
كتبت سحر آغا في “المسيرة”:
وكأنه كُتِب على طرابلس ألا تفارق الغيوم الإقليمية بتداعياتها المحلية سماءها… وها هم أهلها المسالمون الطيبون المنفتحون يعيشون مجدداً أجواء القلق مما تردد أخيراً عن إلتحاق بعض شباب المدينة ومن أبناء الطائفة الأرثوذكسية فيها تحديداً بالجماعات التكفيرية الداعشية بعد “إشهارهم الإسلام”.
المفاجأة كانت صاعقة “مسيحياً”، ولا أحد يصدق كيف إستطاع “داعش” إحداث هذا الخرق، وكيف نجح في تجنيد شبان من غير المسلمين ليتحولوا صيدًا ثميناً يستطيع من خلالهم ضرب أهداف معينة بنجاح ومن دون إثارة الشبهات!
كان الشاب الطرابلسي إيلي الوراق أول مسيحي أورثوذكسي يلتحق بالجماعات الإرهابية وسط كلامٍ كثير تردد عن خضوعه لدورات عسكرية تمهيداً لتكليفه لاحقاً بعمليات إنتحارية نوعية. كرَّت السبحة بسرعة فاقت تصور الجميع خصوصًا من اعتبرها حالة إستثنائية لن تتكرر… فمن بين من ترددت أسماؤهم في الآونة الأخيرة، شارلي حداد إبن منطقة الزاهرية. وعلى الفور، قام أهله الذين لم يستفيقوا من هول الصدمة بعد، بإبلاغ الأجهزة الأمنية والإنتربول بإختفائه بعد أن كان قد سافر إلى تركيا لملاقاة أصدقائه، وحال وصوله إنقطعت أخباره وكثرت الشائعات والأقاويل عن علاقته بأشخاص في قوى أصولية تمكنوا من جذبه وتجنيده للقيام بأعمال تخريبية. إلى شارلي وإيلي، هناك أيضاً حالات أخرى مشابهة والكلام بدأ يكثر عن إختفاء شبان مسيحيين آخرين وصولاً إلى الشاب جورج ديبة الذي سرعان ما نفت عائلته الخبر جملةً وتفصيلاً مؤكدةً أنه كان قد إعتنق الإسلام بملء إرادته وهو يعيش بينهم في طرابلس.
أهالي الشبان المغرَّر بهم ملُّوا اللقاءات الإعلامية فالكلام لم يعد يجدي… هم ينتظرون بقلق كبير أي معلومة قد ترِد من الأجهزة الأمنية أو حتى من وراء الحدود، عسى ولعل… في المقلب الآخر، تعمل الجماعات التكفيرية سراً وبالتنسيق مع قياداتها في الخارج على إعادة تنظيم كوادرها بعد إنكفائها عقب الخطة الأمنية الأخيرة التي شهدتها العاصمة الثانية. ويبدو أنها تنشط وفي أكثر من إتجاه لتجنيد المزيد من الشباب وهذه المرة من مذاهب وطوائف أخرى، مستهدفةً بشكل خاص الفئة العمرية اليافعة المُحبطة. هذه الظاهرة تعمل بلا كلل على غسل الأدمغة مستغلةً حال الإحباط واليأسوالتمييز والتهميش السياسي وإنسداد الأفق وتفشي البطالة وإنعدام فرص العمل وأبسط سُبل العيش الكريم في ظل غياب شبه تام لدور الدولة.
تُبدي أوساط طرابلسية لـ “النجوى ـ المسيرة” إنزعاجها الشديد من حال الخوف الذي تعيشه بعض العائلات المسيحية في المدينة، وتقول “نحنا كل عمرنا أهل ويللي بيصيب إخواننا المسيحيي بيصيبنا، كان بعد ناقصنا “داعش” ونحنا ما صدقنا إنو طرابلس رجعت تتنفس عن جديد!”. ويبذل المعنيون جهوداً كبيرة وإتصالات حثيثة للتخفيف من إنعكاس الأنباء التي يتم تداولها عن خطورة الواقع على الأرض.بدورهم، أبناء المدينة من الطائفة السنية يثبتون يوماً بعد يوم عمقَ وأصالة إنتمائهم اللبناني وإصرارهم على نهج الإسلام المعتدل حيث لا مكان للتطرف والإرهاب.هم يؤكدون عبر تواصلهم الدائم والحميم مع النسيج الإجتماعي المتعدد الطوائف أنهم يرفضون السموم الإرهابية،وكم يحلو لهم أن يفخروا بأنهم “كفار” في نظر تنظيم “داعش” الذي يستميت لفرض نواميسه الدموية في كل مكان.
إلا أن كل ما سبق ذكره لا ينفي خطورة المستجدات على الأرض بدءاً من إشارات تنبئ بالتحضير لعملٍ إرهابي محتَمل، وهو ما تطلب إستنفاراً أمنياً إستخباراتياً على أعلى مستوى لتفادي الوقوع في المحظور. والمحظور هو إتساع دائرة “البيكار” ومقاربته الطائفة الأرثوذكسية الطرابلسية عبرتجنيد بعض شبابها خدمةً لأهداف التنظيمات الإرهابية.
