لم تَعُدْ مقاربة الفراغ في رئاسة الجمهوريّة بشيء من التبسيط والخفّة والتسليم السهل، مسألة خافية أو هامشيّة، بعدما سقط مسيحيّون كثر، وبينهم بعض الناشطين في السياسة وأهل الرأي، في تجربة الاستسهال والتعجّل والتعب، إلى حدّ الترويج الساذج لفكرة “توحيد المسيحيّين” بأيّ ثمن، ولو جاء “توحيدهم” بأسوأ ما يهدّد وجودهم ومستقبلهم، وينسف تراكم تاريخهم العريق، وثوابتهم الكيانيّة.
يهجس هؤلاء بفكرة “الرئيس القوي” بدون التدقيق في معنى القوّة الفعليّة، فينجرفون إلى اعتبار التمثيل النيابي مقياساً (ولو كان معظم النوّاب مستَجمَعين)، والقدرة على المشاكسة معياراً ثانياً، والميديا الشعبويّة التحريضيّة معياراً ثالثاً، والعناد الضرير القائم على هوس المنفعة معياراً رابعاً، والانفتاحات الاصطناعيّة معياراً خامساً، ومعايير شبيهة أُخرى.
معايير شكليّة لا تمتّ إلى جوهر القوّة الفعليّة بصلة، أي الموقف والرأي السديد والمعرفة والإرادة واللباقة والترفّع والدستور والصفاء الوطني. فلا يسألون أنفسهم مثلاً: ماذا ينفع المسيحيّين أن يكون الرئيس مرتبطاً بمحور خارجي يخوض صراعات دمويّة لا تنتهي، ويحمل مشروعاً خطيراً يُلغي الحدود والكيانات، وأوّلها لبنان، بما هو أخطر ممّا فعلته “داعش” بمشروعها المتهاوي حكماً.
وماذا ينفع المسيحيّين أن يأتي رئيس بمهمّة تصفية الدولة ومعنى لبنان الذي وضعوه؟
كيف يندفع مسيحيّون وراء مثل هذا الخيار القاتل بحجّة “توحيدهم”، وكأنّما المطلوب هو التوحيد الصنمي بأيّ ثمن، ولو كان للتصفية الذاتيّة وراء جبهة الموت والانتحار؟! وكيف يذهبون بعيون مفتوحة إلى “التحالف الوجودي” مع فريق لبناني(بالهويّة)، وكأنّ لا رابط وجوديّاً لهم بفريق لبناني آخر، ولا تجمعهم به سوى زيارة هنا أو مأدبة هناك أو ابتسامات فارغة هنالك، بهدف مصلحي بحت؟
تحت وطأة التعب واليأس، وبتأثير من لوثة الصفاء المذهبي والأحاديّة القياديّة اللذيَن دسّهما “حزب الله” في الجسم اللبناني، يستسلم بعض المسيحيّين للواقع الشاذّ، توهّماً منهم أنّ هذا الواقع يفرض نفسه بالقوّة، ولا مناص منه إلاّ بالاذعان له والسير في ركابه. ويذهبون إلى حدّ الوهم بقدرته على حمايتهم، وهو المنزلق في ورطة انتحاريّة ويبحث عمّن يحميه منها.
لا ينتبه هؤلاء إلى أنّ الرئيس الذي يمثّل حالة الاذعان هذه، سيقودهم حكماً إلى “التسليمات” الآتية:
– الاقرار ل”حزب الله” بسلاحه (تماماً كما تنصّ ورقة التفاهم التي يلتزمها كليّاً “الرئيس” المفترض)، فيكون في لبنان سلاحان وجيشان وقراران واستراتيجيّتان، ولا أحد يعرف مآل هذه الازدواجيّة المدمّرة، ولو كان الأرجح انفلاش الدويلة على الدولة، طالما أنّ رأس الدولة نفسه راضخ للدويلة.
– التسليم بحروب “حزب الله” في سوريّا والعراق وما بعدهما.. فيكون في لبنان جيش للداخل، وجيش عابر للحدود، وتضيع الحدود التي يدافع عنها جيش الداخل(الشرعي)، ويصبح لبنان جزءاً من قوس، أو “نجمة” في هلال.
– تكريس التهافت على ثنائيّة السلطة والمال، ودائماً دفاعاً عن “حقوق المسيحيّين”، وقد كانت التجارب مريرة في السنوات السبع العجاف الأخيرة، في الوزارات الوثيرة.
فمن يضمن تحرّر ذاك الرئيس، في حال انتخابه، من هذه الارتباطات المميتة، وما هي الضمانات؟
لو فكّر اللاهثون وراء “وحدة المسيحيّين”، وبأيّ ثمن، في ما سيحصل تحت يافطة هذه الوحدة، وعن المصير الخطير الذي ينتظرهم، لاستفاقوا من أحلامهم وأوهامهم، ولأقاموا تمثالاً لخلافاتهم الراهنة، لأنّها النموذج الحيّ الباقي في مواجهة تعليب الطوائف والمذاهب في أحاديّة الأحزاب، والكنز الثمين الذي تميّزوا به، شرط بقاء الخلافات ضمن الاختلاف السياسي السلمي.
ولعلّهم يدركون أنّ الوحدة المسيحيّة الحقيقيّة هي على القيم والأهداف والثوابت ومعرفة فنّ العيش المشترك، وليس على كرسي رئاسة، أو ترتيب انتخابي، أو تنظيم التوظيف في الدولة، أو السباحة في الحوض الرابع أو حوض الكازينو.
وإنعاشاً لذاكرتهم، دخل الرئيس ميشال سليمان إلى الرئاسة من باب التسوية، وخرج من باب القوّة.
فما يُريح ويُطَمْئن هو وجود قوى سياسيّة وحيويّات مسيحيّة ذات شأن وآراء وازنة، لا تُسلّم بشعبويّة القوّة ووحدة “الكيفمكان” المؤذية كرمى لمقعد رئاسي وتقاسم حصص الحوار، بل عندها قدرة النظر إلى أبعد من الأنوف.
فلا يَطلبنَّ أحد رئيساً “قويّاً” يجيّر المسيحيّين إلى مَنْ وما لا يشبههم.
ولا يُراهننَّ أحد على تعبهم وضعفهم.