#adsense

ومن ليل معتقل الاسد… أهدى صوما أمه أغنية

حجم الخط

 

كان آذار وكان العام 1985، جلس في ظلمة الزنزانة، وحيداً من دون العالم وكان العشرين من آذار تحديداً، تركه سجانه للحظات، ظلام وعذاب ووقت لا ينتهي.

هو مرمي في ليل الوحوش الذين اعتقلوه، في سجن حافظ الاسد، لانه “قوات لبنانية” اعتقل، والصقت به تهمة العمالة لاسرائيل وحكموا عليه هكذا من دون محكمة ولا قاض بالسجن اثنين وعشرين عاماً.

ضاقت الحياة، انتهت عند عتبة المقبرة حيث يدفن الشباب أحياء، كان يعرف ان امه في الخارج “تولول” لغيابه، انها تدور من باب لباب تشحذ له الحياة علّه يعيش من جديد، انها لم تترك قبس ضوء الا واخترقته علّ يخرج ابنها الى الضوء من جديد.

كان ليل وكان شوق كبير وأسى يقارب الموت، وكانت ليلة عيد الام من دون الام، والام بالكاد تحيا لان ابنها حي ميت في قبر الاسد، فكتب قصيدة لامه واحتفظ بالورقة المهربة اليه في جيبه. قال لنفسه همساً كي لا يسمع السجان نداء روحه “يمكن اطلع من هون وشوف امي مين بيعرف وبس شوفا بدي شم الحياة بتيابها واغمرها وقلها هالقصيدة” ومرّ الوقت.

 

رأى امه بعد عام من توقيفه في  1984، بالكاد عشر دقائق من مسافة بعيدة، لم يشم عطرها ولا قبل يديها وجبينها، أخرجوها عنوة بعدما تعرضت للكثير لتتمكن من رؤيته لدقائق، واعتبر انها النهاية لن يرى امه بعد اليوم. عامان، دهران، قرنان في معتقل الموت، وفجأة اخبروه انه سيخرج، نجحت المفاوضات بالتوصل الى اطلاقه بعدما ابتزت العائلة وبعدما كادت تصل امه الى الموت الحقيقي ظناً ان ابنها مات ولن ترى حتى جثته كغالبية المعتقلين اللبنانيين المجهولي المصير.

 

العام 1987 لُحنت القصيدة، قرر صوما اهداءها لكل ام عانت من أسر أبنائها وفقدانهم أحياء، كانت الاغنية هدية لهن في عيدهن، لم يجد ما يقدمه سوى تلك الكلمات البسيطة الحنونة الممتلئة قلب الشوق، معاناة الفراق، قهر الاستعباد والظلم…

عبرت الايام، تغلغل الاحتلال تجبّر ظلم اجتاح قتل اعتقل انتهك و… خرج ذليلاً مكللاً بالهزيمة والانكسار واللعنات، وبقيت القصيدة وبقيت امهات لبنان في قلب العذاب والمعاناة، وبقي المعتقلون في قبور الاسد لا هم أحياء ولا هم أموات. والامهات يتوالين على فصول الانتظار والدمع وأحياناً الموت، دارت الايام دورتها وقرر صوما أن يكون للاغنية الملحنة فيديو كليب يهديها لامه ولكل ام معتقل.

 

صار عمر والدته الست لطيفة سبعة وسبعون عاما وترفض الحديث عن تجربتها المرّة، لا تتحمل حتى الذكرى، وعندما حملت اليها حبيبتها السا صوما التي اخرجت الفيديو كليب بالتعاون مع صديقتها مارتين بو يونس، لتشاهده، حزنت وغضبت ورفضت بداية أن تراه لكنها ما لبثت أن وافقت خصوصا ان لها مشهدا فيه “عم تعيشوني ابشع لحظات عمري ما بدي ارجع لهيداك الوقت” صرخت، لكنها سرحت فيه تماماً، كل مشهد عبر كان دمعة تحرق خدود العمر التي حفرها الخوف الكبير على ابنها  “حمدالله ابني ظمط تبهدلت تـ اقدرت شفتو مرة بس رجعلي” تمسح دمعة حارة غسلت الالم الغميق وتبتسم، ابني رجع الله يساعد الام لـ ما رجع ابنها بعد…

 

صوما تزوج منذ العام 2000 عنده شابان وصبية ينتمون الى القضية، يعرفون ان والدهم الاسير المحرر عاش تجربة كرامة وحوّل الاسى فيه الى طاقة حياة، وان والدهم الذي يعمل حاليا في جهاز الاسرى والمعتقلين في “القوات اللبنانية”، هو بطلهم المطلق.

 

“هالفيديو كليب هدية لأمي ولكل ام ولادها غايبين عنها، هيدي رسالة حب واحترام مني الهن وما كان عندي اي شي اقدر اقدمو الا اني رجّع الغنية من الارشيف ونزيد عليها لمسة اخراج حنونة وخبّر قصة معتقل سابق وعذاب ام كانت مستعدة تلحقو وتعقد معو بقلب الجحيم حتى تحرسو” يقول صوما.

هذه حكاية بدأت حزينة وانتهت حيث يجقب، عاد الابن الى حضن امه ووضعت نقطة على السطر. ثمة امهات في لبنان لم تنته سطور عذاباتهن ولم تحدد النقطة على اي سطر توضع، لهن أبناء يموتون في الغياب المجهول، لا هن قادرات ان يلبسن الاسود حدادا، ولا ان يبقين في الابيض لون العودة، قبور النظام اياه تمعن في التعذيب والوحشية وقلوبهن توغل في الانتظار حتى الموت على طريق اللهفة.

 

لهؤلاء، للواتي جعلن من الدمع كبرياء الحزن والانتظار، للواتي حملن أبنا ولفلفنه بعلم الوطن مدججاً بشهادة من كرامة، للواتي ربّين أجيالاً ليحملن بنادق الشرف دفاعاً عن أرض وشرف، لكل بسمة فيكن، لكل دمعة مالحة، لكل تراب تدوسونه ليتحوّل الى زهرة وبرعم حياة، لكنّ ورد العالم كله لا يكفي، لكنّ الحب كله، لكنّ قلب العذراء ومشلح يسوع، لكنّ العمر كله يا واهبات العمر والحب وكل هذا الفيض من الكرامة…

 

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل