
إنّ مسيرة النضال التي شهدها مجتمعنا والشموخ في الصمود على رغم كل الأهوال التي شهدتها المناطق المحررة والتي لا تقلّ، بل تزيد عن المخاطر التي يتعرّض لها المسيحيون على يد “داعش” وما شابه، هذه المسيرة يجب أنّ تكون مثالاً للمقاومة لإخوة لنا يتعرّضون للإضطهاد…

إنّ هذه الأحداث التي تجري في محيطنا، تعيدنا إلى سنوات الحرب، لنبحث في سرّ هذا الصمود الأسطوري في مواجهة آلة الحرب اللعينة التي شُنّت علينا على يد أسياد “داعش”، دون أي دعم فعلي، وحتى كلام الإستنكار الخجول الذي كان يصدر كان مترافقاً مع فكرة أنّ “ما كُتِبَ قد كُتِبَ” وأقصى التضامن معنا كان منحنا تأشيرة سفر…

سبب صمودنا ليس سرّاً إلا على من لم يقرأ تاريخنا، هذا التاريخ من التحدّيات الذي زادت “القوات اللبنانية” صفحة مجد على أمجاده، دماء كثيرة سُكِبَت، دموع كثيرة إنهمرت، شموع كثيرة أُضيئت على نيّة المناضلين، مجتمع صمد إلى جانب المقاتلين على الجبهات، تقاسم معهم الحياة والموت وخطر القصف والرصاص، نحن مجتمع مقاوم بالفطرة، بنسائه ورجاله وشبابه، بكباره وصغاره، هكذا يكون الصمود!

أمام هذا المجتمع البطل، وقفت “القوات اللبنانية” في مواجهة الباطل الآتي من خلف خطوط التماس، وخلف المقاتلين كان هناك مناضلين ومناضلات في الإسعاف، يحرصون على نقل ومعالجة الإصابات، عبر مهمّات شجاعة، سريعة، حريصة ومتأهبّة دائماً لتلبية النداء، من هؤلاء، نضيء على المناضلة “جنان الحوزي”.

تبدأ جنان قصّتها ” لقد جاء قرار تطوّعي في “القوات اللبنانية” في أحد أيام القصف الشديد، كنت أتحادث مع صديقة لي، أخبرتني عن صديقتها المقاتلة وقالت لي لماذا لا نتطوع، قد يستغرب البعض إتخاذ هذا القرار في وقت كان القتال والقصف مشتعلاً، قد يكون الطبيعي أنّ نخاف ولكن في تلك اللحظة شعرت برغبة تجتاحني في أنّ أكون مشاركة في النضال، ولكنني كنت أعلم أنّ أهلي لن يسمحوا لي، لم يكن سهلاً في ذلك الزمان على الفتاة أنّ تعتقد أنّها تستطيع أنّ تقوم بهذه الخطوة، ولكننا إتخذنا قرارنا واتصلنا بالصديقة وأعطتنا موعداً في اليوم التالي في المجلس الحربي وذهبت من دون علم الأهل وتطوّعت في الإسعاف، وأخبرت أهلي أنّني وجدت عملاً لأبرّر خروجي من المنزل وهكذا بدأت المسيرة”.

“إستمر هذا الوضع حوالى أسبوعين، “بضهر الصبح عا أساس عالشغل وإرجع المسا”، بعدها أُعلِنَت حالة إستنفار فَرَضت علينا البقاء في الثكنة، فطلبت من رفاقي مرافقتي إلى المنزل لأشرح الأمر لأهلي، والدي لم يقل الكثير عندما علم المسؤولية التي أردتها ووالدتي حاولت أنّ تقنعني بالعدول ولكنها رضخت بعد أنّ رأت التصميم في صوتي ونظراتي، فأخذت أغراضي وذهبت إلى الثكنة في إلتزام كامل بالقضيّة”.

“ذكرياتي بحكم مهماتي كانت مؤلمة، أنقذنا حياة الكثيرين وفقدنا رفاقاً، الحرب مؤلمة يجب ألا نركض خلفها كما يجب عدم الهروب منها إذا فرضتها الظروف، عندما كان يصلنا النداء كنت أهرع إلى الإسعاف قبل أن تأتي الأوامر، قمنا بمهمات على كافة الجبهات، وكنا ننصب مستشفى ميداني على بعض الجبهات المتوترة نقضي فيه أياماً، أيّام مؤلمة ولكن ذكرياتها ما زالت حيّة اليوم بِحُلوِها ومرِّها”.

بعد ذلك إنتقلت إلى العمل في مكتب العلاقات الخارجية تحت قيادة إدي أبي اللمع في العام 1986 ومن أجمل الأوقات كانت عندما استقبلنا وفداً فرنسياً جاء لقضاء حوالى ثلاثة أسابيع رافقتهم خلالها إلى الجبهات حيث تعرّضنا في إحدى المرّات لإطلاق نار، أقمنا معهم في القطارة وأبدوا إعجابهم بالتنظيم والإحتراف في أجهزة “القوات اللبنانية” كما بشخصية الدكتور سمير جعجع وصفاتِه القيادية.

عام 1988 شاءت الظروف أن أسافر إلى اليونان وبعدها تعرّفت إلى زوجي الإيطالي وأنا مقيمة منذ ذلك الوقت في إيطاليا، أتواصل مع الرفاق عبر مواقع التواصل الإجتماعي، وفي زيارتي القادمة إلى لبنان سأتقدّم بطلب إنتساب إلى حزب “القوات اللبنانية” وأضع نفسي في خدمة القضيّة حيث أستطيع، لنبقى ونستمرّ…”.





* هن نساء “القوات اللبنانية”، صبايا الى جانب الشباب ناضلن في زمن الاحتلال، نزلن الى الميدان، حملن السلاح دفاعاً عن الارض وعايشن رعب الجبهات. حملن القضية حكاية عز وكرامة وطن الى جانب الرفاق، ومعاً حملن البيرق صوب الحرية. لمناضلات “القوات” تحية حب واعتزاز من موقع “القوات اللبنانية” عبر سلسلة مقالات للرفيق ليبان صليبا.
