تتعدّد الخلافات في لبنان والمطلوب واحد. هل فعلاً كلّ اللبنانيين الذين يحملون الهويّة اللبنانيّة يريدون هذه الجمهوريّة؟ أم أنّ هنالك من لا يعترف أساساً بوجودها؟ لا بل الأمر يتعدّى الجمهوريّة الموجودة ليصل إلى الكيانيّة الوجوديّة، هذه الكيانيّة التي صارت بعمر سنين سبعة وسبعين بطريركًا حفروا وادي قنّوبين بأعمالهم المقاوماتيّة التي بدورها ولدت الجمهوريّة. أمّا بعد، فالخلاف اليوم مأخوذ على غير حقيقته، لأنّ الخلاف الحقيقي ليس على هويّة رئيس لهذه الجمهوريّة بقدر ما هو على هذه الجمهوريّة بالذات.
إذا ما عدنا بالتّاريخ إلى مراحل ولادة هذه الجمهوريّة إلى زمن المدن والولايات وصولاً إلى الإمارات ومن ثمّ المتصرّفيّة حتّى زمن الانتداب فالاستقلال لا نجد رابطًا في هذه المراحل سوى المسيحيّين، وهناك اكثر من دليل على ذلك طبع تركيبة المجتمع اللبناني حيث شكّل المسيحيّون العنصر المشترك بين مختلف أطياف المجتمع اللبناني، لذلك هم كانوا أصحاب الكيانيّة اللبنانيّة التي أوصلت الجمهوريّة الى الولادة. أمّا اليوم، وبعد الانتكاسات والانتصارات، فهم يريدون أخذ البلد على غير خطى المسيحيّين الأوائل وفقًا لأجندات إقليميّة، لم تعرف موطنًا لها لا في بكركي ولا في قنّوبين. لكن يخطئ من يظنّ اليوم أنّ المسيحيّين أو أيّ فريق من مؤسسي الكيانيّة اللبنانيّة سيقدّم هذه الكيانيّة وتاريخ عمره ألف وأربعمئة عام على طبق من ذهب للحضارة الفارسيّة التي تسعى إلى استعادة أمجادها في الشرق. فكما كنّا في كلّ مرّة رأس حربة المقاومة، هكذا سنكون متى تهدّدتنا الأخطار. وكما أنّ قادتنا الحقيقيّين لم يساوموا حتّى على حرّيّتهم مقابل هذه الكيانيّة هكذا نحن لن نساوم.
إنّنا وبكلّ تجرّد ندعو من موقعنا البسيط، كلّ لبناني على المجاهرة بلبنانيّته وبهويّته اللبنانيّة، فمن يريد الرّحيل أو الهجرة إلى كندا والتّخلّي عن هذه الهويّة فليذهب. ومن يريد استبدالها بهويّة أخرى، فليذكر ماذا حدث في التّاريخ القريب بمن ناصر وساعد من أراد أن يمرّر طريق القدس في جونيه لأنّه حتماً سيواجه نفس المصير. الكلّ مدعوّ اليوم ليقرّ بالجمهوريّة اللبنانيّة بصيغة الطائف التي وإن لم تختبر في كلّ ثناياها، فللبحث صلة والصيغة تبحث لتطويرها لا لتهميش فئة على حساب فئة، إنّما للتّماشي مع متطلّبات العصر الاجتماعيّة، والفكريّة، والحضاريّة، والسياسيّة، وحتّى التكنولوجيّة.
الإعتراف بالجمهوريّة أوّلا، ومن ثمّ إعلان الترشّح لرئاستها. فنحن دفعنا 4114 يومًا من الاعتقال وأكثر من خمس عشرة سنة من الاضطهاد، وقوافل من الشهداء كي نحافظ على هذه الصيغة التي تعدّ المناصفة ركيزتها الأساسيّة. بالمقابل أيّ فريق يريد أن يترشّح لرئاسة هذه الجمهوريّة عليه أن يقرّ بوجوديّتها ونهائيّتها مهما اختلفت أراؤه في تقييم مسيرة تطبيق القانون فيها. وبعد، فليترشّح من يريد وليطبّق الدّستور وعندها تبقى الجمهوريّة ويصبح لديها رئيساً. ماذا وإلا … فمن لا يريد ذلك هو لا يريد لا الجمهوريّة ولا حتى الرّئاسة