#adsense

مناضلات القوات – الملازم جاكي حنين: “زحفت عا صور الحكيم وصرت بوسن وقلّو تقبرني حكيم”

حجم الخط

أشعر في كلّ مرّة أريد الكتابة عن “مناضلات القوات” بخوف من التكرار، أبدأ مقابلتي دون سابق تصوّر ولكن بكل تصميم على العودة حوالي ربع قرن في الزمن، أبدأ الحفر في الوجدان فيتفجّر مخزون الذاكرة نبع ذكريات نقيّة، صافية، طاهرة بقدسية القضية، مكرّسة بالنضال المعمّد بالدم والعرق والدموع، مرفقة بحكايات العنفوان والكرامة، تنتهي بغرس الراية في الأرض يزرعها من يبقى ليخبر ويقطفها من سوف يأتي لنستمر…

تتكلّم بطلاتنا ليس بهدف الحديث عن بطولاتهنّ، بل لنشر الأمل والدعوة إلى العمل، إرادتهنّ أنّ تكنّ مبشرات بين الشابات من الجيل الجديد، دعواتهن للإنخراط في النضال السلمي اليوم عبر الإنتساب إلى الحزب الذي قال عنه رئيسه “القوات اللبنانية مشاريع شهداء وأبطال”، جاكي حنين هي عنوان هذه المقالة، وفي التفاصيل… ملائكة الشرف والمجد من أجل لبنان.

 

جاكلين جورج حنا، من دوما، عائلة من سبعة أشقاء، نحبّ لقب عائلة فلّاحين نظراً لما لهذا اللقب من ارتباط بالأرض، الأرض التي أنجبت قدّيسين وزادتها قدسية دماء الشهداء التي جُبِلَت مع تربتها، شقيقي الشهيد جاكسون حنا، إستشهد مع الجيش اللبناني أثناء “حرب التحرير” وكانت وصيّته أنّ يرفعه رفاقه في القوات اللبنانية وهكذا كان، ممّا تسبّب لنا بإشكالات مع قيادة الجيش، خاصة وأنّه كان قد ترك الخدمة بعد الحادثة الأولى بين جيش عون والقوات في العام 1989 عندما قال له الضابط المسؤول أنّ الإستنفار ضدّ صاحبك جعجع…

في العام 1994 غادرت إلى فرنسا حيث أتابع نضالي اليوم في نشاطات الحزب، نحن تعلّمنا أن لا نسعى للمناصب، بل نعمل حيث تدعو الحاجة، وكنتُ أقول للرفاق “ما بِتْجَوَّز تا يطلع الحكيم من الحبس، وفعلاً هيك صار وعندي إبنة عمرها ثماني سنوات الآن وإسمها كريستا-ستريدا ولقبها الصدم الصغير”.

كان والدي ينتمي لحزب الوطنيين الأحرار وهو أوّل من درّبني على إطلاق النار، تضحك جاكي وتروي عن أول مرّة إستعملت المسدس، “كان عمري ثماني سنوات، أخذنا والدي إلى جرد دوما وطلب مني أن أطلق النار على حجر، قلت له وماذا تعطيني إذا أصبته، قال لي بأنّه سيعطيني المسدس، “أخدت الفرد وما بعرف كيف قوّصت بس بعرف إني صبتو” وسط دهشتهم وأصرّيتُ على أخذ المسدس من نوع بيريتا وما زلت أحتفظ به حتى اليوم”.

أثناء معركة تلّ الزعتر، غادرنا والدي للمشاركة في المعارك، وسلّمني بندقية سيمينوف طالباً مني أن أكون مسؤولة عن حماية العائلة “يلّي بيقرّب عالبيت بتعمليه كبّة”، وكنتُ أستيقظ من نوبة الحرس كل صباح أثناء غيابه جالسة تحت الشباك، وهكذا كان السلاح جزءاً من شخصيتي إلى أنّ طبع العمل العسكري هويّتي النضالية.

