مدينة طرابلس اللبنانية في عين العاصفة دائماً، تجتاحها عواصف من نوع خاص كعاصفة ساحة كرامي – النور ورياح ساحة التل بعد عواصف التبانة والجبل. وما يزيد في جاذبيتها هو قدرتها على النجاة على رغم وقوعها على حافة الفوالق السياسية والأيديولوجية. ويعزو البعض هذه القدرة العجائبية إلى استمرار تنوعها وتعدد أطيافها على رغم ضمور الأعداد والفئات والشرائح التي تغذي هذا التنوع. وعلى رغم الصورة النمطية التي استوطنتها كمدينة للبؤس والتوتر والتشدد، فضلاً عن الحرمان والغضب، إلا أنها لطالما فاجأت زائريها بصور مختلفة، وتكاد تكون مناقضة تماماً للصورة الساكنة في خيال الكثيرين، بمن فيهم بعض أهاليها المسكونين بهذا التناقض، والذي لطالما أكسبها صفة المدينة المتمددة بقلق على شاطئ المتوسط.
بالأمس فاض مسرح الصفدي وباحاته بالآتين لتكريم مارسيل خليفة، وقبله فاض مسرح الرابطة الثقافية بالعشاق المتقاطرين لتحية الشيخ إمام، ولطالما فاض مسرح روضة الفيحاء بمتذوقي الموسيقى الكلاسيكية وبعض أنغامها كان يترافق مع أصوات الرصاص والقذائف، ونذكر تدفق محبي الشعر والأدب والرسم والموسيقى إلى بيت الفن في الميناء وكل البيوت والمراكز الثقافية في المدينة. كما يتدفق آلاف الماراثونيين من كل الأجناس ومن كل حدب وصوب، في الوقت نفسه الذي تدفق فيه البعض إلى ساحة كرامي في عرض مجاني لقضية «المظلومية السنّية» ومتفرعاتها والمتصاعدة على طريقة كربلاء، ولكن مع تبادل في أدوار الضحية والجلاد وعلى وقع المد الإيراني وملحقاته.
والمفارقة في مشهدية الساحة أن تمثال عبدالحميد كرامي تعاقب على نزعه يساريون وقوميون وبعثيون قبل أن يصادف الحظ حركة التوحيد الإسلامية بتحويل الساحة من ساحة مفتوحة على الأفق، إلى «قلعة المسلمين طرابلس» وما رافقها من أعمال ظلّلت المدينة بغمامة داكنة زادتها اسوداداً لاحقاً، سلطةُ الوصاية والاحتلال، بعد أن دجنت واستتبعت الحركة التي أصبحت منذ زمن خارج السياق السياسي الطرابلسي خلا تمسكها رمزياً بهذا الشعار في الساحة التي تكاد تختصر عند البعض صورة المدينة.
المجتمع المدني الطرابلسي يعكس كل هذه المفارقات بحلوها ومرها، بعتمتها وضوئها. وكما تشكل ساحة التل الآن محور التجاذبات على أنواعها، فلطالما شكلت المدينة الجامعية إحدى القضايا الساخنة ولكن الموحدة، وعملت على استنهاض المجتمعين المدني والأكاديمي، كعامل لحمة للنسيج المتزايد تفتقاً، ويعود اليوم هذا العامل لتشكيل محور استقطاب وتوحيد للطرابلسيين وللشماليين عموماً تحت شعار «طفح الكيل»، ما يدفع إلى إعادة توضيح وتجديد الانطلاقة التي بدت عند البعض في البداية على حساب المدينة عموماً، ومنطقة قبة النصر خصوصاً.
فقد بقيت تساؤلات بعض النخب ترنّ في أذني حول صواب اختيار موقع المون ميشال المتاخم للبحصاص والواقع على مدخل الكورة الخضراء في رأس مسقا، كمكان لتشييد المدينة الجامعية، لجهة تداعيات انتقال فروع الجامعة اللبنانية من القبة، ذلك أن المنطقة تحولت، لاعتبارات متعددة من منطقة للطبقة الوسطى (وهو ما يفسر انتشار مدارس خاصة مهمة فيها سابقاً، كالأميركان والراهبات والروم والآباء البيض)، إلى منطقة شعبية بفعل موجات النزوح الريفي والحروب الأهلية المتكررة منذ 1958، حيث دفعت أثماناً مضاعفة، وفي السنوات الأخيرة كان لها نصيب وافر من جولات العنف العبثية التي اندلعت بعد أحداث 7 أيار وتعاظمت مع تحول الانتفاضة السورية إلى العنف نتيجة القمع العاري والتحولات الجيوسياسية. لم تكن هذه التساؤلات لتغيب عن ذهننا حين أطلقنا هذا المشروع الحلم منذ أواخر تسعينات القرن الماضي بموازاة بناء المدينة الجامعية في الحدت، خصوصاً أننا كنا نواكب بناءها كأعضاء شماليين في الهيئة التنفيذية لرابطة أساتذة الجامعة اللبنانية. فقد جاء اختيار الموقع نتيجة التداول المكثف بين رئيس الحكومة آنذاك رفيق الحريري مع لجنة المتابعة الأولى ومجلس الإنماء والإعمار.
شكل المشروع رافعة للمجتمع المدني الشمالي، فأقيمت لقاءات وندوات ومؤتمرات انخرط فيها الجميع، وتوحد حول المشروع مجمل الأطياف والفاعليات السياسية وغير السياسية الطرابلسية والشمالية في شكل عام، على رغم انقساماتها الواسعة، والتي قاربت حدود الانشطار. ومع أن البعض حاول تثمير الإنجازات فئوياً، إلا أن لجنة المتابعة استطاعت تجاوز كل الصعوبات بما فيها، زلزال الاغتيالات وخسارة الداعم الرئيسي ودخول البلد عموماً وطرابلس خصوصاً بمرحلة حرجة.
لقد هدف اختيار المون ميشال لإعادة ثقة كل الشماليين من كل الأطياف بالفروع الشمالية التي تمذهبت بنسبة كبيرة، على الأقل طالبياً، بما فيها ثقة الطرابلسيين أيضاً، ومع أننا نقرّ ببعض التداعيات الاجتماعية والاقتصادية الحتمية على قبة النصر، إلا أننا نسجل الملاحظات الآتية.
أولاً: لم تستطع الفروع المفكّكة إيجاد حيز اقتصادي واسع، إذ اقتصر التأثير على انتشار بعض مقاهي «البلاستيك» وبعض محال التصوير والتجليد، فضلاً عن بعض المكتبات الصغيرة لتوفير المقررات.
وقد تقلصت أخيراً بعض هذه النشاطات نتيجة دخول بعض السياسيين على خط تصوير المقررات مجاناً لكسب الشعبية.
ثانياً: لم يكن ممكناً تحويل الكليات المبعثرة في القبة إلى صرح أكاديمي موحد يستطيع تكوين مناخ مختلف يؤدي إلى تحولات اجتماعية واقتصادية مؤثرة، لاعتبارات كثيرة، بينها اللوجيستي والعقاري والديموغرافي.
ثالثاً: لقد أدت تداعيات جولات العنف في السنوات الأخيرة، ومن ضمن أسباب أخرى طبعاً، لإعراض الكثيرين عنها، خصوصاً من بعض الأقضية ذات الغالبية المسيحية، كما من بعض فئات الطبقة الوسطى الطرابلسية، ما جعلها تفقد ميزات كثيرة. وما شهدناه أخيراً من تحرك شعبوي، بنكهة مذهبية، أمام مبنى إدارة الأعمال اعتراضاً على تعيين مدير، يصب في هذا السياق، بغض النظر عن طريقة التعيينات التي تبدأ الفئوية والزبائنية والمحاصصة فيها من «الانتخابات» في مجالس الفروع وصولاً إلى إدارة الجامعة.
رابعاً: إن إنشاء مدينة جامعية في المون ميشال وسهولة الوصول إليها من كل الأقضية، بما فيها بلاد جبيل سيكون له تداعيات اقتصادية واجتماعية وثقافية وتوحيدية على طرابلس وعموم الشمال، خصوصاً إذا أنشأنا مركز الأبحاث والتكنولوجيا، ذلك أن طرابلس ستستفيد، من ضمن ميزات أخرى، من موقع الألياف البحرية، ما يساعد شركات التكنولوجيا الناعمة كما شركات الأدوية ومواد التجميل وبعض الصناعات الخفيفة، كما سيساعد على الطرح الجدي لقضية استقلالية الفروع الشمالية والتي تكاد تختنق من مركزية شديدة وقاصرة.
لم نكد نحقق بعض الإنجازات في المون ميشال كنقل ملكية الموقع وتوسيعه باستملاكات أخرى، وإنجاز دراسات الكليات الثماني في ربيع 2004 حتى خرجت فكرة بوزار إلى النور. بدأت الفكرة على أساس ترميم جدار كلية العلوم المتداعي في القبة وإنجاز جداريات عليه، كتحية للكلية الرائدة أولاً وللمنطقة المتداعية ثانياً، خصوصاً أن العلوم الحالية تحتل الموقع الذي كان مركزاً لقيادة الجيش الفرنسي، ثم مهنية متطورة، أدارها الآباء البيض واستقطبت خليطاً متنوعاً عكس التنوع الشمالي ومنطقة قبة النصر قبل أن تتوقف في الحرب الأهلية، ومن ثم تحتل الموقع القوات السورية ببداية انتشارها في أعقاب حرب السنتين، قبل أن تبدأ كلية العلوم بقضمه، ومن ثم إشغاله كاملاً. تجدر الإشارة إلا ان أطراف المنطقة شكلت خطوط تماس في بداية الحرب الأهلية، كما تمدد جزء من هذه الخطوط مع نشوء وتصاعد مشكلة التبانة – بعل محسن الذائعة الصيت، والتي عادت وانفجرت في أعقاب أحداث 7 أيار 2008 كما بات معروفاً. استقطب جدار بوزار أهم الفنانين والنحاتين كوجيه نحلة وعدنان خوجة وفضل زيادة والياس ديب ومحمد عزيزة وحسام حاطوم وسامي بصبوص وعلي العلي والألمانية كلوديا فالديه والسوري عبد المحسن خانجي والمصري جمال عبدالناصر، حيث عملوا سنوات على إنجاز الجدار المتميز كما أقام عدنان خوجة في المكان نصب بوزار للتواصل الثقافي والاجتماعي.
أطلقت حركة بوزار موجة تحديثية وفنية كبيرة في المدينة، خصوصاً بعد اغتيال الحريري وانتفاضة الطرابلسيين ضمن شعار لبنان أولاً، وبادرت بحملة ترميم كلية العلوم والبنايات المقابلة، كما انعكست حركة الترميم على معهد طرابلس الفني ومجمع الآداب والحقوق، وقام أصحاب المقاهي بتحديث وتجميل مقاهيهم بما يليق بشارعهم الذي لبس مع بوزار حلة مميزة تكاد تكون سوريالية فشعر الأهالي ببعض الأمل، خصوصاً أن بوزار تعاونت مع البلدية والجامعة وجمعيات ومؤسسات رسمية ومدنية كثيرة. وتطرح الآن تحويل مباني العلوم إلى مركز إنمائي وثقافي واجتماعي يحتضن المنطقة التي ما زالت تضم تنوعاً، وإن صغيراً، يلخص العائلة الشمالية إلى حد كبير، وهذا لا يتم من دون التعاون مع الفرنسيين مالكي المكان، وربما الأمم المتحدة ومؤسسات طرابلسية ولبنانية رسمية وغير رسمية، كما أن الشارع يضم كليات ومؤسسات تربوبة ومباني عسكرية وأمنية وهو «شريان رئيسي مهمل» في المدينة التي كادت تصبح مدناً عدة في السنوات القاسية الأخيرة، ما يعني أن الشارع يمكن أن يلعب دوراً في لملمة أجزاء المدينة، الفقيرة منها خصوصاً، كما في تحسين تواصلها مع بعض أقضيتها.
لم يقتصر انعكاس حركة بوزار على القبة فقط، بل امتد إلى أحياء المدينة وبعض الشمال حتى «أصبح لكل شارع جداره ولكل قرية بوزارها». كما أن بوزار تحولت إلى جمعية مدنية وتمددت في أماكن مختلفة وتعاونت مع مؤسسات وجمعيات وناشطي المجتمع المدني لوقف التدهور المريع للمدينة، وذلك في مواجهة العنف والمطالبة بالاستقرار الأمني وتفعيل العمل البلدي والإداري والخدماتي وإنجاز المشاريع الإنمائية والاقتصادية، خصوصاً التي تنتج فرص عمل وتهيئ المدينة لدور لاحق في الإعمار في سورية. والجمعية تحاول استعادة شعار «بوزار تمحو خطوط التماس الطرابلسية» والذي شكل عنواناً لكتيبها الأول الذي أصدرته في احتفال مهيب أقامته في الرابطة الثقافية تكريماً للفنانين الكبار الذين أهدوا مدينة طرابلس جداريات بوزار الرائعة، والتي أكسبتها لقب «مدينة الجداريات» على رغم ما يلفها من بؤس وغضب وحرمان، قبل أن يجتاحها التوتر والفوضى وصولاً إلى الاستباحة. من هنا، نرى أهمية الضعط لتسريع العمل في البناء الجامعي في المون ميشال، والذي تعثر وطال أمده بعد أن شكل بارقة أمل للمحبطين الطرابلسيين والشماليين عموماً، خصوصا أنه سيساعد في تحطيم فكرة القلعة والساحة، ذلك أن المدينة ستتمدد تلقائياً نحو المون ميشال الذي سيصيغ بتكامله محيطاً متنوعاً يربط التكتلات السكنية في المنطقة بوشائج متعددة، ضاخاً في عروقها دماء جديدة عوض أن تظل كتلاً باطونية جامدة، ما يضعنا أمام فكرة طرابلس الكبرى ويعيد إليها ألق الانفتاح والتنوع.