاهرة كمكافحته الامراض المعدية كـ”ايبولا” مثلاً وما الفرق كلاهما في المحصلة قاتل. عليه ان يضافر الجهود مع اصحاب الاختصاص من أمنية وعسكرية ونفسية الذين يملكون خبرات وليس خبرات اكاديمية عذراً ليس التقليل من قيمة هؤلاء، ولكن سرعة انتشار هذا المرض لا تحتمل التجربة.

على البشرية واجب ايضاً وهو عدم المساهمة كشريك مضارب في حرب “داعش” النفسية إي نشر افلام ووثائق عبر مواقع التواصل الاجتماعي والاذاعات ومحطات التلفزة وكل الصحافة المكتوبة انما القيام بهجوم معاكس بالتعاون مع السكان والمؤسسات المدنية والحكومية ومن الدول جمعاء، تدحض أي رواية لهذا التنظيم المجرم عبر عدم نشرها وإن نشرت عبر ضحدها وتكذيبها وجعلها غير ذي منفعة ولا تؤدي الى النتيحة التي وضعت من أجلها. تكاتف كل العالم هو السبيل الاوحد لتدمير هذا المشروع بالإضافة الى العمل العسكري المباشر وإلا على البشرية أن تدفع اثماناً كبيرة لهذه الظاهرة المدمرة.
للقيام بهكذا حرب معاكسة والربح فيها على المجتمع الدولي أن يستعين بكل الخبرات ومن جميع الدول التي واجهوا فيها افعالاً مماثلة حيث أنهم يدركون كيفية معالجة هذا الأمر ولو على قلتهم.
المعرفة والخبرة وقوة القيادة هم عناصر اساسية لمحاربة هذه الطغمة الاجرامية، البشرية اليوم مطالبة أكثر من أي وقت مضى الوقوف بوجه هذا الارهاب الذي إذا لم تقطع اوصاله سيصل إلى كل فردٍ منا.