عندما بدأت “حرب الإلغاء”، كان لي شقيقين مقاتلين مع القوات اللبنانية، وفور بدء الحرب توجّهت من دوما إلى بيروت وبحثت عنهما على الجبهات تحت القصف حتى وجدتهما، وأثناءها غبت عن الوعي نتيجة عصف قذيفة سقطت قربي، وأصبحتُ أمضي يوماً مع أحدهما في حي السريان ويوماً مع الآخر على محور كاليري خباز…

تروي جاكي عن حادثة جرت معها عندما كانت مع أخيها على جبهة كاليري خباز: “تعلّمت درساً عن القوات اللبنانية والشهامة في الحرب، فقد أشار لي أخي إلى جنديين في الجهة المقابلة بأسلحتهما يملآن مطرات مياه، فقلت له ألا يجب أن تطلق عليهما النار؟ أجاب بلى، ولكن “ما إلي قلب، عم يعبّوا ميّ يمكن لعيالهم، حرام عندن أم وعيال يبكوا علين، لو هاجمين علينا كنت قتلتن”، فرحت كثيراً أنّ الإنسانية لم تمت في نفوس هؤلاء المقاتلين، وعندها فهمت الفرق بين القاتل والمقاتل.

خلال جلسة مع أشقائي وبعض الرفاق، قال لي الشهيد رولان الفخري الذي تمّت تصفيته في القليعات، لماذا لا تتقدّمين إلى دورة الضبّاط لأنّك تملكين الرغبة والحماس والشروط المطلوبة، تردّدت ولكن بعد التشجيع الذي لقيته من أشقائي، قرّرت التطوع.

لم يستطع والدي تقبّل فكرة أن تقضي فتاة وقتها في ثكنة عسكرية مع شبّان، ولم يكن سهلاً على فتاة أن تخالف مشيئة والدها، ولكن لم يكن سهلاً أيضاً مواجهة الرغبة في النضال دفاعاً عن الأرض، هذه الفكرة التي كان والدي أوّل من زرعها في فكري كالإيمان، وعندما خيّرني بين البيت والثكنة إخترتُ رسالتي والتحقت بالمعهد، حيث كانت والدتي واشقائي يزورونني قبل أن تهدأ الأجواء وعادت الأمور إلى طبيعتها.

سألت أحد رفاق دورة جاكي عنها، حدّثني أنّها كانت نزيلة السجن دائماً، والسبب الأبرز أنّها كانت تساعد رفاقها في مهامهم متخطّية الأوامر المعطاة لها، فتنال العقوبة، كما انّها كانت تصرّ على متابعة دورات التدريب الخاصة بالشباب، وفي أحد الأيام خاطبها مدرّب جديد “ما اسمك؟” فقالت له إسمي جاك كي لا يرسلها إلى رهط الفتيات.

تخرّجت من “معهد بشير الجميل” ملازماً في “دورة الشهيد موريس الفخري” وتشكّلت بداية إلى الأركان لفترة بسيطة ثمّ إلى العمليات في المجلس الحربي، وبقيت هناك بعد حلّ الميليشيات وانتقلنا إلى العمل الإداري، حتى أتى الجيش وداهم المجلس، وتُخبِر جاكي عن ذكرى لا تنساها حصلت لها، “بعد أيام سمحوا لنا العودة لأخذ حاجياتنا وأثناء خروجي كان الجنود قد فرشوا الأرض بصور الدكتور جعجع لندوس عليها، وقفت على الباب ورميت حقائبي إلى ما بعد حدود الصور وبدأت أزحف على صور الحكيم مردّدة “حبيبي حكيم حبيب قلبي وأقبّل الصور، تقبرني يا حكيم” فجاء أحد الجنود وركلني بالرينجر على ظهري بقسوة ما زلت أشعر بها حتى اليوم قائلاً : “بتحبّيه؟ بدِّك تقومي تمشي عالصور…”، قلتُ له أمامك خيارين، إمّا أن تطلق النار علي وأنا أزحف، أو أزيل الصور وأخرج مشياً، فقال له جندي آخر “اتركها يا عمّي اتركها، هيئتها نمرودة”، وهكذا كان وتابعت الزحف إلى الخارج.

في فترة الإضطهاد، غادرتُ إلى فرنسا بناءً على “نصيحة”، وهنا بالنسبة لي بدأت رحلة مقاومة شخصية شاقة سأذكر بعض أحداثها لتكون عبرة، وصلت إلى باريس حيث لم أكن أعرف أحداً ولا أدري كيف أستطيع تدبّر أموري، نمتُ في حديقة عامة تحت مقعد، في أيام الشتاء والثلج حتى استيقظت ذات صباح على أناس مجتمعين حولي ويقومون بإنعاشي بسبب توقّف قلبي ولحسن حظي أنّ امرأة وجدتني أثناء نزهتها مع كلبها، ثم أخذوني إلى مستشفى لبضعة أيام حتى شفائي…

بعد خروجي من المستشفى بدأت أفتّش عن وسيلة البقاء، أنا في باريس وأشقائي في لبنان دون عمل بعد حلّ “القوات اللبنانية”، فكان عليّ أنّ أجد مخرجاً لهذه الأزمة، بعد محاولات عديدة تعرفتُ إلى “أهالي ترشيش” الذين أدين لهم بمساعدتي على الوقوف والصمود، فأمّنوا لي الإقامة والعمل كحاضنة أطفال عند عائلة فرنسية وأعطوني سلفة مالية، ولكن الراتب لم يكن يكفي لأقوم بواجبي تجاه عائلتي فأصبحت أعمل في ثلاث وظائف ولم يكن يُتاح لي آنذاك سوى ثلاث ساعات نوم يومياً.

قرّائي الأعزاء، المقال طال، ولو أردتُ السرد والشرد في التفاصيل لاحتجتُ إلى أضعاف ما سبق، إختصرت واقتطفت زبدة الكلام وعبرة الأحداث، أعطيتكم العناوين وأترك التفاصيل لمخيلتكم، رفاق كثيرون لجاكي حنين سوف يقرأون هذه السيرة المثيرة لمسيرة  رفيقة مناضلة من “مناضلات القوات” وقد يكون لهم الكلام في التعليقات لاحقاً، أمّا مسك الختام فمع كلام وسلام من جاكي أرادته يشبه شخصيتها ونضالها :

“بدّي وجّه كلمتين، أوّلاً للمجتمع المسيحي ومش بس القوات تا قلّن حافظوا عالأرض، ما تبيعوا، تعذبت كل هالعذاب بفرنسا وما قبلت نبيع متر أرض من أراضينا، نحنا حاربنا تا نحافظ عالأرض والعرض، لو بس تا ندافع عن أشخاص كان فينا نسافر ونعيش ببلاد الله الواسعة ولكن أرضنا هيي هويتنا، ويلّي ما خسرناه بالسيف، ما لازم نخسرو للكَيف، شو ما تكلفنا تعب وشقا”.

وكلمتي لصبايا وشباب القوات، “بدّي كرّر شي قلّي ياه الشهيد رولان الفخري وقنعني إدخل دورة الضباط بالقوات اللبنانية : إنتوا قطعة ألماس قيمتها غالية كتير، بس لازم تصقلوها بإنتسابكم للقوات وتنمية الذهن وتنقية الروح النضالية تا تصيروا أحلى وتا تاخدوا دور بتطور الحزب وإستمراريتو، ما في شي هيّن بهالدني، بس في تعب بيعطي نتيجة وفي تعب بيروح ضيعان، الله يبارك فيكن وبيكبر قلبي بس شوفكن مجتمعين إيد واحدة في خدمة القوات ولبنان”.

إلى الرفيقات اللواتي كانت لهنّ مساهمة في النضال في زمن الحرب ويرغبن في مشاركة التجربة، أرجو مراسلتي على صفحتي على الفيسبوك “Liban Saliba”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل