صدر حديثًا كتاب بعنوان “مسيحيّون مقاومون” للكاتب “يوسف عوده”، يتناول هذا الكتاب قراءة نقديّة للحرب اللبنانيّة وما تبعها من اضطهاد لعناصر “القوات اللبنانيّة” بغية تهجير الشباب المسيحي المقاوم في لبنان. جاءت هذه القراءة بمنظار كاهن يقرأ الحرب انطلاقًا من نظرت تاريخيّة مسيحيّة للواقع المسيحي في لبنان.
يقسم الكتاب لثلاثة فصول، يرتكز الأول على شهادات أشخاص كانوا في العنصر المؤسس للمقاومة المسيحيّة، مثل الدكتور سمير جعجع والأباتي بولس نعمان والدكتور هنري كريمونا والأستاذ أنطوان إسطفان.
ويرتكز الفصل الثاني على شهادات حيّة لأبطال كانوا على خطوط المواجهة وكانوا جنود الصمود المجهولين، إختارهم الكاتب من مناطق مختلفة ومن جبهات مختلفة ليعطي مشهديّة واضحة للقارئ تجسد واقع المقاومة المسيحيّة في لبنان.
أما الفصل الثالث، تحدث عن مرحلة الاضطهاد الممنهج لشباب “القوات” بغية تهجيرهم، لكن الكاتب اختار مع باقي رفاقه النضال السلميّ ليبقى لبنان بلد الحريّة والديمقراطيّة في صحراء الديكتاتوريات والأنظمة القمعيّة.
جاء هذا الكتاب عصارة أفكار مسيحيّة مقاومة من أجل الوجود المسيحي في لبنان وليكون مستنداً تاريخيّاً بشهدات مقاومين مسيحيّين للأجيال القادمة كي يعرفوا بطولات ومعانات أجدادهم في لبنان.
نعرض من الفصل الثاني في الكتاب، شهادة بيار جبّور:

تعرّفت إلى بيار يوم كان قائداً لوحدات الصدم ومسؤولاً عن حماية مقر “القوات اللبنانيّة” العام في غدراس. عرفته جريئًا لا يهاب السلاح ولا النار، لا يخافُ سوى الله القادر على كلّ شيءٍ. منذ سنين المراهقة تجرأ بيار حيث خاف الآخرون. حمل السلاح دفاعاً عن القضيَة، وما زال حتى اليوم مناضلاً بالفكر والكتابة وبالدم إن دعت الحاجة. روى لي الكثير من البطولات حين كان يتجرأ حيث لا يجرؤ الآخرون، وحين تدخّل بيار مع رفاقه في وحدات “الصدم” وصدموا حسابات الآخرين وغيّروا مخطّطاتهم الجهنميّة، وأيقظوا الحالمين من ثُباتهم العقيم، لكني اخترت هذه الواقعة لأن المقاومة لا تتقيد بالجغرافية ولا تحاصرها الثلوج.
كانت مدينة زحلة إبتداءً من 1 نيسان 1981غارقة تحت غزارة القصف السوري وأرتال الدبابات تتقدم من التلال المشرفة على زحلة لتصبّ جامَ حِمَمها على عروس البقاع وتفرض عليها الحصار كي تستسلم للغازي.
لكن عنفوان أسود زحلة لا يعرف الاستسلام وخصوصاً بعد أن أرسلت “القوات اللبنانيّة” وحدات المغاوير ووحدات الدفاع إلى زحلة كي تنتصر المدينة على غازيها، وصل الدعم إلى زحلة عبر جرد عيون السيمان بالرغم من كثافة الثلوج التي تغمره، لكنّ الشيخ بشير خوفًا من إقفال طريق الإمداد الوحيد بعد ذوبان الثلوج من قبل القوميّين الموالين للسوريّين، طلب إمداد زحلة عدّةً وعديدًا مسبقًا قبل ذوبان الثلوج.
أوكل الشيخ بشير المهمة إلى الدكتور سمير جعجع قائد جبهة الشمال، حيث كان العسكر ينتشر على جبهة عريضة بمواجهة السوريّين ولا يمكن تفريغها خوفًا من اختراقها. لذا تقرّر أن يؤمن طوني أبي يونس مئتي عنصر من ذوي الخبرات القتاليّة من منطقة جبيل للصعود مع سمير جعجع إلى زحلة.
