تبعاً لما فهمه القارئ تلقائياً، عنوان هذا النص تهكّمي مُتخيّل. ولكنه مقتبس من الواقع، ومن تصريحات في الأسابيع والأيام الأخيرة، بطلها الأول هو رئيس مدرسة الكوادر في الحرس الثوري الإيراني، حسن عباسي، وشخصيتها الرئيسية، الرئيس الأميركي باراك أوباما. أما الشخصيات الثانوية التي سنستعين بها لتوضيح الدافع وراء هذا العنوان، فهي الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، المناضل الأرجنتيني إرنستو تشيغيفارا، الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي، ومعاونه محمد علي أبطحي.
لا عجب أن يكون على رأس مدرسة الكوادر في الحرس الثوري، فرد مثل حسن عباسي، صاحب تلك الشخصية المعقّدة التي تجمع الالتزام العقائدي، بالقدرة على التنظير السياسي والعسكري مضافةً إلى القدرة على التهكم برصانة وصرامة ملهمتين. ولعلّ التصريح الأهمّ له منذ فترة، كان يوم الجمعة الماضي، وسآتي على ذكره لاحقًا، بعد أن أروي القصة الذي ذكرني بها.
هذه القصة واردة في مقطع من محاضرة لعباسي منشورة على موقع “Youtube”، أيام الرئيس الإيراني محمد خاتمي، ينتقد فيها هذا الأخير ويسخر من معاونه محمد علي أبطحي، مقارناً بين تصرفاتهما، وبين واقعة استقبال تشي غيفارا لجان بول سارتر (التي رواها هذا الأخير في مذكراته).
لن أروي كامل المقطع هنا، بل سأترك لكم متعة مشاهدته على الرابط المرفق أدناه، ولكنّي سآخذ الجزء الذي يعنيني والذي استوحيت منه العنوان. ففي خضم انتقاده لتصرفات البعض في السلطة، ممن يلبسون العمائم وهم من الأسياد، أراد عباسي أن يعطيهم مثلاً ثورياً يحتذون به ويستلهمونه في تصرفاتهم اليومية، فروى واقعة استقبال تشي غيفارا لجان بول سارتر. أراد أن يقول لهم عباسي، ما معناه: “تمثّلوا بهذا الثوري الذي لا يرتاح ولا ينام، ساهراً على إنجاح ثورته، والذي لا يجد وقتاً ليصرفه على ترف اجتماعي أو شخصي، والذي حين طلب فيلسوف عظيم كسارتر لقاءه، أعطاه موعداً في الساعة الثانية بعد منتصف الليل، واستقبله بلامبالاة، واستعجله للانصراف لأن لديه عملاً ولأن الثورة تتطلب جهداً ولا تحتمل إضاعة الوقت. كيف تستطيعون النظر إلى أنفسكم وأنتم معممون وأحفاد رسول الله، وتتصرفون بما لا يليق بمقامكم الديني، بينما ترون ذاك الكافر الملحد إبن السادسة والثلاثين، الذي لا يعرف الله، ساهراً يعمل لإنجاح ثورته، ولا وقت لديه لاستقبال أحد أعظم فلاسفة البشرية؟”.
إن ما ذكرني بهذه المحاضرة لعباسي، هو تصريحه يوم الجمعة الفائت، والذي قال فيه ما حرفيّته: “أوباما يدعم ثورتنا، ووجوده في البيت الأبيض هو الفرصة الأهمّ لإزالة الخطر الأميركي المحدق بنظامنا”. ربما استلهم – تهكّماً – عباسي الترجمة الحرفية إلى الفارسية لاسم الرئيس الأميركي، ليقول ما قاله، فعبارة “اوباما” في الفارسية تعني “هومعنا” (“او”: هو|هي، “با”: مع، “ما”: نحن) إذا اعتبرنا فعل “است” الفارسي (الذي يقابله في الفرنسية “Il est”) حاضر بالضرورة (أي الحاضر-الغائب)،لاكتمال المعنى في اللغة المحكية دونه، حيث الصيغة الفصيحة الصحيحة لجملة “هومعنا” هي “اوبامااست”.
لا مفرّ بعد هذا التصريح من استلهام الفيديو المشار إليه أعلاه، فكأني بحسن عباسي، يصرح بما صرح به، متأمّلًا نفسه جالسًا خلف مكتبه رافعًا رجليه، ومستقبلًا الرئيس الأميركي الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وصارفًا له بعد هنيهة، لكثرة مشاغله في تحضير خطط السيطرة الإيرانية على المنطقة.
بصرف النظر عن مسار الأحداث الذي يُستشفّ منه وجود إرادتين، خارجية (على رأسها الولايات المتحدة) وداخلية (على رأسها روحاني ومن يدور في فلكه) لدفع الحرس الثوري إلى واجهة الأعمال الحربية في المنطقة، تبعًا لمقاربات وغايات مختلفة، إلا أن التخبط الذي يقع فيه المسؤولون الإيرانيون والأميركيون، والبارز في نوعية تصريحاتهم أخيراً، يدفعنا دفعاً للتأمل بتلك المشهدية السوريالية المضحكة التي تجمع حسن عباسي وباراك أوباما. لا مفرّ من ذلك، لأن بعض الوقائع والتصريحات الحقيقية، هي أشد سخرية مما مرّ.
رابط الفيديو على موقع الـ Youtube:
