
كتبت نيكول طعمة في “النهار”:
عاشت رادة اللوزي صوّاف عام 2010 تجربة شخصيّة قاسية جداً قبل حملها بتوأم. فبعد محاولات للإنجاب دامت أكثر من خمس سنوات تنقلّت فيها للعلاج بين مستشفيات في السعودية، بريطانيا، فرنسا وأميركا، تمكّنت أخيراً من الحمل. إلا أن حبلها بجنينيّن لم يفرحها طويلاً بسبب “البرونشيت” الحاد الذي أصابها في الأشهر الخمسة الأولى من الحمل، وأدخلها العناية الفائقة في مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت لمدة شهرين بقيت خلالهما موصولة بالأجهزة لإنقاذ الجنينين وحياتها من الموت. إلا أنها في الأسبوع الـ26 من الحمل خسرت أحد الجنينين، وفي الأسبوع الـ27 وُلدت ابنتها ميمونة.
تتحدث صوّاف عن المرحلة الصعبة التي مرت بها بالقول: “قرّرت بعد مضي ربع ساعة من خسارة أبني أن أنسى ما حصل معي وانظر إلى ما تبقّى لي كي أستمرّ، وفي أيام قليلة ولدت ابنتي ولادة مبكرة وكان وزنها 700 غراماً”. مكثت ميمونة في العناية الفائقة 76 يوماً الى أن استقرت حالتها وارتفع وزنها الى 2 كيلو غرام، وحملتها أمها الى البيت وهي تفكّر بمشروع إنساني في خدمة الولادات المبكرة.
نذرت صواف نفسها، ومعها أربعة أمهات عايشّن تجربة الولادة المبكرة والعناية الطبيّة المركّزة لهن ولأطفالهن، أن يقمّن بعمل إنساني عبر تأسيس جمعيّة تُعنى بحديثي الولادة وجمع تبرعات مالية بغية توفير العلاج الباهظ لهم.
بعد معاناة طويلة وعصيبة، ها هي رادة صواف ترأس جمعية “Neonate Fund” وتقول: “أعتبر وجود ميمونة في حياتي نعمة، وبسببها وأربعة أطفال مثلها، نستطيع أن ننقذ آلاف الأطفال الخدّج”.
تشرح صواف أن الجمعية انطلقت بفضل حلم الدكتور خالد يونس مسؤول قسم وحدة العناية المركّزة لحديثي الولادة في الجامعة الأميركية، لأنه يُولد في لبنان حوالى 70 ألف طفل سنوياً من بينهم بين 6 و7 آلاف يولدون قبل وقتهم. وبات ممكناً بالخبرة والتقنية إنقاذ كل طفل يولد ابتداءً من الأسبوع الـ25.
عاشت رادة صواف تجربة الولادة المبكرة ولم تكن تعرف قبل ذلك معنى هذه الولادة ومعاناتها “لا من ناحية الآثار النفسيّة والصحيّة والجسدية التي تتركها على الأمهات، ولا من ناحية الكلفة المادية”. وأبصرت “Neonate Fund” النور في 15 كانون الأول 2011 بالشراكة مع “وحدة العناية المركّزة الخاصة بالأطفال حديثي الولادة” في المركز الطبي للجامعة الأميركية.
وتقول: “للأسف غالباً ما تبدأ المبادرات الإجتماعية من تجربة شخصية مؤلمة في غياب أي سياسة حكومية مستدامة وفاعلة تدعم المسائل الصحيّة والإجتماعية في البلد، فضلاً عن تعثّر المؤسسات الضامنة وعدم قدرتها على تغطية الحالات الصحيّة المستعصية”.
الولادة المبكرة إلى تزايد
تشير الإحصاءات العالمية الى ولادة نحو 15 مليون طفل قبل آوانهم في العالم. ويتعرّض حوالى مليون منهم في الدول النامية لمشكلات صحية خطيرة فور ولادتهم. وتقول إن كثيرين “لا يدركون حجم الأعداد المتزايدة للأطفال المولودين باكراً في لبنان، أو ما يُطلق عليهم اسم الأطفال الخدّج”. وتبلغ نسبة هؤلاء الأطفال بين الحديثي الولادة 9.6%”، “وهذا الرقم يزداد بشكل كبير، إذ يرتفع سنوياً بين 15 و30%، وقسم كبير منهم يعانون مشكلات صحية لاحقة تترافق مع الولادة المبكرة، كمشكلات في القلب، الدماغ، الجهاز العصبي وغيرها، وتالياً تحتاج نسبة 35 الى 40% منهم إلى عناية مركّزة ومستدامة قد تطول بين خمس وسبع سنوات.
يشار الى أن 84% من الأطفال الخدّج يعانون أمراضاً في القلب، وتشكّل بقية الأمراض الناتجة عن الولادة المبكرة 16%”.
كلفة العلاج باهظة والجمعية تغطي
كل يوم يمضيه الطفل في قسم العناية الفائقة “لا يكون غائباً عن عائلته فحسب إنما يخضع لعلاج مكلف يبلغ ألف دولار يومياً كحد أدنى”، تفيد صواف، “أما المعدل الوسطي لتغطية العلاجات للطفل الواحد، فتراوح بين 10 و15 الف دولار، وقد تصل إلى 50 الف دولار وربما أكثر، وفق حالة الطفل”. وتوضح أن نسبة الوفيات الناتجة عن الولادات المبكرة عالية جداً في لبنان “ويعود هذا الأمر في العديد من الحالات إلى عدم تحمّل أغلب العائلات الكلفة الباهظة لإنقاذ أولادها مع ما تواجهه من ظروف إقتصادية وإجتماعية صعبة”.
وتشير الى أن الجمعية تمكنت من تغطية كلفة أطفال استقبلوا من قبل الجمعية في وحدة العناية المركّزة في مستشفى الجامعة، وبلغت نسبتهم 22.3% في 2012، و26.9% في 2013، فيما ارتفعت نسبة التغطية إلى 34.4% في 2014. أي أن الجمعية دعمت حاجات هؤلاء بمبلغ 587905 دولارات عام 2012، وارتفع المبلغ إلى 665835 دولاراً في 2013، ووصل إلى 861989 دولاراً في 2014. وكانوا بنسبة 95.6% من الأطفال اللبنانيين، 2.9% سوريين و1% فلسطينيين و0.5% من بقية الجنسيات”.
الجمعيّة غير حكومية… فمن يُموّلها؟
“Neonate Fund”، جمعية غير حكومية لا تتوخى الربح المادي، لكنها “تحظى بمساعدات مالية محلياً ومن متبرعين في المملكة العربية السعودية وهي الدولة الخليجية الأكثر دعماً، وذلك إيماناً منها برسالتنا، وتمكّنا منذ 2011 لغاية العام المنصرم من تأمين رعاية مادية بلغت نحو مليوني و200 الف دولار لـ209 أطفال خدّج”، تؤكد صواف، وتشير الى أنه بفضل هذا الدعم بات بامكان الجمعية أن تنقذ حياة أطفال خدّج ابتداءً من وزن الـ560 غراماً، “ويعتبر هذا الأمر تحدياً كبيراً أمام الطب”، لكن الحكومة اللبنانية لا تولي هذا الموضوع أهمية رغم محاولات عدّة لحضها على العمل “لكن لم ننل منها إلا الوعود”، مع العلم أن الأمم المتحدة خصصت يوم 17 تشرين الثاني من كل سنة يوماً عالمياً للولادة المبكرة ويشارك فيه أكثر من 60 دولة بهدف رفع الوعي وحضّ الحكومات على الإلتزام أكثر فأكثر تجاه هذه القضيّة، “ولا يجوز بعد اليوم”، تختم صواف “أن يبقى المال حاجزاً بين موت طفل وهبة الحياة”.