كان اجتماع التحضير في القطارة وحدّدت ساعة الصفر عند الساعة العاشرة صباح 4 نيسان. انضم بيار إلى تلك المجموعة كونه من شباب منطقة جبيل ومن ذوي الخبرة القتاليّة التي تؤهله للمشاركة مع القوة الصاعدة إلى زحلة للدفاع عن المدينة ومساندة رفاقهم في القوات اللبنانيّة.
إنتقل بيار مع رفاقه بواسطة الحافلات إلى مغارة جعيتا حيث مخازن الأسلحة، تزوّد الجميع بالسلاح ونقلوا معهم صواريخ خارقة للدروع لتزويد الوحدات المقاتلة على جبهات زحلة، وارتدوا ثيابًا خاصة بمقاومة الصقيع والثلوج. وصل شباب منطقة جبيل إلى عيون السيمان حيث كان بانتظارهم الحكيم مع مجموعة مقاتلة من شباب منطقة الشمال. شرح لهم الحكيم صعوبة المهمة من حيث قساوة الصقيع والثلج عليهم ومن ثمّ أهميتها لأنّها مرحلة من ضمن تاريخ الوجود المسيحي في لبنان.
انطلق الجميع سيراً على الثلج يتقدمهم حنا سابيوس العالم بتشعبات جرد عيون السيمان مع مجموعة كشافين لتأمين سير الشباب. كانت الساعة الرابعة فجرًا حيث يغلّف الجليد الأرض البيضاء مما سهّل حركة الشباب على الثلج لكن حدّة الصقيع لم تكن لصالحهم. مرّت بهم آليّة رتراك خاصة بالثلوج تنقل جرحى من وحدات المغاوير إلى مستشفيات المنطقة إذ أدركوا هول الخطر لكنّ إيمانهم بإرادة الله لا تُغلب وهي أعظم من هول المعركة.
مع بزوغ الفجر وصلت المجموعة إلى مشارف الشير الأحمر حيث لاحظ السوريّون المرابضون في منطقة ريّاق حجم المجموعة على البقعة البيضاء، فأمطروهم بالقذائف المدفعيّة والراجمات ما أجبر المجموعة على الإنقسام، مجموعة انحدرت إلى قعر الوادي ومجموعة ثانية انحدرت إلى مكان إنطلاقها حمايةً من القصف المرّكز. قال أحد الشباب حينها: “انحدرت بسرعة البرق من أعلى الشير إلى الوادي حيث شاهدت رفاقي يتزحلقون على البساط الأبيض بين زخّات القذائف كما كنت أشاهد الأفلام”.
استشهد نجا الخوري من بلدة المغيري وهو قائد ثكنة اللقلوق وأصيب ابن خالتي شربل أمام أنظار شقيقه طوني الذي ترك شقيقه لوحدات الإسعاف وأكمل مع المجموعة إلى زحلة، واستشهد نبيل رحمة من بشري وهو أحد مرافقي الحكيم. لم تتوقف القوة بل أكملت سيرها حتى بلغت المدرسة الرسميّة في وادي العرايش، حيث استقبلتهم النسوة بخبز الصاج الساخن، وبعد استراحة المحارب وقبل الانطلاق إلى المواجهة. أُبلغَ الحكيم بالعودة إلى الشمال لأن بشائر التحرك السوري بدأت تظهر للعيان. طلب الشيخ بشير العودة السريعة بالرغم من حالة المجموعة المنهكة من السير فوق الثلج وتحت القصف.
عادت المجموعة على طريق ثانية أطول، إذ سار الشباب مدة اثنتي عشر ساعة على الثلج وتجرّعوا لحظات الموت من التعب، لكنهم لم يستسلموا بل استبسلوا كي لا يسقط الشمال. لكن وبعد يومين أغار الطيران السوري على تلك الممرات وأنزل جيشه ليقطع الشريان الحيوي الوحيد لمدينة زحلة وكان ذلك في العاشر من شهر نيسان 1981.
صمدت زحلة وصمد الشمال بفضل أبطالٍ أمثال بيار جبّور وبقيت المقاومة اللبنانيّة كي يبقى لبنان وطنًا لجميع أبنائه. لم يتراجع بيار يوماً ولم يبخل بالغالي والنفيس من أجل لبنان أولاً. بعد سنين طويلة من المقاومة والحرب ما يزال ينبض عنفواناً وجرأةً وهو سيبقى مناضلاً ليبقى لبنان أولاً.
