
عندما يتعلّق الأمر بالتغلّب على التعب والنعاس، فإنّ مادة الكافيين تشكّل «الدواء» الأوّل الذي يتبادر إلى أذهان الناس. فكيف تؤثّر هذه المادة في الجسم، وما العمل في حال التحسّس من تناولها؟
أظهرت الإحصاءات الحديثة أنّ مادة الكافيين تُصنَّف من بين المواد الأكثر استهلاكاً عالمياً، خصوصاً أنّها متوافرة في مصادر أخرى لا تقتصر فقط على القهوة كما يعتقد الكثيرون.
المصادر الأساسية
أوضحت اختصاصية التغذية كريستال بدروسيان، في حديثٍ خاصّ إلى «الجمهورية» أنّ «الكافيين موجودة طبيعياً في الأوراق، والحبوب، وثمار أكثر من 60 نوع نبات كحبوب البنّ، وأوراق الشاي، والمتّة، والغوارانا المُستخدَمة لصناعة مشروبات الطاقة، والـCola Nut التي تدخل في تركيبة المشروبات الغازيّة المرتكزة على الكولا.
إذاً تُعدّ القهوة، والشاي، ومشروبات الطاقة، والصودا، والشوكولا، المصادر الأولى التي تمدّ الجسم بالكافيين. فضلاً عن الأدوية المُسكِّنة للآلام، وبعض أنواع العقاقير المخصّص للحميات والمُضادّ للرشح».
الجرعة الموصى بها
وأشارت إلى أنّ «الدراسات الأخيرة بيّنت أنّ الأطفال من سنة إلى 5 سنين يحصلون على غالبية الكافيين من المشروبات الغازية (55 في المئة)، يليها 35 في المئة من الشوكولا، و10 في المئة من الشاي. أمّا المراهقون الذين زاد لديهم معدل استهلاك الكافيين بنسبة 70 في المئة منذ عام 1980، فيستخدمون نحو 25 إلى 50 ملغ من الكافيين يومياً. في حين أنّ الكبار يستعملون نحو 100 ملغ من الكافيين في اليوم».
لكن فعليّاً ما هو المعدّل الموصى به؟ أجابت بدروسيان: «تراوح الكمية المعتدلة لمعظم الأشخاص من 200 إلى 300 ملغ من الكافيين يومياً، أيْ نحو ثلاثة أكواب من القهوة أو خمسة أكواب من الشاي. عِلماً أنّ بلوغ 400 ملغ من الكافيين يبقى آمناً إلى حدّ ما.
لكن لسوء الحظّ يُظهر الواقع أنّ نسبة كبيرة من الناس تتخطّى الكمية المسموحة، ومن بينها خصوصاً لاعبو كمال الأجسام الذين يحصلون على مكمّلات غذائية للكافيين، بالإضافة إلى القهوة، ومشروبات الطاقة، والـEnergy Shot.
أمّا في ما يخصّ المراهقين، فتنصح الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال بعدم تخطّي 100 ملغ من الكافيين يومياً، على أن تكون منخفضة جداً لدى الأطفال بما أنها تضرّهم كثيراً، خصوصاً في حال استبدال الحليب بالمشروبات الغازية. فضلاً عن أنّ مادة الكافيين تخفّف الشهيّة وبالتالي تمنع الولد من حصوله على كمية الطعام الضرورية لجسمه».
وأكّدت بدروسيان «ضرورة التعامل بحذر مع الكافيين خلال فترة الحمل. فهي، على غِرار الكحول، تمرّ في الدم والمشيمة لتصل إلى الجنين. وبما أنها مُنشِّطة، فهي تُسرّع دقّات قلب المرأة وعملية أيضها، لتؤثّر سلباً في الجنين. وصحيحٌ أنه يُفضّل إزالتها نهائياً خلال هذه الفترة الدقيقة، لكن ليس من الخطأ شرب كوب إلى كوبين من القهوة أو الشاي أو المشروبات الغازية في الأسبوع، شرط عدم بلوغ 100 أو 200 ملغ في اليوم».
طريقة عملها
وشرحت طريقة عمل مادة الكافيين في جسم الإنسان، فقالت إنها «تُعتبر بمثابة دواء لأنها تؤثّر في الجهاز العصبي المركزي. فهي تدخل مباشرة إلى الدم وتعبر لتصل إلى الدماغ، فتعمل على هورمونات عدّة في الجسم بحيث تفرز الدوبامين والسيروتونين، وهو ما يفسّر سبب شعور الإنسان بسعادة أكبر عقب استهلاكها. فضلاً عن أنها تزيد الوعي والتركيز، وتُسهّل القدرة على الفهم والحفظ».
وتابعت: «يشعر الإنسان بالكافيين خصوصاً بعد مرور ساعة على استهلاكها، ويخفّ الأمر تدريجاً. واللافت أنّ هذه المادة تبقى في الجسم من ثلاث إلى سبع ساعات، وقد تصل المدّة لدى البعض إلى 14 ساعة.
وهنا نتحدّث دائماً عمّا يُعرف بالـHalf-life: بعد مرور 6 ساعات على استهلاك الكافيين، يبقى نصف الكمية موجوداً في الجسم. لذلك ننصح الأشخاص الذين يعجزون عن النوم بسبب القهوة، بتفادي شربها من 6 إلى 8 ساعات قبل النوم».
مُحفِّزات الحساسيّة
إلى ذلك، تحدّثت بدروسيان عمّا يُعرف بـ «حساسية الكافيين» (Caffeine Sensitivity)، أيْ عندما يواجه الإنسان مجموعة من الأعراض عقب استهلاكه الكافيين ولو بكمية ضئيلة جداً، كالأرق، والتوتر، والعصبيّة، ووجع في المعدة، والغثيان، والتقيّؤ، والاسهال، والدوخة، وتسارع دقات القلب، وارتفاع الضغط، والتبوّل المنتظم، والعطش، والرجفان».
ولفتت إلى أنّ «هذه المشكلة تختلف من شخص إلى آخر وفق عوامل عدّة لا تتوقّف عند الوراثة فقط، بل تشمل:
– العادة: إنّ الأشخاص الذين اعتادوا استهلاك الكافيين يومياً لن يتحسّسوا عليها مقارنة بنظرائهم الذين لم يحصلوا عليها. علماً أنّ الاعتياد عليها قد يُزيل الأعراض مع الوقت في بعض الحالات.
– الوزن: كلما بلغ الإنسان معدّل وزن منخفضاً، تقلّصت كمية الكافيين المطلوبة لظهور أعراض الحساسية.
– العمر: مع تقدّم الإنسان في السن، يبقى معدل الكافيين في الجسم لمدّة أطول.
– التدخين: تبيّن أنّ المدخّنين يتخلّصون من الكافيين بشكلٍ أسرع مقارنة بغير المدخّنين.
– حبوب منع الحمل: تُبطئ عملية تفكيك الكافيين وطرده من الجسم.
– بعض أنواع الأدوية، كالمهدّئات والمُضادّات الحيوية، يؤثّر في عملية التخلّص من الكافيين».
نصائح فعّالة
ولتفادي أعراض حساسية الكافيين، قدّمت بدروسيان مجموعة توصيات:
«- حِساب كمية الكافيين المستهلَكة، سواء من الأكل أو المشروب أو حتّى الدواء، من خلال قراءة أغلفة المنتجات جيداً.
– تخفيف النسبة تدريجاً لتفادي الشعور بالتعب، وآلام العضل، وأوجاع الرأس، وعدم التركيز، والغثيان، والعصبيّة، والكآبة، وفقدان الطاقة.
– يُستحسن البدء بإزالة الكافيين قبل أسبوعين من موعد الصوم تفادياً لأيّ انزعاج.
– الامتناع عن شرب الكافيين من 6 إلى 8 ساعات قبل النوم.
– يمكن الحصول على المذاق ذاته ولكن من خلال المصادر المنزوعة الكافيين.
– نقع كيس الشاي في المياه الساخنة لوقت أقلّ لخفض كمية الكافيين، والأفضل الحصول على اليانسون أو البابونج لخلوِّهما من هذه المادة».
استمداد الطاقة بِلا كافيين
أمّا بشأن مَن يعتقد أنّ تقليص مصادر الكافيين سيحدّ من نشاطه، فتقول بدروسيان إنه «بدايةً سينتابه التعب، لكنّ جسمه سيعتاد على هذا الأمر خلال أيامٍ قليلة وبالتالي يستعيد طاقته.
والخبر الجيّد أنه يمكن الاستعانة بوسائل أخرى تُنشّط الجسم طبيعياً بعيداً من الكافيين:
– النوم من 6 إلى 8 ساعات يومياً.
– ممارسة الرياضة.
– استبدال الوقت المُخصّص يومياً لشراب القهوة بصعود الدرج ونزوله لمدّة عشر دقائق. فهذه الطريقة تزيد دقات القلب على غرار القهوة، فتُحفّز الوعي والنشاط.
– الاستعانة بالعلكة التي تزيد الوعي ودقات القلب وتعزّز تدفّق الدم إلى الدماغ، خصوصاً إذا كانت مُنكّهة بالنعناع الذي يرفع أداء الدماغ.
– التعرّض للشمس مدّة عشر دقائق لاستمداد الطاقة وتحسين المزاج.
– غسل الوجه بمياه باردة».
وشدّدت أخيراً على «ضرورة الانتباه إلى مصادر الكافيين وحساب كميتها تجنّباً للمبالغة. والأهمّ عدم اللجوء إلى القهوة لإسكات الانفعالات الشديدة لأنّ الحصول على جرعة عالية من الكافيين يُفاقم التوتر، فيقع الإنسان في حلقة مُفرغة».