#adsense

دخلَت السينما للمرة الأولى: “كأنني العمياء التي فجأةً استعادت البصر!”

حجم الخط

كتب هوفيك حبشيان في “النهار”:  “سفر الخروج: آلهة وملوك” لريدلي سكوت، أوّل فيلم شاهدته رنا (اسم مستعار) في السينما. في المرحلة الثانوية، كانت تنتظر الحصّتين الأخيرتين من يوم الجمعة، المخصصتين لمشاهدة ما كان يسمّى فيلماً عبر إحدى الشاشات “العملاقة” في قاعة المدرسة. ظنتها عملاقة كونها فوق حجم شاشة التلفزيون الصغيرة في منزل عائلتها المتواضع. لم تكن “الأفلام” آنذاك إلا مزيداً من الواجب المدرسي إذ كان يُفترض أن يقدّم تقريراً عن “الفيلم” بعد المشاهدة. على رغم الثقل، ظلت تنتظر الحصّتين الأخيرتين. من كلّ جمعة.

اليوم، بعد سنوات، وجدت رنا نفسها، للمرة الأولى منذ ولادتها قبل 23 عاماً، في سينما أخرى؛ أمام شاشة رهيبة تفوقها قوّة وحجماً. بدت كأنها الطفلة التي تفكك بالدهشة ألغاز هذا الكوكب. في الآتي، حكايتها التي كنت شاهداً عليها، منذ لحظة معرفتي بعذريتها السينمائية حتى يوم حملتُها الى تلك الصالة المظلمة في منطقة الأشرفية.

“خارج تجربة شاشة المدرسة، لم أدرِ يوماً بوجود السينما. الصوت والصورة بقيا حتى الأمس يعنيان التلفزيون دون سواه من إنجازات التكنولوجيا. أمي أيضاً لا تعرف شيئاً عن السينما. كذلك أبي وأخوتي والجيران الذين تلتصق منازلهم العشوائية بمنزلنا. أردتُ من أجل تمضية وقت ظريف مع صديق، الذهاب وإياه الى حيث نكون معاً. اقترح السينما وأذعنتُ من غير استفسار أو سؤال. قررّ أننا سنشاهد معاً “سفر الخروج”، وأرسل إليّ رابط الإعلان الترويجي “فايسبوكياً”. الانترنت بطيء في حيّنا، فلم أر شيئاً. لم يكن يعنيني هذا كلّه. يدرك صديقي جهلي سينمائياً، ولا يكفّ يهزأ. أتقبّل الأمر بمزاح لا يخلو دائماً من غصّة. وأستمرُ في التبرير، أنا الماهرة في تكرار المعزوفة ذاتها كلّما تعلّق الأمر بنواقصي الكثيرة: “ليس ذلك ذنبي. من أين لي أن أعلم ما تعنيه السينما؟ عادةُ الطفل أن يقلّد سلوك والديه ويمتهن هواياتهما. أمي في المطبخ وأبي في العمل. لم أتعلّم أن ثمة حياة على هامش الطريق من البيت الى المدرسة. ثم، إن السينما أيضاً ابتياع تذاكر وفوشار وربما شراب بارد، وكنا بالكاد نملك ثمن ربطتَي خبز ومصروف الطبخة اليومية.

عادة، أعالج الفجوات بالنواح، وذلك يستفزّ صديقي السريع الغضب. لم يترك لي إمكان التهرّب من “مشوار” السينما. “الى السينما” يعني الى السينما، وأنا التي كنتُ أفضل مكاناً أكثر رومنطيقية، لا سيما أنّه نبّهني قبل خطوات من بلوغ الصالة: “من الأفضل ألا نتحدّث أثناء الفيلم. اكتفي بالمشاهدة”. ليس هذا ما أردتُه، ولكن أنّى السبيل الى الاعتراض وقد ابتاع التذاكر وسبقته حماسته نحو العرض؟ هو المتحمّس للفيلم، وأنا المتحمّسة لأكون معه. القاعة كبيرة، لكنّ الشاشة بدت لي طاغية، لا يضاهيها شيءٌ في الهيبة. رحت أرمقُ الأرجاء كأنني العمياء التي فجأة استعادت البصر. السقف. الأضواء. الكراسي المتدرّجة، والإعلانات المزعجة عبر الشاشة. بدا لي الكرسي الذي جلستُ عليه غريباً. كأنه هو الآخر استغرب زبونةً مثلي. راح المكان يصيبني بالبرد وبرغبة في التبوّل. لم تكن السينما كما توّقعتُ. ظننتها أكبر بقليل من شاشة المدرسة، ولا شيء آخر. تناسيتُ صديقي الذي انشغل عني بتفقّد “فايسبوكه”، كأنه بذلك يتعمّد بقائي على انفراد مع دهشتي الأولى. لم يشأ أن يعكّر عليّ اللحظة بأسئلة غليظة من نوع: “شو؟ مبسوطة؟”. تركني أجول في عينيّ بحثاً عن تفسير لكلّ هذا. هل كان عليّ أن أنتظر سنوات لأتعرّف الى صديق يقرر عوضاً عني (وعن أبي وأمي) أنّ عليّ ارتياد السينما؟ حينها أدركتُ أنّ العمر مرّ على لحظات إخفاقٍ هائل، وأن التفوّق لا يقتصر على الجهد المبذول في الدرس وإنجاز العمل. تموت الحياة حين نتوقّف عن الاكتشاف. لستُ أبالغ بالقول إنّ فيلماً أنقذ حياتي من ملل الروتين القاتل.

عندما خفتت الأضواء قليلاً، شعرتُ بارتباك. بدأتُ أتذمّر من الضجيج المرافق لشريط الإعلانات قبل الفيلم. تمنيتُ لو أملكُ خفضه، وأبقيتُ الأمنية سراً كي لا أكرّس نفسي بصورة الغبية أمام صديقي القليل التحمُّل. وجدته ينتشل من جيبه نظارة ويقدّمها لي. قال إن الفيلم يحمل أبعاداً ثلاثة وهذه النظارة كفيلة جعلي تماماً في العمق. كنتُ أمامه في كلّ الأوقات كالشريدة في غابة. كنتُ كائناً ناقصاً لا يدري كيف صادَق القدر على علاقةٍ له مع شخصٍ “كامل”. حتى إني تلعثمتُ بينما أرتدي نظارة الأبعاد، وشعرتُ بالاختناق بها، كأنها صُنعت لابتلاع وجهي. أخيراً… بدأ الفيلم!

صدف أنني من بيئة تعلّقت في رمضان قبل فترة بمشاهدة مسلسل “يوسف الصدّيق”. نحن من “جماعة” التلفزيون، نحمل “ثقافته” أينما نحلّ ونظنها الأروع. سهّلت مشاهدتي سيرة النبي يوسف تقبّلي “أجواء” الفيلم حيث يشترك العملان في البنية الفرعونية. خارج ذلك، بدأتُ أُذهَل: كيفية التصوير، التفاصيل، الموسيقى، الطبيعة، وكلّ ما تعنيه الأبعاد الثلاثة من اقتحامٍ وتفاعل. همس بي صديقي ممتعضاً، مطالباً بالكفّ عن سلوك الأولاد. كنتُ إن مرّ مشهد حشرات أحجبُ عينيّ، وإن تقدّمت الأحصنة صوبي أتراجع. مراراً، انتزعتُ نظارة الأبعاد في محاولة لمقارنة الواقع بذاك العالم. شيئاً فشيئاً، راقتني النظارة وألفتها. جعلتني أدركُ كم أن الحياة فارغة من غير أبعاد. أردتُ لو أُسقط تأثيرها على نشأتي، وتربيتي، وجذوري. وتذكرتُ أمي التي لم تعرف من العُمر إلا بُعداً واحداً، ووجدتُني على خطاها، لولا النظارة التي، حال خوفي من نظرات صديقي، ومن فضحِ نقصي أمامه، دون أن أُبقيها على عينيّ، وأخرج بها بين الناس، ولن أكترث إن راحوا ينظرون إليّ بسخرية وينعتونني بالمجنونة!

عندما خرجتُ من الفيلم ممسكة يد صديقي، شيءٌ يشبه الدوار كاد أن يرميني أرضاً. سنواتٌ مرت وأنا ببعد واحد، فكيف فجأة أشاهدُ الجمال بثلاثة أبعاد؟ تماسكتُ كي لا ألفت صديقي الى هشاشتي أمام التجربة الجديدة. ظلّ الفيلم فيَّ ساعات، يراودني من حيثُ لا أعلم. أدرك صديقي أني أمامه كائن مذهول لا يملك أن يتعالى على اللحظة. وأدرك أنه سلّمني الى ساحر راح يقدّم بي عرضاً أمام جمهورٍ ملّ ألعاب الخفّة. “خربطني” الفيلم، ورحتُ أراه في الحلم بكل ما ملكت البصيرة من أبعاد. رأيتُ الله مختزَلاً في كاميرا. أكتشفتُ وأنا في الثالثة والعشرين، أن العمر هو الآخر لقطة. تقلّ الجماليات في الحيّ البيروتي الذي كبرتُ فيه، لفرط ما يعاني المكان في انطباعاتي من ضجر يتكرر كلّ يوم، أما لحظة انتهاء فيلم رائع فلا تتكرر. في تلك الليلة، غمرني فرح المرأة المنتشية بالحبّ بعد انقطاع. نمتُ ساعاتٍ من دون قلق. غالب الظنّ أني استعدتُ الفيلم كما لو أني أشاهده وأنا متكئة على كتف صديقي فوق غيمة…

الآخرون هم مثلي…

ملأني الفيلم حتى اليوم التالي، وأيقنتُ كم أن بعضنا، نحن سكان حيّنا المهمش، ممنوعٌ من الفرح. ارتدتُ السوق من أجل بعض الحاجات الضرورية، وقررتُ أن أسأل. أُخبر إحدى الموظفات في محلٍ لبيع الملابس، التي أصبحت صديقتي إثر ثبوتي على الشراء من محلّها، عن صديقة لي شاهدت فيلماً للمرة الأولى. تبلغ الموظفة نحو الثلاثين أو ما يزيد قليلاً من العمر. لم تكترث بحديثي، وبدا أنه راح يُشعرها بمللٍ يفوق ملل انتظار الزبائن. سألتُها عن علاقة محتملة لها مع السينما. أردتُ لمرة أن أكون أنا العارفة فيما الآخرون ضحايا الجهل. قالت إن المسألة برمتها لا تعنيها. “شو هيدي سينما؟”، كأنها تسخر مني شخصياً بعدما أصبح لديّ تجربة. راقني دور “المتفلسفة”. رحتُ أتباهى باستعادة المَشاهد أمامها، الى أن ضاق ذرعها: “طيّب، وغير هيك…”. شكرتها على الحسم الذي تخصّني به دائماً، وانصرفتُ.

لم أخبر جارتي المقرّبة مني اني شاهدتُ فيلماً (مع صديق) في صالة مظلمة. وفّرتُ على نفسي تداعيات أن يسرح خيالها بعيداً ويبدأ بطرح الأسئلة. ألبستُ “التهمة” مرةً أخرى لصديقتي. كل ما أردته استخلاص موقفها. نهرتني بما يشبه الجزم بأن “السينما ليست لنا. هي لهم!”. أُدركُ أنها لم تزر يوماً السينما، هي الأم لأربعة أولاد، أكبرهم في سنّ الرابعة عشرة. أهلها لم يفعلوا أيضاً. أورثوها غياب هذه الثقافة، وتورثها هي، بمنتهى الأمانة، الى أولادها. سألتها ممازحةً كيف تتخيّلين السينما. اتخذت نقطة في وجهي وأجابت: شاشةٌ تعرض أفلاماً يعيد التلفزيون عرضها بعد مدّة. لو انتظر الناس قليلاً لوفّروا على جيوبهم وصنعوا الفوشار في المنزل وأمضوا وقتاً مسلياً من دون إهدار المال”!

المصدر:
النهار

خبر عاجل