
كتب أمجد إسكندر في “المسيرة”:
من حيث تدري أو لا تدري، أثارت تركيا مسألة طال زمانُ أسبابها، ولم يأتِ أوانُ نهاياتها السعيدة.
لقد رفضَتْ تركيا طلباً لبنانياً لإسترداد 18 ناووساً نُقِلوا من مدينة صيدا الى متحف اسطنبول إبّان العهد العثماني. التبرير التركي في ظاهره استند على تفسير قانوني، ولكن بمعزل عن متانة هذا التبرير أو هشاشة هذا التفسير، ثمة من حَركَشَ في “وكر دبابيرِ” الهويات والقوميات وحروب مئات السنوات.
“جمهورية” تركيا الحالية تعتبر أن صيدا في العام 1868 كانت خارج حدود لبنان، وبالتالي لا يحقُّ لدولة لبنان أن تُطالبَ ب 18 ناووساً وجدوا في “صيدا العثمانية”، وتم نقلهم الى عاصمة الامبراطورية! معنى الحديث أنه في العام 1868 لم يكن هناك لبنانٌ كبيرٌ. كان هناك لبنانٌ صغيرٌ، وبإدارة ذاتية.
ذلك “اللبنان” كان اسمه “متصرفية جبل لبنان”. لا صيدا ولا بيروت كانتا ضمن لبنان الصغير. لبنان الصغير كان على مرمى من صيدا، وكانت بلدة عبرا منقسمة بين جزء عثماني وجزء “جبل لبناني”. عندنا فقط، رصيف صغير يفصل الغرب عن الشرق، وزقاق بيروتي هو الحدود بين إيران والسعودية.
في المنطق التركي “جمهوريتها” اليوم هي نفسها “سلطنة” الماضي، ووريثة كل المغانم الخارجية للسلطنة المنصرمة. مسألة واحدة مرفوضة وهي عودة سلالة سلاطين الأمس.
في هذا البُعد التاريخي للمسألة يبدو أن مدننا غيومٌ عابرةٌ في سماوات الامبراطوريات. ومثلَ بنات الغجر، تتنقل قُرانا وبلداتُنا من عَرَبَةٍ الى عَرَبَةٍ في نُزُهات الفاتحين.
نَفِيقُ فينيقيينَ ونَنامُ فُرْساً. نَنطُقُ باليونانية والسريانية والآرامية وفجأة نحن عربٌ لغةً ووجهاً. ثم رويداً رويداً تسري العروبة في أنحاء الجسم. دائماً هناك من يَفرِضُ عليك مَنْ أنتَ. هو لا يُكَلِّفُ نفسَهُ عَناءَ أن يَسألَكَ “مَنْ تُحِبُّ أن تكون؟” أو “ما هي الهوية التي تشعر بها؟” ولو كان عمرُ هويتِكَ شهراً أو مليونَ سنة!
كلما أتى آتٍ ورَحَلَ راحِل، تبقى الأرض مكانها ولكن تتغير ألوانُ عيونِنا وبيارِقِنا.
وما قرية الغجر الجنوبية إلا الدليل الدامغ على هذا الارتحال الساخر، وهذا التشرد الخرائطي. ثلاث دول تتنازع بلدة الغجر هذه الايام:
1- اسرائيل التي استجدت في العام 1948. 2- سوريا الدولة التي انتهت قبل أربعة أعوام. 3- لبنان الباحث عن نفسه منذ زمن نواويس صيدا. ومن سخرية الأقدار أن صيدا الفينيقية محبوبة وراسخة في وجدان بعض اللبنانيين أكثر من بعضهم الآخر. ستجد أن ابن قرطبا مأخوذ بصمود قلعة صيدا ضد أرتحششتا، أكثر من ابن الصرفند. فخور ابن قرطبا بقرار ملك صيدون إحراق المدينة حتى لا يستسلم للفرس! للفرس؟ إبن بلدة البازورية قد ينزعج من هذا الغمز الذي قد يُضمِرُ استهدافاً لإيران الشيعية وريثة مملكة أرتحششتا الفارسية! إبن زحلة مفتون بعظمة صور وابن صور اليوم، ربما لا يعني له الملك أحيرام ألا انه مُرتكبٌ وغير مُمانعٍ بدليل صداقته للملك سليمان. سليمان ملك اليهود وباني الهيكل الذي بسببه قد يتهدم المسجد الأقصى!
كيف صودف أنهم 18 ناووساً؟ بعدد الطوائف اللبنانية الحالية. هذا اللبنان هو المدفون في الثمانية عشر ناووساً. الطائفة التاسعة عشرة، حالياً، غير موجودة فعلياً. والى أن يُصبحَ يهوديٌ لبنانيٌ واحدٌ عضواً في مجلس اختياري أو موظفاً في بلدية، نعود ونَحْسُبُ اليهود. اليوم هم دفترياً طائفة لبنانية، وكثيرة هي الطوائف التي تشعر بأنه قد يأتي يوم وتصبح طائفة دفترية!
كيف صودف أنهم 18 ناووساً؟ وأن الموتى وحدهم في داخل تلك النواويس يمكنهم أن يقرروا هل هم لبنانيون أو عثمانيون. يجب أن ننتظر أن تقوم القيامة لنعرف 18 ميتاً على أية هوية ماتوا!
وحدها القيامة هي الكلمة الفصل في تحديد هويات هذا المشرق وأُممِهِ وتاريخه المُلتبس.
في الانتظار، ممنوع علينا نحن الأحياء أن نُجاهِرَ بهويتنا الكاملة، وأن نَنطُقَ بلغتنا، وأن نعرف تاريخنا معرفة حقة، من دون تجميل ومجاملات. علينا أن نُساوِمَ صُبحَ مَساء. اللبنانيون “قواسم مشتركة” من دون نقاط ارتكاز! من دون جوهر صافٍ. من دون نواة صلبة. تنتهي هويتك عندما تبدأ هوية الآخرين. ينتهي ضميرك عندما يبدأ ضمير الآخرين. أنت لست قائماً بحد ذاتك. أنت نصف كوب. إن عرفنا النصف الفارغ منا علينا أن نَحجُبَ النصف الملآن! زواجٌ مدنيٌ عَقَدَهُ أبناءٌ جَبَلِيون. وهل ينجحُ زواجٌ مَدنيٌ مع ابن جبل؟
في الجبال إن لم تَتَشَبَّثْ بشيء تَقعْ. ونحن مُدُنُنا لغزاتِنا وجبالنا لمواسم الصيف والصيد.
على تخوم سوليدير، طريقٌ مُنحدرٌ من ساحة التباريس نحو “فرير الجميزة”. رسمياً الشارع اسمه “شارع لبنان”. شعبياً معروفٌ “بزاروب الحرامية”. والسبب أن هذا الطريق كان يفصل بين ولاية بيروت العثمانية ومتصرفية جبل لبنان. وكان يكفي مثلًا الحرامي الذي سرقَ في بيروت الغربية (هكذا كان اسمها في القرن التاسع عشر)، أن يَعبُرَ الطريق ليصبحَ بمنأىً عن مُلاحقة السلطات العثمانية. والعكس صحيح. السارقُ في بيروت الشرقية (هكذا كان اسمها أيضا في القرن التاسع عشر)، يقطع أربعة أمتار فيصبح في “دولة” ثانية. لطالما أحب الحرامية هذا الطريق. لولاه لما تمكن السارق من السرقة!
منذ قرنين وصلة الوصل بين البيروتَين “زاروب حرامية” ذلك هو الميثاق والعيش المشترك! الذي أطلق على هذا الزاروب اسم “شارع لبنان” كان على قدر كبير من الدهاء.