
كتبت أوغيت سلامة في “المسيرة” – العدد 1422:
تحمل صليبها منذ ذاك الايار من العام 2002، مذ أخذوا حبيبها رمزي المحب، الحنون، المتفّهم، الذكي والملتزم حتى… الشهادة. ثمانية أعوام، منذ إعتقلوا الدكتور سمير جعجع إلى أن إغتالوا رمزي، لم يتوقف للحظة عن المطالبة باطلاق سراح الحكيم الذي يحب. كان خطراً مع أنه لا يملك مسدساً في بيته تقول جيسي. إيمانه أقوى من الرصاص لذا أسكتوه برصاصتين في القلب.
جيسي رمزي عيراني عاشت مع حبيبها القواتي طيلة أعوام النضال السرّي بحب كبير، وتتلذّذ معه اليوم بكأس الشهادة، هو سكب فيها الدم وهي الدمع. دم وماء، كأنها كأس المصلوب!!
لا تحقد بل تعيش سلاماً مع رمزي ومع ولديهما ياسمينا وجاد في بيت يضجّ بابتسامته ووسامته أمام الشمعة المضاءة له بإستمرار.
زوجة رمزي عيراني تروي ما تعرضت له من ضغوط وكم كابدت لتقف أمام القتلة قوية كما كان يريدها البطل. تقول “بحسب القاضي حاتم ماضي ان ملف اغتيال رمزي ما زال مفتوحاً، والبحث ما زال جارياً لكشف قاتليه طالما أنني ملتزمة الخطوط الحمراء. أما إذا تجرأت وإتهمت الأجهزة الأمنية زمن الوصاية السورية بالقتل أو التواطوء فان ملفه سيقفل نهائياً. علمًا أن الملف لا يضم أي ورقة أو وثيقة أو تقرير…” ملف فارغ كضمائرهم الغائبة.

حكاية بطل إسمه رمزي ملأ الساحات والسجون ضجيجًا ترويها جيسي:
تعرفت على رمزي العام 1993 ومذ عرفته وهو ناشط في “القوات اللبنانية”، وعلى لسانه إسم واحد سمير جعجع سمير جعجع. مرة قال لي أتريدين مقابلة الحكيم، تذهبين معي الى غدراس وتلتقينه؟ يوم أخذني لم نتمكن من إكمال الطريق على ما أذكر لأنهم كانوا أخذوا الحكيم ولم يسمحوا لنا أن نصل الى غدراس.
الاحترام المتبادل كان يطغى على علاقتي برمزي، وحتى عندما اعتقلوا الحكيم لم يشعر بالخوف ولم أره متردداً. أنا تربيت في زحلة في بيئة عانت من الاحتلال السوري واعتقالات الشباب في عنجر الذين كانوا يعودون وآثار التعذيب والحروق من أعقاب السجائر على أجسادهم، أعرف تماماً ثمن المواجهة مع السوريين لذا كنت أخاف لأننا عانينا، أما رمزي فما كان يخيفه شيء.
تزوجنا العام 1996، كان مسؤولًا عن مصلحة الطلاب في “القوات”، الإجتماعات لم تكن تتوقف عندنا وبيتنا مزدحم بالشباب. كان قلب رمزي محروقًا، كان يختنق لأن الحكيم معتقل. لا يهدأ، يتابع المحاكمات وحاضر دائماً في قاعة المحكمة ليكون قريباً من الحكيم. حتى أنه قرّر مع الشباب تشييد مجسّم لزنزانة الحكيم بذات المقاييس في كلية الحقوق. لا أعرف كيف أتى بكافة التفاصيل عن مقاساتها وكيف تمكن من دعوة وزراء ونواب الى الاحتفال. أذكر أن أصدقاءه أخبروني أن رمزي أدخل الشخصيات المدعوة الى مجسّم الزنزانة وأقفل عليهم الباب في محاولة ليشعروا ولو لدقائق بما يعانيه الحكيم في سجنه.

