“كنا هناك”: ماري خوري قاومت… أصيبت… سامحت… وفي اليوم التالي قامت من بين القتلى

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1498:

ثمة من يعترف. وثمة من لا يريد أن يعترف بأن المرأة في “القوات اللبنانية” موجودة “بالفعل مش بالحكي”.

من اللحظة التي لم تتردد في حمل السلاح والدفاع عن الوطن والكرامة وصولاً إلى معهد التدريب الفكري والعمل الإجتماعي فالإعلامي… هي إمرأة مقاومة بالفعل!

لكن ثمة إمرأة تختصر حكاية المقاومة. إنها أم الشهيد وأمهات المفقودين في السجون السورية والمعوقة نتيجة إصابة حرب.

في يومها العالمي طرقنا باب إمرأة اختصرت رصاصة أحلام حياتها كفتاة وحولتها إلى امرأة معوقة. إمرأة كانت ترتدي بزة “القوات” يوم “إعدامها”. إمرأة التزمت بمسيحيتها وبقضية الوطن والكرامة ولا تزال. إلى باب غرفة هذه المرأة في معهد بيت شباب توجهنا… “نعم أنا ماري خوري… أهلا وسهلا بـ”المسيرة”.

قبل نحو ثلاثة عقود دخلت ماري خوري معهد بيت شباب وسكنت فيه. مشوار عمر أبحرت فيه بين حنايا هذا الدير الذي احتضنها كمعوقة في المرحلة الأولى وكإنسانة ورسامة ورفيقة درب لزملاء وإخوة معوقين لاحقا. مشوار بدأ بعد إصابتها برصاصة مباشرة اخترقت العمود الفقري مما أدى إلى إصابتها بشلل رباعي.

هي لحظة غيرت مسار عمر وقضت على أحلام تلك الفتاة العشرينية إبنة البيرة في الشوف التي عاشت وسط عائلة مؤلفة من سبعة أولاد وكانت تخطط لدخول الجامعة والتخصص في مجال الهندسة. لحظة لم تتصور ماري يوماً أنها ستدخلها، لكن الأحداث التي سبقتها كانت تمهد لها. تسكت ماري قبل أن تعود 32 عاما إلى الوراء. كأنه الأمس بكل وجعه وتفاصيله.

“كنت في الثامنة عشرة من عمري عندما انتسبت إلى “القوات اللبنانية”. لم أخطط لذلك ولم أفكر يوماً أن أحمل السلاح او أن ارتدي بزة “القوات” علما أنني عشت في بيت مقاومة. كنت قد أنهيت المرحلة الثانوية وأخطط لدخول الجامعة في اختصاص الهندسة. لكن ظروف الحرب آنذاك وصعوبة التنقل حالا دون ذلك. لازمت المنزل مدة من الوقت إلى أن علمت عن بدء تنظيم “القوات اللبنانية” دورات تدريب  فانتسبت إلى سلاح الإشارة من دون تردد على أمل أن أدخل الجامعة من جديد في السنة التالية.

عندما تعود ماري الى تلك الأيام تتغيّر نبرة صوتها وكأن نَفَس المقاومة لا يزال يسري في خلاياها التي تنبض حياة وإرادة ولو على كرسي متحرك. هل هو نَفَس المقاومة أم الإيمان بمشيئة الله أم الرغبة في الإنتقام ممن أطلق عليها رصاصة الرحمة؟

“عندما أنهيت دورة سلاح الإشارة كنت سعيدة كوني أشارك في الدفاع عن وطني وقريتي ولو من داخل الثكنات ومن خلال أجهزة اللاسلكي والإحداثيات. استمر الوضع على هذه الحال إلى أن كان الإنسحاب الإسرائيلي من منطقة الجبل”…وهنا يبدأ شريط الذكريات المغمسة بالوجع. ذكريات حرب عبثية حفرت بدم ودموع في قلوب الكثيرين وإن كان الكلام في بعض محطاتها مقتضبا. فالصمت لا يعني النسيان إنما دفن الأحقاد وطي صفحات علها لا تتكرر.

نعود مع ماري الغارقة في تفاصيل تلك المشاهد السوداء التي عاشتها مع أبناء بلدتها في البيرة. “أذكر أن قراراً صدر بإخلاء المنازل والهرب نحو دير القمر. والدتي كانت في بيروت مع إخوتي وأخواتي الصغار. فقررنا والدي وأخي وأنا الهرب على رغم الخطر الذي كان منتشرا على طول الطريق… فجأة اكتشفت أنني أسير ضمن قافلة بشرية أخرى. فتشت عن والدي وأخي وعمي وعمتي الذين كانوا ضمن القافلة لكن عبثا. إلى أن أخبرني أحد أبناء البلدة أن القافلة التي نسير فيها متوجهة نحو بيت المختار في حين سلكت القافلة التي كانت تضم باقي أفراد عائلتي طريقا فرعية نحو دير القمر من دون أن أتنبه بسبب حال الخوف والفوضى التي كانت تعم البلدة. وعلمت لاحقا أن أبي وأخي سلكا درب منطقة دير القمر في حين فرَّ عمي وعمتي إلى جزين.

في بيت المختار كان مقرراً ألا تطول مدة إقامة ماري مع باقي أبناء بلدة البيرة وغالبيتهم من الرجال أكثر من يومين وتحديداً “إلى حين الإنتهاء من عمليات “تنظيف” المنازل من الأسلحة والذخائر. بعدها يمكن لمن يشاء العودة إلى منزله أو مغادرة البلدة” هكذا قال لهم المسلحون. إلى أن جاء الأمر بخروج الجميع من منزل المختار.

في الطريق لم تصدق ماري المشهد. “حاولت أن أتعرف إلى بيت فلان وفلان. لكن الخراب الذي ألحقه المسلحون وأعمال النهب التي حصلت كانت مروعة. هذا عدا عن رائحة الدم التي كانت تفوح من شبابيك المنازل المشلعة. عندما وصلت إلى البيت كان هناك مسلح يقف عند الباب. ناداني بإسمي فاكتشفت أنه من بين الذين وصلوا إلى دفتر مذكراتي حيث كنت أدون لأحداثا حصلت معي في ثكنة سلاح الإشارة. وعندما حاولت صعود السلالم صرخ بأعلى صوته: “كملي ع الكنيسة. لهون ممنوع تدعسي”.

في كنيسة مار يوسف اكتشفت ماري أن عدداً كبيراً من الأهالي سبقها إلى هناك. اقتربت نحو المذبح وجلست إلى المقعد الأمامي. حاولت أن تصلي. أن تتأمل في كأس القربان ويسوع المصلوب. لكن الجلجلة كانت على الأرض وتحديدا أمام المذبح….”كان هناك سبعة شباب من “القوات” أمام المذبح. نظرنا في عيون بعضنا. وكأنهم كانوا يقولون لي “صليلنا”… وما هي إلا لحظات حتى صدر القرار بإخراجهم من الكنيسة والإبقاء على المدنيين. ولم نعلم شيئا عن مصيرهم لاحقاً.

في الكنيسة كنت الفتاة الوحيدة وسط مجموعة مؤلفة من نحو 25 رجلا من أبناء القرية. لحظات ودخل مسلح وبدأ التحقيق مع الرجال بتهمة “حراسة الضيعة ليلا”. أما التهمة الموجهة إلي فكانت انتسابي إلى “القوات اللبنانية”. بعد الإنتهاء من عملية الإستجواب طلبوا منا الخروج إلى باحة الكنيسة حيث كان ينتشر عدد كبير من المسلحين. من هناك اقتادوني مع باقي رجال البلدة إلى مركز “القوات” بهدف إعطائهم معلومات وأسماء. ثم طلبوا من الرجال الخروج. وسمعت أصوات طلقات الرصاص.. عندها أدركت أن المسألة بدأت تأخذ منحى أكثر خطورة خصوصاً بعدما سمعت أحدهم يقول لزميله “خلص”. وأدركت أنه تمت تصفيتهم.

بقيت ماري مع قريب لها في المركز الى أن جاء الأمر بإخراجه من المركز. تروي ماري: “دخل مسلح الغرفة التي كنت أجلس فيها وطلب مني أسماء شباب “القوات” الذين كانوا معي في ثكنة الإشارة، لكنني أنكرت معرفتي بأحد. لم يصدق حتماً. حاول أن يضغط علي من خلال شتمي والتطاول على الكرامات …عندها قررت أن أسلم ذاتي للرب. ولم أعد آبه لما يمكن أن يحصل أو يحل بي. كان هدفي أن أبقى على موقفي. إلى أن دقت الساعة. “سألني مستعدة تنكري ديانتك؟ قلتللو أنا لبنانيي مسيحيي. شو بتعمل؟”. أجاب: “بقوصك”. قلتللو: “قوصني”. وأطلق عليها رصاصة من على بعد نصف متر اخترقت العمود الفقري مباشرة وسقطت ماري أرضاً.

عندما حمل الدفاع المدني ماري كان إسمها مدونا على لائحة “القتلى”.في مستشفى بعقلين اكتشف الأطباء أنها لا تزال تنبض بالحياة فتم إسعافها قبل نقلها إلى مستشفى غسان حمود في صيدا بعد 4 أيام. هناك كان ينتظرها رفاق لها في “القوات” “حسيت إنو وصلت عالسما لأنو كنت الوحيدة التي نجت من المجازر التي حصلت في الجبل علماً انو اسمي كان في عداد الضحايا”. بعد أيام اكتشفت ماري انها تعرضت للتعذيب بعد إصابتها من خلال آثار أعقاب السجائر التي حفرت في يديها وجسمها. مع ذلك شكرت الله أنها لا تزال على قيد الحياة على رغم إصابتها البليغة…

عند وصولها إلى مستشفى “أوتيل ديو” في بيروت لم تكن ماري تعلم حقيقة وضعها. “أذكر ان الأطباء قالوا لي أنني سأمضي فترة طويلة من العلاج وسأخضع لجلسات تمارين حتى أستعيد قدرتي على السير.. كنت مفكرا أنو بس يخلصو التمارين راح اطلع من المستشفى على إجريي وفوت عالبيت ركض وارجع اتسجل بالجامعة… إلى أن وصلت إلى معهد بيت شباب. هون تعرفت على حقيقة وضعي وبلشت حياتي الجديدة كفتاة معوقة”.

بعد 6 أشهر على وجودها في معهد بيت شباب أخبرها المعالج الفيزيائي بالحقيقة “ماري إنت ماراح فيكي ترجعي بالزمن لحظة. إصابتك بالعمود الفقري أدت إلى إصابتك بشلل رباعي كلي”. الخبر نزل عليها كالصاعقة. لم تستوعب كلامه. صرخت بأعلى صوتها. بكت… كفرت… حقدت… لعنت… تمنت لو قتلتها تلك الرصاصة ولو كانت تملك مسدساً في لحظتها لفعلتها بنفسها.

مع الأيام بدأت تستوعب حقيقة وضعها وساعدها في ذلك وجود أمها وأخوتها إلى جانبها حتى ان والدتها مكثت معها قرابة العام في بيت شباب مما ساعدها على تجاوز الكثير من العقبات التي اعترضت مسار حياتها الجديدة كإنسانة عاجزة عن الحركة او حتى تحريك يديها. لكن كان لا بد من ان تعود الوالدة إلى بيتها وبدأت ماري مسيرة النضال والمقاومة. وتقول”لا أنكر فضل أهلي وإدارة معهد بيت شباب والعاملين فيه. لكن لو لم أكن مناضلة لما استمريت لحظة. لا أنكر أنني أحيانا كنت أشعر بالضعف والخوف واليأس. وغالبا ما تمنيت لو استشهدت. لكن إيماني أنقذني ومدني بالقوة والصلابة. وفي كل مرة كنت أشعر فيها بالضعف والخوف كنت أطلب من صديقي يسوع ان يمسك بيدي وأقول له: “أنا ورقة بيضاء أكتب عليها ما تشاء”.

بعد أشهر على مكوثها في معهد بيت شباب، قررت ماري أن تعيش في قلب الحياة وليس على هامشها فتعلمت فن الرسم وشاركت في عدد من المعارض. “صحيح أنني لا استطيع تحريك يدي لكنني قررت ان أكمل حياتي فبدأت الرسم بواسطة خشبة طويلة واستعين بفمي وفي أوقات الفراغ أخرج من المعهد لزيارة أهلي او مع الأصدقاء. وماذا عن الرفاق في المعهد؟ “الغالبية تركت المعهد لكننا بقينا على تواصل والبركة بالزملا الموجودين بالمعهد”.

سؤال بدهي: هل ندمت ماري يوماً كونها تحولت إلى معوقة بسبب انتسابها إلى “القوات اللبنانية”؟

تجيب: “إطلاقا. لم ولن أندم كوني دفعت ثمن التزامي بالقضية ولو واجهت اليوم نفس الموقف سأقف وأدافع عن مسيحيتي وكرامتي والتزامي.. فعندما قررت أن ارتدي البزة وانتسب إلى “القوات” في سلاح الإشارة كنت مقتنعة بضرورة الدفاع عن أرضي وأهلي وقريتي. ولا أزال على قناعاتي لأنني مؤمنة أن هذا الوطن يستحق أن نضحي من أجله. وعندما أغرق في لحظات اليأس أتذكر شهداءنا، وأقول: “أنا لا أساوي شيئا مقابل الشهادة التي قدموها على مذبح الوطنوالمقاومة اللبنانية ليست وليدة ظرف ولا حرب. المقاومة اللبنانية موجودة منذ التاريخ ووادي قنوبين يشهد على ذلك”. وتضيف: “لا أنكر أنني عانيت الكثير في بدايات مراحل الإعاقة ولطالما ألقيت اللوم على خالقي و”عاتبت يسوع” وطلبت منه أن يأخذ روحي مع الجسد الذي خطفت منه الحياة رصاصة حاقدة وأكون شهيدة في قافلة شهداء الحرب. اليوم أمور كثيرة تغيّرت، ليس لأنني تعودت على فكرة العيش كمعوقة، إنما لأنني نضجت إيمانياً وفكرياً واكتشفت أن أجمل ما في الحياة المسيحية هو ان نحمل الصليب ونسير معه لأنه يقودنا إلى درب السما”.

“نعم لست نادمة لأنني التزمت بقضيتي ولست حاقدة على أحد حتى أنني سامحت من قلبي من أطلق علي رصاصة الرحمة ليس بدافع الخوف او الضعف إنما لأنني دخلت عمق حياتي المسيحية”. كلمات تصر أن تختم بها المرأة المقاومة ماري خوري التي تحولت إلى مثال لعنفوان المرأة. ويبقى لمفهوم المرأة المقاومة في حزب “القوات اللبنانية” تعريف خاص تحدده من خلال تجربتها “المرأة المقاومة هي التي تكون مسؤولة تجاه قضية التزمت بها وتجاه مجتمع. والمرأة المقاومة أثبتت أنها أكثر النساء قوة وإرادة”.

هل ثمة من لا يريد ان يعترف بعد بأن المرأة في “القوات اللبنانية” ملتزمة “بالفعل مش بالحكي”؟

 * لأن القضية على مساحة الـ10452، تنقّل أبناؤها من جبهة الى أخرى مرة لصد عدوان ومرّة لتأخير إنهيار ومرة لتسجيل بطولات وطرد غزاة. فكان الرفاق يزرعون البطولة والعنفوان في كل شبر تطأه أقدامهم، وإمتزج عرق المناضلين ودماء الشهداء من الشمال الى الجنوب والجبل والبقاع وبيروت. وكتحية وفاء لهم، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “كنا هناك” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل