#adsense

ماما ماتيلد.. إنكسر قلبُها 6 مرّات وما زال ينبُض بالعيد

حجم الخط

 

كتبت مرلين وهبة في “الجمهورية”: بِلكنةٍ فرنسية راقية تردّ ماما ماتيلد على إطرائي لجمالِها على رغم كبر سِنّها، وتقول: L’age avec le don ma chère، أي أنّ العطاء هو الغِنى الحقيقي الذي يُحسَب في عمر الإنسان، إذ ليس مهمّاً إنْ عَمَّرَ الإنسان طويلاً واعتنى بجماله دهراً إنْ لم يكن هذا العمر مقروناً بعطاء مستمرّ، وهذا ما برهنَته السيّدة ماتيلد بولس سعد في مسار حياتها التي كُتِبت بالدم والدموع، فتقبَّلتها بصمتٍ وبَسمةٍ وإيمان ورجاء.

وُلِدت ماتيلد في جبيل لكنّ والدتها توفّيت وهي في الثامنة من عمرها، فمَكثت مع والدها وربَّتها جدّتها في منطقة حبوب، إلّا أنّ ماتيلد انتقلت إلى مدرسة داخلية لراهبات الـ St. Charles. في الأشرفية.

وبعد نحو سنتين على رحيل والدتها، توفّي والدها، فمكثَت حتى سنّ الثامنة عشرة في المدرسة الداخلية حيث كانت تزور جدّتها مرّة قرابة كلّ شهر، وتعلّقَت بها كثيراً، لدرجة أنّ السيّدة ماتيلد لم تتقبّل تعليقنا بأنّها نشأت يتيمة، فقاطعَتنا: «لم أكن يتيمة، بل ربَّتني جدّتي مع إخوتي»، فلم تنكِر أنّها تأثّرت جِدّاً عند وفاة جدّتها الجميلة والقديرة «السِتّ هند».

غادرَت ماتيلد مدرستها عروساً في الثامنة عشرة، وقد مَكثت مع زوجها في الأشرفية، وتنَعّمت معه وأنجَبا 6 أولاد: 4 فتيات وصبيَّين، لينتقِلا عام 1973 للعيش في المنصورية، وكان زوجها يعمل في التجارة الحرّة، وهو رجل يتّقي الله متَديّن، لازَم عائلته وسهرَ عليها.

ولأنّ ماتيلد عانَت الحرمان والعاطفة الأبوية، فقد عوَّضت بعشق عائلتها، على رغم أنّها تزوّجَت صغيرةً ولم تكن مؤهّلة لمسؤولية الزواج، حسب ما تروي، ومع ذلك اختصرَت أمومتَها بالحبّ والعطاء، فأحاطَت أولادَها وتظلّلَت بهم. إلّا أنّ القدر كان لها مجَدّداً بالمرصاد.

عام 1976 فقدَت ماتيلد ابنَها بيار في عيد السيّدة وهو في سنّ الخامسة والعشرين في حرب تل الزعتر. لتعودَ وتفقد زوجَها بعد ثمانية أعوام من الحزن الذي أضنى قلبَه وجسدَه، فلحقَ بابنِه بيار.

ولم يكتفِ الدهر من العائلة ومن الأمّ ماتيلد بالذات، حتى جاءتها صدمة جديدة بانفجار في سن الفيل أطاحَ بابنتها عفاف، فتركَ آثاراً لا تُمحى على وجهِها، بعدما فقدَت إحدى عينيها. الجرح لم تشفَ منه ماما ماتيلد التي حضنَت ابنتَها وفضّلت البكاءَ ليلاً في سرّها والحفاظ على ضحكةٍ مشرقة نهاراً أمام أفراد العائلة وزوّارها ومحبّيها.

تتنهّد ماما ماتيلد وتتذكّر أخاها الذي أحبَّته كثيراً، وتقول: «فقدتُ أخي الغالي في عاليه عندما فاجأه مسلّحون ذات مساء في منزله وأوقفوه مع عائلته على الحائط بهدف تصفيته، إلّا أنّ القدرة الإلهية شاءَت أن يبقوا على قيد الحياة فهربوا باللباس الذي عليهم وتعذّبوا كثيراً، قبل أن يهربَ أخي إلى الخارج تاركاً أولادَه الخمسة في لبنان. لكنّه وبعد طول فراق عاد إلى وطنه جثّةً هامدة نتيجة حزنِه على فراق أولاده».

وعندما تسألها عن سِرّ ضحكتِها الدائمة، تجيب بتنهيدةٍ عميقة ومليئة بمعانٍ كثيرة، بأنّها ليست مستعدّة لخسارة بقيّة أفراد أسرتها، وعليها الحفاظ على بسمتِها لتعكسَ صورة الأمل التي تتمنّاها لحياتهم، فهُم كلّ همِّها في الحياة، وحلمُها أن تعانقَ أولادَهم وتحضنَ أحفادَها.

ماتيلد والعيد وآذار

الأمان الذي فقدَته السيّدة ماتيلد في صِغرها وفي مأساتها تَشعر به عند استقبالها أفرادَ عائلتها في بيتها في المنصورية، وهو البيت نفسُه الذي حضنَ زوجَها وابنَها الشهيد بيار. وقد اعتادَ أفراد العائلة زيارتها ليلة ميلادِها في 14 آذار، أي في أسبوع عيد الأمّهات، حاملين الورودَ للاحتفال معها، وبعضُهم يأتي من الخارج خصّيصاً للاحتفال مع تيتا ماتيلد.

تقول ابنتُها الصغرى السيّدة روزي مقدسي إنّ أمَّها رمزٌ للأمّ اللبنانية المناضلة، وهي أمثولة وعِبرة لمعنى التضحية والعطاء والإيمان، وتُبدي فخرَها بأنّها ابنةُ إنسانةٍ عظيمة، فهي على رغم ما عانَته، كانت إنسانةً مثقّفة محاوِرة ملِمّة بالقراءة وحُسنِ الضيافة والحوار والاستقبال.

وهذا بالفعل ما لمَسناه أثناءَ تلبيتِنا دعوةَ أفراد العائلة للمشاركة في ليلة الاحتفال بعيدها. فكانت تُصِرّ على الجميع لتذَوُّقِ ما صنعَته من حلويات، ولم تشَأ سَرد قصّتها قبل أن نتذوّق مِن مختلف الأصناف التي حضّرَتها في الصباح الباكر.

فقدان ابنها بيار

كانت ماتيلد متشوّقةً لاستقبال «الجمهورية» التي تتصفَّحُها يومياً، وأرادت من خلال روايتها إيصالَ رسالةٍ إلى جميع أمّهات لبنان، فتقول: «بيار درسَ في الأشرفية وتطوَّع في الجيش، وبعدها زاولَ أشغالاً حرّة مع والده، وكان نبيهاً مؤمناً وفائقَ الذكاء.

بعد خدمتِه في الجيش لمدّة 3 سنوات انتسَب لحزب الكتائب اللبنانية في منطقة اليسوعية – الأشرفية حيث كان مركز الحزب وتسَلّمَ بطاقةً كتائبية لا تزال معي.

عَلمَ الشباب رفاقه بأنّ لديه خبرةً وقدرات متميّزة، فأقنعوه بالذهاب معهم للمدافعة عن لبنان، فتضامَن معهم وصعدوا إلى الأحراش للحراسة، بعدما راجت الأحاديث عن التسَلّل الفلسطيني القادم إلينا. وكنتُ أركض في الليالي حافيةً وأنا في قميص النوم أبحث عنه وعن ابني الصغير صاموئيل الذي أراد مرافقة أخيه للحراسة. كنتُ أفتّش في أحراش المنصورية عن مكان نومِهم».

تتوقّف السيّدة ماتيلد قبل أن تضيف بغَصّة: «بعدما كانوا ينامون بأمان في فراشِهم، أصبحوا يفترشون الأحراش والسماء». وتكشف أنّ ابنَها التحقَ أيضاً بحزب الأحرار في بعبدات ودافعَ معهم في أيام الحرب، لكنّه استشهد عام 1973 في تل الزعتر بسبب قذيفة. حاولتُ المقاومة من أجل الباقين، وشعرتُ بأنّني لم أعد أقوى على العيش، ولا يمكن أن أصِفَ شعوري بخسارته.

قذيفة هاون تفقدها الزوج

وتتابع ماتيلد سرد روايتها بغصة: مرض زوجي من الصدمة، وفي أوائل الثمانينات، هرَبنا نتيجة القصف إلى منزل ابنتي المتزوّجة في جبيل، إلّا أنّ زوجي بقيَ في منزل المنصورية ليحرسَه، وكان يطلّ علينا نهاية كلّ أسبوع. وفي صبيحة نهار الأحد عام 1983 وبعد سماعِه الأخبارَ الأمنية، تمنّى عليّ لو نذهب إلى البحر، فالأجواء هادئة في المنطقة.

رفضتُ أنا الذهاب وآثرتُ حضور القداس في كنيسة مار يوسف القريبة من بيت ابنتي، ولم يكد زوجي يصل الى الشاطئ حتى نزلت قذيفة هاون على البحر وهو يسبَح فأصابَت رأسه مباشرةً، والغريب أنّ المنطقة كانت آمنة في حينها ولم تشهد قذيفةً أخرى غير تلك القذيفة التي قضَت على زوجي، لتعمّقَ جرحَ قلبي وقلب العائلة.

وإنفجار يعوق الإبنة

وتواصل ماتيلد: أحسَستُ بعمق المأساة، لكنّني صمدتُ وشعرت بأنّ المسؤولية كبرَت على عاتقي أكثر. بعد موت ابني وزوجي، وقد أنعمَ الله عليّ بنعمتَي الايمان والصبر لأسَلّم لمشيئته، إلّا أنّه وبعد وفاة زوجي وابني ارتأى الله ان تكملَ العائلة دربَ الجلجلة، فطاولَت الحرب ابنتي عفاف التي كانت تعمل في مركز البحوث عندما طلبَت منها رفيقتُها إيصالها الى منزلها، فوقعَ انفجار في منطقة سن الفيل أصابَها إصابةً بالغة بعدما تطايرَت سيارتُها، ففقدت عينَها، وقضَت حياتها تتنقّل من مستشفى الى أخرى، وما زالت حتى اليوم تعيش في المنزل معي، وهي في حالة نفسية ومعنوية سيئة.

عفاف تراقب

عفاف كانت تراقبنا من بَعيد… لم تَنبس بكلمة أثناء زيارتنا، بل اكتفَت بالجلوس في زاوية المنزل تراقب بألمٍ وتنظر إلى والدتها التي كانت تحضّها على ضيافتنا كلّ دقيقة: «عفاف أطعِمي أولادَ أختِك، وقدّمي المازة للضيوف»… في محاولةٍ لجَعلِها تشاركنا فرحة العيد.

تدمَع ماما ماتيلد وتتابع: «شعرتُ أنّ مصائب الدنيا كلّها وقعَت على رأسي، إلّا أنّني رغم كلّ تلك الهدايا ظلّ بيتي مشرَّعاً لكلّ إنسان محتاج ومهجّر من الاهل والأصحاب، وعضَضتُ على جروحي وبكيتُ خفيةً، وكنتُ أخاطب الله في سرّي وأطلب منه حماية الباقين وإعطائي نعمة الصبر».

تُعايد ماتيلد أمّهات لبنان، وتدعوهنّ إلى النضال، على رغم الجروح، وتقول: «ما ذنبُ الآخرين لأبكي وأنعي أمامهم، فلكلٍّ ظروفُه، ولا ندري ما هي ظروف الآخرين. لا يمكن لإنسان الهروب من قَدره، وأنا أتمنّى لكلّ أمّ في عيد الأمّهات عدمَ عيشِ المآسي التي عشتُها. قلبي يدمى ولكن لا ذنب للآخرين، فالبسمة تعطي الأمل وتعكس معنى الرجاء».

وتضيف: «أمَلي في الحياة أن يتعلم الإنسان معنى الرجاء في حياته، وأن يبقى الأمل في نفسه. ما زلتُ أحبّ العطاء، ربّيتُ عائلةً مؤلّفة من 6 أولاد. فقدتُ أمّي وأبي وابني وأخي، وابنتي المصابة مقيمة معي تذكّرني يومياً بهم، ومع ذلك أناضل. أصَلّي للّذين غابوا يومياً، أبكي ليلاً في سرّي ولا أحبّ ترجمة حزني أمام أفراد أسرتي، وها أنا أحضن أحفادي وعائلاتهم بفرح، وهُم يجتمعون حولي في المناسبات، خصوصاً في 14 آذار تاريخ ميلادي، ويُطفئون معي شمعة العيد.

أجمل هدية أتلقّاها في حياتي وجود المحبّين، وأشكر الله لأنه ما زال على رغم أخطاء البشر يُشرق شمسَه علينا. وكما تقول القدّيسة تريز إنّ المعاملة الحسَنة هي أيضاً قَداسة، فهناك قدّيسون على الأرض لا يَعلم بهم سوى الله وهُم بمعاملتهم لأولادهم والآخرين يعيشون حياة الأبرار على الأرض.

الأمّ رسالة

على رغم مأساتها على أرض لبنان وبسبَب حروبه ربّما، ما زالت ماما ماتيلد تَختاره وطناً لها. وتَختم بالقول: البابا القدّيس يوحنا بولس الثاني يقول إنّ «لبنان رسالة»، أمّا أنا فأقول إنّ «الأمّ رسالة». وأذَكّر أمّهات لبنان بقول الإنجيل «المرأة الفاضلة… مَن يجدها، ثمنها لآلئ».

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل