كربجت المفاوضات النووية في مكان ما، فاكتشف وزير الخارجية الأميركي جون كيري فجأة أن إيران تتحمّل مسؤولية إسقاط الحكم الشرعي في اليمن، فيما اكتشف نظيره الإيراني محمد جواد ظريف «إنجازات» الجنرال قاسم سليماني في العراق وقرّر معاينتها مباشرةً!
والواضح من هذه الحركة المتنافرة، أن الطرفين يلوّحان بأوراق الضغط (والنفوذ) التي يمتلكانها: واشنطن تلوّح بفتح بعض «ملفات» إيران من زاويتها السلبية، وطهران تستعرض قوتها الإقليمية وتفلش بعض أوراقها على الطاولة. وفي الحالتين تذكير بحالة مأسوية، حيث يتقاتل الأميركيون والإيرانيون بالواسطة ويتفاوضون مباشرة. والأنكى (والأنكر) من سياسة الولي الفقيه، هي سياسة إدارة مستر أوباما: الأولى تعتمد نهج الأرض المحروقة لبناء نفوذها وتطالب بما ليس من حقّها، والثانية تنخرط في البازار وتعرض التنازل عما ليس لها. والضحية المعروضة للتناتش ليست سوى أوطان وأقوام وشعوب عربية.
ويمكن الافتراض المضاد (السعيد بالمناسبة!) أن يذهب في إجازة طويلة. وهو الافتراض القائل بأن عدم الوصول إلى اتفاق بين الطرفين في آذار المقبل سيعني عودة إلى الاشتباك المباشر، أكان ذلك بواسطة تصعيد العقوبات على الإيرانيين، أو الذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك أمنياً وعسكرياً.
فذلك، على ما تكشفه الحركة المزدوجة للوزيرين كيري وظريف، صار جزءاً من تاريخ مضى، والبديل عنه هو الاستمراء الواضح لقصة القتال بالواسطة والتفاوض بالمباشر.. خصوصاً وأن التقاطع الحاسم تمّ بين الجانبين: إيران تريد قلب الصفحة والخروج من عقوبات أودت بها إلى الإفلاس! والولايات المتحدة تريد حل الموضوع النووي وإعادة وصل ما أمكن من خطوط «تاريخية» قطعتها الثورة وراحت بها بعيداً، وإلى حدود الشيطنة والأبلسة، وما دونهما.
أسوأ ما في هذه الصورة، هو أن الواقع العربي بلغ من التردي مبلغاً صار معه افتراض نتائج سلبية لحركة إيجابية أمراً منطقياً وليس منافياً للمنطق. أي أن اتفاق إيران مع الولايات المتحدة والغرب يُفترض مبدئياً أن يُريح المنطقة ويجنّبها خسائر وحروباً وويلات إضافية كثيرة.. لكن الواقع يقول إنه سيؤدي إلى العكس تبعاً لتسعيره جموح إيران أكثر فأكثر.. ودفعه سياساتها الاستحواذية إلى ذرى أعلى مما هي عليه الآن.
وأسوأ ما في هذه القصة السيئة، هو أن إيران تفاوض لتتصالح مع الأميركيين والغرب، فيما تعرض على جيرانها الأقربين مركب المحن، وتأخذ من الفتنة سبيلاً لمجدها.. وأي مجد؟ وأي بلاء ضرب ويضرب العرب والمسلمين في هذا الزمان