أوقفوه مرة وأخذوه الى وزارة الدفاع هو وعدد من الشباب، رفعوا قمصانهم وغطوا لهم رؤوسهم واقتادوهم، أوقف رمزي 24 ساعة ولم أصدق أنهم سيفرجون عنه، وقلت في نفسي أنه سيبقى مع الحكيم بالتأكيد.
لم يكن يهدأ، كنا اذا قصدنا بيت أهلي في زحلة يختفي رمزي فجأة وأعرف بعد وقت أنه ذهب للاجتماع بالشباب فوق.
الشباب الذين أوقفوا معه أخبروني في ما بعد أنه أوصاهم وهم في الطريق قال “شو ما سألوكن بتقولو رمزي…”. وعندما أطلق سراحه ليلًا وتُرك على الطريق في الحازمية شعرت كم أهين وعُذّب من خلال تكتمّه لم يكن ليرضى أن يخبرني عن حدث أهانه. كان يذهب الى التحقيق كل يوم بعد الظهر من دون أن يخبرني كي لا أقلق. وقبل كل حدث أو حفل كانوا يجرّونه الى التحقيق بدءًا من قداس الشيخ بشير الجميل الى أي محاضرة عادية. كان عليه أن يلبي دعوة المخابرات ” شرّفنا على فنجان قهوة”.

وأنت هل كنت شريكة في النضال؟
لم يكن رمزي ليشغَلني معه في نضاله، لكني كنت أحب ان اواكبه تحركاته والشباب واشارك متى سمحت لي ظروف اكان في الاحتفالات والقداديس او في التحركات وفي زيارة يسوع الملك والاطلاع على آخر المعلومات عن الحكيم من السيدة ستريدا.
لطالما دعمت رمزي ولم أطلب منه أن يتنحى أو يترك قبل أيام من اختطافه، جاء أحد جيراننا من الذين يتميّزون بالتحفّظ وقال له “رمزي عايزك حكيني” فأخبره أن سيارات غريبة تدخل الحي وتسأل عنا مثل “وين بتشتغل مرتك؟ من أي طريق تعود الى البيت؟ في أي ساعة توصل إبنك الى دار الحضانة؟” سألوا الكثير من الأسئلة المقلقة. قبلها سألوا ناطور المبنى وهو من التابعية السرلنكية إذا ما كان رمزي يستقبل شباباً في البيت ويعقد اجتماعات عنده كل أربعاء. كما سألوا زوجته وهي سرلنكية أيضًا اذا ما كان لدى رمزي كومبيوترات في البيت. يومها “وجعني قلبي”، وبدأت أخاف. عرفت أن الأوان قد آن “للنقّ”.

هل خاف؟ هل فكّر أنه قد يقتل؟
كان عيد الفصح لدى الروم الأورثوذكس قد اقترب وكنت أنوي تمضية العيد مع رمزي والاولاد في زحلة عند أهلي. وقبل ان نخرج سمعته يتكلم مع العقيد جورج خوري من مخابرات الجيش، فسألته عندما أنهى المخابرة ماذا قال؟ فرد رمزي: “سألته إذا ما كانوا هم الذين يسألون عني فنفى وأبلغني أنه سيسأل في الموضوع وإذا كان التحرك لشباب من المديرية فسيوقفه”. بعد يومين رمزي راح.
بعد عطلة نهاية الأسبوع أول أيار 2002 ، وفي أول يوم عمل له في المكتب في منطقة كليمنصو، أي الثلثاء بعد العيد، وصدف 7 ايار أي يوم عيد ميلاد ياسمينا إبنتي. عند الثالثة والنصف تقريباً إنطلقت من زحلة واتصلت برمزي أبلغه انني سأمرّ على أختي سينتيا وآخذها من اوتيل فينيسيا مقر عملها في بيروت. فأجابني فوراً “أنا أمرّ وآخذها إذهبي أنت الى البيت لأن جاد مريض”، كان إبننا جاد يعاني من حرارة مرتفعة، عندما وصلت الى ضهر البيدر أذكر سحب الغيم أمامي، عدت وإتصلت برمزي لتذكيره بـ سينتيا لأنه كثير المشاغل وقد ينسى فلم يجب على هاتفه، نظرت الى والدتي جنبي ثم الى الغيم أمامي وقلت لها، “خلص أخدو رمزي”.
ضحكت علي أمي وقالت “كيف يعني؟ شو عرّفك؟” وبالحقيقة لا يمكنني أن أصف ذاك الشعور وقتذاك. رمزي لا يُقفل خطه أبدًا، أمضيت كل المسافة من ضهر البيدر الى بيروت أطلب رقمه وأجده مقفلًا.

حلّ المساء ولم يعد رمزي، مع أنني كلمته وعرفت أنه نزل من المبنى مقر عمله، لكن بعد 20 دقيقة أقفل هاتفه. لا يمكن أن ينشغل ويتخلّف عن عيد إبنته ياسمينا. تركت الأولاد عند شقيقه لأن مفتاح البيت مع رمزي، اتصلت بصديقه وطلبت منه أن يرافقني لنبحث عنه او عن سيارته. لم أترك زاوية في الحمرا من دون أن أتفقدّها ولم أجد له أثرًا. عدنا الى منزل ذوي رمزي في الاشرفية ننتظر … إلا أنه لم يعد. في اليوم التالي قرأنا في جريدة “الديار” خبرًا عنوانه: خلاف قواتي… إختفاء رمزي عيراني.
اتصلت بالجريدة وتكلمت مع الصحافية كاتبة الخبر وسألتها من أين لها هذه المعلومات فقالت: من الرئيس عدنان عضوم.
عجباً كيف عرفوا باختفاء رمزي بعد ساعات وأن السبب خلاف قواتي؟ فيما السلطات الأمنية طلبت منا 48 ساعة للتحقيق في الموضوع!! كل الأقرباء والأصدقاء بدأوا بتوظيف معارفهم لكشف مصير رمزي وأحدهم كان يعرف العميد ريمون عازار الذي وعد بأن يكون رمزي في البيت عند العاشرة صباحاً… صارت الرابعة من بعد الظهر ولم يعد رمزي وعندما سألنا عن السبب قالوا أنهم أخطأوا بالإسم. عجيبة تلك الصدفة!! بقينا هكذا على مدى أيام نجول على السياسيين والقيادات من الوزير وليد جنبلاط الى رئيس الجمهورية إميل لحود…كما طلب اللواء جميل السيد أن يراني.

وماذا قال لك السيّد؟
أدخلني في متاهات وأسئلة لا علاقة لها بالموضوع. لا أنسى كمّ أشرطة الفيديو على مكتبه وكلها عن نشاطات القوات اللبنانية كما كان مكتوبًا عليها.
عندما تأكدت من خلال الأسئلة والوقائع ان القوى الأمنية كافة لا تبحث عن رمزي خفت أكثر، حملت صورة له وجلت في الشوارع حول مقر عمله أسأل الناس لكن أحدًا لم ير شيئًا.
بعد 5 أيام إتصلوا بي من مخفر الدرك وطلبوا مني الحضور فورًا لأن أحدهم شهد على عملية خطف رمزي. عندما وصلت كان الشاهد قد طار لأن عناصر من الأمن العام طوّقوا المكان وأخذوه. من يومها والصراع بين الأجهزة على أشدّه. سألتهم إذا سجلوا شهادته إلا أنهم لم يفعلوا. لكننا عرفنا أن روايته تقول أن ثلاث سيارات إعترضت سيارة رمزي على طريق السوديكو التي تؤدي الى الضاحية وطريق المطار. هو بائع ساعات يبيع على بسطة على الطريق، قال إنه رأى رانج روفر وأودي وسيارة ثالثة تعترض سيارة رمزي وتحيط بها. نزل أحدهم من الرانج وجلس في سيارة رمزي وتوجهوا نحو الضاحية. إختفى الشاهد بعدها. وعندما سألنا عنه قالوا إنه معتوه.

أمضينا 15 يومًا من التعتير، قصدنا الرئيس رفيق الحريري الذي قال لنا “لا أعتقد أن حزب الله خطفوه لأنهم لو أرادوا ذلك لفعلوا ذلك على راس السطح. أعتقد أن رمزي ضحية صراع الأجهزة”.
أما يوم زرنا رئيس الجمهورية إميل لحود فاتصل بالقاضي عدنان عضوم وأمضى أكثر من نصف ساعة وهو يقول “إيه عدنان. آه آههه. إيه عدنان. آهه….” حتى تلفت أعصابي عندما أقفل الخط وقال لي “إيه مدام كيف ما كان رح يرجع يبين”!!!
بعدها إتصل بي مسؤول في مكتب الرئيس عضوم من آل جبور وقال “هلق بتجي وحدك. ما بتحكي حدا ولا حتى المحامي وبتجيبي باسبور الصانعة معك”.
وما دخل الخادمة بقضية اختفاء رمزي؟
عرفنا في ما بعد أنهم كانوا بحاجة لدليل وحجّة لتدخّل الأمن العام ومراقبتهم لبيتنا لأننا سجّلنا رقم لوحة السيارة التي كانت تسأل عن رمزي قبل أن يختفي.
بالطبع لا أهلي ولا أهل رمزي قبلوا أن أذهب بمفردي لكني كنت أصرخ وأبكي وأقول “دخيلكن تركوني روح لوحدي”. في هذه الأثناء كانت كل التحقيقات معي غايتها تشتيتي وأخذي الى أماكن بعيدة من الحقيقة. إتهموا رمزي بقضايا أخلاقية وخلافات نسائية وإفتراءات لتشويه صورته في عيوني وأنا كل مرة كنت أقول لهم “لنفترض أنها الحقيقة وإنو خاين، طيب بتقتلو كل واحد بيخون مرتو؟!! طيب عال اعطوني رقم صاحبتو!!” ولشدة ما أزعجوني في التحقيق توصلت معهم الى اتفاق بان أقرّ أن رمزي خائن مقابل أن يأتوا به. ربما لشدة ثقتي برمزي لم أتردّد لحظة عن مجاراة جبور بابتزازه، فقال لي متعجبًا “مانك هينة!!”
ثم سألني لماذا ترتدين الأسود؟ فقلت له إنني آتية من زيارة رئيس الجمهورية لكني كنت أتصبّب بالعرق الساخن، ونظرت الى المرآة فوجدتني شاحبة صفراء اللون. لم أفكر أن رمزي مات لكن أصبت بالهلع. بعدها دخل أحد العسكريين وأعطاه ملفًا ثم خرج جبور في مهمة طارئة كما قال.
في طريق العودة الى البيت مع سلفي وأخي اتصل بي المحامي ريشار شمعون وسألني إذا كان رمزي يحمل أيقونة في عنقه. فقلت له أنها “ذخيرة مقدسة” من دون أن يخطر في بالي أنهم يتعرّفون الى الجثة، مع أنني كنت طيلة الوقت ألومهم أنهم لا يبحثون عنه كفاية وأنه يمكن أن يكون مقتولًا بسبب حادث سير مثلا أو إختناقًا في غرفة الشوفاج أو بأي سبب آخر.
وصلت الى منزل ذوي رمزي في الأشرفية فوجدتهم كثر على البلكون صرخت لوالدته “راح رمزي؟” ووقعت أرضًا، لا أعرف ماذا قلت بعدها، وأول رد فعل لي كان أن كسّرت كل مجسّمات مريم العذراء في بيت عمي. مع أنني المؤمنة وأنا التي كتبت للعذراء رسالة أطلب منها أن يبتعد رمزي عن الخطر ويترك القوات. وأرسلت الرسالة مع “سلفتي” الى مديغوريه. ففي الأشهر الأخيرة قبل أن يغتالوه كنت أشعر أن الخطر يكبر كل يوم أكثر ويداهمنا. وعندما كنت أطلب منه أن يوقف نشاطه كان رده دائمًا “شو عم بعمل يا حياتي؟ الحكيم وبالحبس!!” وكان ردي دائمًا، “إذا السوريين بدن يقتلوك الدبان الأزرق ما بيعرف فيك”!
رمزي إصطحب أخوه وزوجته من المطار عائدين من مديغوريه يوم الإثنين أي قبل أن يُخطف بيوم واحد وبقيت مسبحة الوردية التي جلبتها له كلود ملفوفة على يده.

سألت نفسك بالتأكيد لماذا رمزي؟
لماذا رمزي؟ لأنه رمزي الذي لا يخاف أن يظهر على التلفزيون وهو يضرب على الطاولة ويقول “أطلقوا سراح سمير جعجع الآن”. جُننت حين رأيته وقلت له “شو عملت إنت مجنون”؟
رمزي الذي حضّر للاعتصام في حريصا وجمع مع رفاقه نحو 4 آلاف شاب قواتي. في التحقيق قال لي الضابط المحقق لو أعطى رمزي كل شاب كان في ذاك اللقاء مسدسًا لكان قاد إنقلابًا. تخيلي كيف كانوا يفكرون! لهذا قرّروا أن يزيحوا رمزي. لأنه تجرّأ في عهد الوصاية السورية وطالب باطلاق الدكتور جعجع وعمل جاهدًا لتحقيق ذلك.
برأيي أنهم قرّروا أن يزيحوا أي شخص يزعجهم منذ إغتيال رمزي وحتى اغتيال الرئيس الحريري والشهداء من بعده. حتى الوزير مروان حمادة عندما التقيته بعد محاولة إغتياله الفاشلة قال لي “كم إستهترنا بقضية رمزي! لم ندرك أبعاد الحادثة”.
حتى قبل أن تتحقق مصالحة الجبل كان رمزي فتح خطوط التواصل مع وائل أبو فاعور ومصلحة الطلاب ونقابة المهندسين.
.jpg)
علمنا قبل التحقيق أن خط رمزي الهاتفي فتح في منطقة المريجة وكانت لدينا لائحة اتصالاته من “ليبان سيل” قبل ان تحصل عليها الاجهزة. الشباب كانوا أذكى، وعرفوا أن الخاطفين أخذوا أرقامهم وبدأوا يتصلون بهم واحدًا تلو الآخر ليستدرجوهم ويوّرطوا بذلك القوات.
إتصلوا بنائب رئيس دائرة الجامعة اللبنانية – التي كان يرأسها رمزي – جان ابي نجم وبرفيقه في قطاع المهندسين كريستيان كريمونا وكذلك بإيليانو المير، وابلغوا كلاً منهم ان سيارة رمزي موجدة في الشارع الفلاني في محاولة لإستدراجهم. مثلا طلبوا من المير أن يذهب الى اوتيل Sea Rock ليتعرّف الى سيارة رمزي فسمع أوتيل كومودور بالخطأ وأخذ الشباب ليبحثوا هناك. لولا الله ستر والا كانوا ضبطوا الشباب قرب السيارة التي وضعت فيها جثة رمزي واتهموهم بقتله. حتى أنا وعندما كنت في مكتب الأمن العام دعاني أحد المسؤولين من آل الحلو لنبحث عن سيارة رمزي، أخذني الى منطقة الروشة وأذكر انني مررت بالقرب من مفرق كاراكاس لكني لم ألمح السيارة، كان قصده أن أجد السيارة بنفسي؟!! كل ذلك قبل يومين من أن تبلِّغ تلك السيدة عن رائحة كريهة تنبعث من السيارة كما قالوا لنا، وتقرير الطبيب الشرعي يؤكد أنه توفي في اليوم العاشر لاختطافه. كان في صندوق سيارته مستلقيًا كما يغفو عادة، لكن مع رصاصتين في القلب من عيار 7 ملم كي تكتمل الجريمة ان السلاح نسائي أيضًا وليس سلاحًا حربيًا. تمنيت حينها لو كان نائمًا عندما قتلوه. كان جسمه قد بدأ يتحلّل لأنه فقد كل الدم بسبب الإصابة المباشرة في القلب، ولم يكن ممكنًا أن نعرف إذا ما كان قد تعرّض للتعذيب.
إغتيال رمزي كان البداية وكغيره من الإغتيالات لن تظهر الحقيقة فيه.
في اليوم الذي كشفوا جريمة رمزي، فجّروا نجل أحمد جبريل لتغطية الحدث بحدث أهم، وطلبوا من كل الصحف وقف الكتابة عن رمزي.

كيف أكملت جيسي بعد رمزي؟
اسير على الدرب التي سلكها رمزي في الناضل في “القوات اللبنانية” واعيش قناعاته الوطنية. كما أحافظ على قداس رمزي السنوي حيث تلتقي العائلة ورفاقه ونتواصل معه بالذبيحة الالهية، كما اشارك في نشاط مصلحة المهندسين في “القوات اللبنانية” فهي إختارت أن تخلد ذكراها بحفل جائزة رمزي عيراني للمتفوقين من طلاب الهندسة في الجامعة اللبنانية – الفرع الثاني في رومية كلية رمزي، والذي تنظمه سنويا بكل إحتراف وإتقان.
تمر السنوات ورمزي ما زال ينبض فينا كأنه لم يغادرنا. دمّروني في 15 يومًا. دخلت عالمًا قذرًا. كنت أعود الى البيت وتحترق أعصابي وقلبي من دون أن يعرف بي أحد.
بالصلاة كنت أستمر وأقف على رجلي. وفي كل هذه الفترة ستريدا ورفاق رمزي لم يتركوني.
قبل أسبوع من إختطافه نزعوا كاميرات بيت وليد جنبلاط المحاذي لمكاتب شركة توتال التي يعمل فيها. ومنعوا حرسه من إعادة تركيبها. حتى شركة توتال طلبنا منها أرقام الهاتف التي تلقاها فقالوا ان السنترال معطل. الجماعة “بكلوا” الجريمة من كافة جوانبها.
لم يخطر ببالي او بباله أنه يمكن أن يزعجهم الى درجة أن يقتلوه.

*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ 4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.