لا شك أن لرجال الدين الدور الأهم والأبرز، بالإضافة إلى دورالدولة والمجتمع المدني والجمعيات الأهلية وسواها، في الإشراف على أوضاع الشباب وأحوالهم مع تنامي الظواهر التكفيرية وتكاثر خلاياها النائمة على ما يبدو في طرابلس. ومن هنا يصبح من الضروري جداً البحث في عمق وأساس المشكلة عبر التواصل معهم وتوعيتهم على الأخطار المحدقة وعقد لقاءات مكثفةلبحث الأسباب الفعلية التي دفعتهم للإرتماء بأحضان “داعش”،والعمل على إيجاد فرص عمل مناسبة ترضي طموحاتهم وتبعدهم عن تجرُّع كأس الإحباط المر كي لا يتحولوا عجينة طرية في يد صانعي الإرهاب. ولعل المصيبة الفعلية في ما يسمى “ظاهرة تجنيد الشباب المسيحي” ترتكز في جدلية إختراق “داعش” بيئة غير إسلامية بهدف توريط أبناء من الطائفة الأرثوذكسية وفي الأمر خطورة كبرى. ويبدو أن شياطين القوى التكفيرية قطعت شوطاً كبيراً ومراحل متقدمة من عملية “غسل الأدمغة”،خصوصًا عبر وسائل التواصل الإجتماعي حيث عمل عناصرها على تجنيدهم وإقناعهم بالسفر وتسهيل أمورهم بدقة وهدوء. من جهتها، تؤكد مصادر أمنية أن هناك الكثير من المشتبه بهم يخضعون للمراقبة والرصد من قِبل إستخبارات الجيش وشعبة المعلومات والأمن العام، والتحقيقات جارية للوصول إلى الخيوط الأساسية التي تربط بين العقل المدبر الخارجي وعشرات العملاء الذين يعملون سرًا في الداخل. ولكن هذه المصادر تدعو الى عدم تضخيم الأمور والى إبقائها محصورة في النطاق الضيق للحالات التي تم اكتشافها وعدم إفساح المجال للشائعات الكثيرة التي يتم تداولها وتحاول أن تجعل من هاتين الحالتين المحددتين حالة عامة.
الموضوع-المعضلة بالرغم من حجمه المحدود، ولكن على غرابته، أصبح مصدر قلق للكثير من المرجعيات الروحية المسيحية والإسلامية على حدٍ سواء في طرابلس وخارجها، والتي سارعت إلى دق ناقوس الخطر تفادياً لما هو أعظم وآتٍ ربما، وذلك من باب التحذير وأخذ العبر.ومن جهته،لا ينكر الأب إبراهيم سروج كاهن رعية كنيسة مار جاورجيوس للروم الأرثوذكس في الزاهريةخطورة ما حصل وما قد يحصل ويلفت إلى أن اللوم يطال المسؤولين بالدرجة الأولى. سروج يعترف بالتقصير اللاحق في مسألة هذين الشابين حصرًا ويرى أن الأسباب تاريخية وعِللها مزمنة، فالإهمال يأتي في الصدارة وعلى الكنيسة أن تفعِّل دورها لتحيط بشؤون وشجون أبنائها اليافعين وأن تسعى لإبعادهم عن التقوقع. فلا يكفي أن نقول أن الدافع المالي هو أحد أبرز الأسباب وراء إلتحاق هذين الشابين المسيحيين بالجماعات الإرهابية، بل علينا أن نكون آذاناً صاغية عبر حوار جدي لخلق “بيئة حاضنة كنسية” تستنبط حلولاً جذرية لمعاناة الشباب الحياتية والعملانية.
لا لقاءات منتظمة لشباب الرعية، لا نشاطات تُذكَر ولا جمعيات… أحلامهم تضيق في فضاءات المدينة التي تغفو ليلاً بمللٍ باكر منذ عشرات الأعوام. أوقات الفراغ بحثاً عن فرص العمل تتخطى المعدل اليومي لعدد الساعات ولا شيء سوى القليل من كرة القدم والكثير من التدخين والأرغيلة… كل ذلك يدخل في إطار التنبيه حتى لا تحصل حالات أخرى مماثلة، ومن أجل توعية بعض الشباب من خطورة ما قد يقدمون عليه وهم لا يقدرون عواقبه عليهم وعلى عائلاتهم.
في زمن الصوم، تعبق رائحة البخور بين جدران كنيسة الزاهرية لتغمر شفاهاً تتضرع بصلاة حزينة، عسى الرب يحمي الشباب وينجيهم من نارٍ غريبة حارقة. وهناك، خلف الأبواب الموصدة، تسري في شوارع وأسواق طرابلس الداخلية العتيقةِ الضيقة همسات ومشاهدات عن بعض الوجوه الغريبة لأشخاص “غريبي الأطوار” كانوا برفقة الشاب شارلي حداد ولازموه لفترة لا بأس بها قبل سفره إلى تركيا مطلع أيلول الماضي.
لا أحد يملك تفاصيل إضافية ولا شيء آخر سوى تلك النظرات الزائغة في عيون شبان بائسين فقراء بلا عمل وبعمر الورود مسلمين ومسيحيين، يصارعون إهمال الدولة بقلة حيلة وعين مشرِّعي الإرهاب عليهم. هم أيضاً قد يتحولون يوماً ما إلى “شارلي” آخر فهل من يعي ويعتبر؟